منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

ندوة علمية حول الثورة الجزائرية . بالمركز الجامعي لتامنغست

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ندوة علمية حول الثورة الجزائرية . بالمركز الجامعي لتامنغست

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الأربعاء 22 فبراير 2012, 21:17



هذه ورقة قدمت في الندوة العلمية التي أقيمت بالمركز الجامعي بتمنراست بالتعاون مع النادي الأدبي ابن رشيق للفكر والأدب.
وهي من إعداد الأستاذ : رمضان حينوني أستاذ الأدب الحديث بالمركز.

عنوانها:
الثورة الجزائرية في منظور الشعر العربي الحديث
تمهيد:
يندفع الشعر بوصفه تعبيرا وجدانيا انفعاليا مع الأحداث المختلفة التي يصنعها الإنسان أو التي تفرض عليه، فيعبر عنها ويجسدها، ويعكس ما فيها من سلبيات وإيجابيات؛ فهو الحاضر في ميادين النزال، كما في حفلات الأعراس، وفي مجالس اللهو والترف كما في مجالس الوعظ والإرشاد، وفي الفخر بالقيم النبيلة كما في ذم الخصال القبيحة، وفي رحاب الملوك والسلاطين كما في أكواخ الفقراء والمعدمين، وما شئت من الميادين والجبهات.
والشعر بما يحمله من سحر في البيان وتناسق في النظم، وسعة في الموضوعات، وسيلة تعبيرية مهمة لتخليد الآثار وتصوير المواقف، ما يجعله مؤثرا في النفوس، ومترددا على الألسنة جيلا بعد جيل، وحقبة بعد أخرى. لهذا ارتبط بحياة الشعوب وتاريخها ومآثرها، حتى عده العرب ديوانهم الذي يفخرون به، وزادهم الذي يقابلون بها ما لغيرهم من فلسفات ومظاهر حضارة.
وإذا كان للشعر هذه الخطورة، فإن اقترانه بالأحداث العظمي يزيده قوة ومكانة في آن معا، خاصة إذا ما وجد من الشعراء من يجمع قوة البيان بقوة التفاعل مع الحدث؛ لأن أخطر ما في الشعر كونه كلاما خالدا يتردد على الألسنة كما تتردد التحية بين الناس، وكونه محط أنظار الجميع بغض النظر عن مستوياتهم ووظائفهم. وما ينقله تاريخ الأدب عن الشعر والشعراء قديما وحديثا يذهل القارئ بكل ما يحمله من متناقضات، فرب شاعر رفعته قصيدته إلى مصاف الأخيار والأبطال، ورب شاعر نزلت به القصيدة إلى قاع الضياع، وما ذاك إلا لأن الشاعر أبدع فيها فنا وجسد فيها موضوعا له من الأهمية ما ليست لغيره.

ثنائية الشعر والثورة:
وعندما نقرن الشعر بالثورة الجزائرية فنحن أمام متعتين: متعة الفن الشعري بخياله وتصويره وموسيقاه، ومتعة الموضوع بزخمه وهوله وروعته التي تركت آثارها في نفوس الجزائريين، ونفوس غيرهم من العرب والمسلمين والأجانب أيضا. ونجد أنفسنا مجبرين على استرجاع ماضينا لنقرنه بحاضرنا ونتأمل سنة الله في خلقه وكونه، فكما كان أبو تمام والمتنبي يقفان على معارك الملوك المسلمين في زمانهم وينقلونها تصويرا ومعاني وعواطف حتى خلدوها في التاريخ، فكذلك فعل مفدي زكريا وغيره مع الثورة الجزائرية. وإذا كانت معارك الماضي أياما وليالي، فإن الثورة سنون طويلة مُرة لم ينته كابوسها إلا بعد تضحيات جسام. فلا عجب إذن أن يخصص شاعر مثل مفدي زكريا أغلب شعره لتخليد أمجاد الثورة، والفخر برجالها، حتى ظننا أن ليس لمفدي اهتمام في الدنيا سوى الجزائر.
وعلى الرغم مما تفرضه الثورات العظيمة على الشاعر من حماسة في نقل مجرياتها، فقد تعتري الشاعر أحيانا صدمة العظمة تجعله، حائرا فيتوقف عن الاندفاع والتدفق، ويجلس عن بعد يترقب ويلاحظ، دون أن يقوى على تحريك لسانه المبدع، بل دون أن تسعفه الكلمات للتعبير عما يرى ويسمع. ذلك هو حال الشعراء مع الثورة الجزائرية العظيمة التي أذهلت العالم ببطولات أبنائها، ورسمت للجزائر لوحة عز خالدة لا تؤثر عليها العوامل والمتغيرات.
لكن صمت بعض الشعراء أمام عظمة ثورتهم لم يكن من قبيل التخاذل أو الخيانة، بل العكس هو الصحيح؛ إنه صمت المعجب والمعظم للحدث، فكأن ما يحدث على أرض المعارك لا يحتاج أصلا إلى من يعبر عنه نتيجة لكونه جللا؛ مثلما حدث مع الشعراء تجاه القرآن الكريم أثناء نزوله، ففي الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات شعراء قريش تستهزئ بالرسول وقرآنه في عنجهية وتجبر وتكبر، نجد شعراء آخرين ممن صفت نفوسهم من الحقد والتحدي أخصرهم القرآن بما أتى به من بديع التصوير وجمال البيان وقوة الحجة، فكأنما يقولون لقرائهم ورواتهم: ليس بعد هذا الكلام كلام؛ ولا نريد بمثال القرآن هذا المطابقة بقدر ما نريد إثبات أن قوة الحدث موجبة أحيانا للصمت عن التعبير عنه، أو بيان أولوية السكوت على الكلام القاصر عن بيان حقيقة ما يجري، فكأن الكلمات المترجمة له أصغر من أن تتحمل ثقل المعنى، كما عبر عن ذلك العيسى في قوله:
روعة الجرح فوق ما يحمل اللفـ ظ ويقوى عليه إعصار شاعر
ما عساني أقول والنـــــــار لم تلـ فح جبينــــــــي هناك والثأر دائر
على أن صمت الشعراء الذي نقصده هنا ينقسم قسمين: قسم تجسد فيه الصمت الحقيقي عن إنتاج النص الشعري، لظرف أو لآخر، وقسم عبر فيه الشعراء عن الصمت وعجز القوافي عن احتواء معاني على سبيل تعظيم الثورة دون أن يصمت الشاعر حقيقة.
فمن النوع الأول نجد الشاعر القدير المرحوم محمد العيد آل خليفة الذي " لم ينتظر ديوانه الضخم غير قصيدتين يعود تاريخهما إلى عهد الثورة، وهو الشاعر الذي كان ينفخ الثورة في الثلاثينيات بقصيدة في كل مطلع شهر"، كما سكت أحمد سحنون الذي كان يتلمس وهج الثورة بأطراف أصابعه، وسكت محمد الأخضر السائحي فلم يطالعنا بأول دواوينه إلا بعد الاستقلال، والأمر ينطبق على آخرين مثل محمد الجريدي والهادي السنوسي وعمر شكيري وغيرهم.
فلا يُعتقدن إذن أن سكوت هؤلاء عن الشعر أو عن كثيره راجع إلى جبن أو خوف من المحتل، فقد ضحى كثير منهم بحياته فداء لوطنه، مثل الأمين العمودي، وعبد الكريم العقون، والربيع بوشامة، وآخرين ذاقوا مرارة السجون الاستعمارية طويلا، كأحمد سحنون، إنما سكوتهم من قبيل الاعتراف بأن الدور لحملة راية السلاح، وعليهم أن يؤدوا الدور كما يجب.
أما النوع الثاني فيمثله عدد من الشعراء ممن ارتبطت أسماؤهم بالثورة الجزائرية، مثل الشاعر مفدي زكريا الذي عبر عن تراجع الكلام، وضيق الشعر عن التعبير عن عظمة ما يحدث في الجزائر. غير أنه بقدر ما كان يستخف بالكلمة في مقابل الكفاح المسلح، كان يبدع لنا القصائد التي لا تقل روعتها عما يحققه المجاهدون في ساحات الوغى، فمن ديوانه " اللهب المقدس" نجده يقول:
نطق الرصاص فما يباح كــــــلام *** وجرى القصاص فما يتاح ملام
السيف أصدق لهـجة من أحـــــرف *** كتبت، فكان بيانـــــــــــــها الإبهام
إن الصحائف للصـــــــــــفائح أمرها *** والحبر حرب والكــلام كـــــــــــــلام
عز المكاتب في الحياة كتــــــائب *** زحفت كأن جنــــــــــودها الأعلام
خير المحافل في الزمان حـــــــجافل *** رفعت على وحداتـــــــــــها الأعلام
أما أبو القاسم خمار فيحذو حذو مفدي في هذا المجال، حين يعبر عن ملله الكلام حتى وإن كان غناء أو تغريدا، ويدعو إلى الصمت الذي يفسح المجال للزحف أن يؤدي مهامه. يقول في قصيدة الزحف الأصم:
أنا لا أغرد للنضـــــــــــــــــا *** ل ولا أغني للرجــــولـــــة
ملت مسامعنــــا وعـــــــــــا *** ف الشعر ترديد البطولة
لمن الهتاف ؟ وأمـــــــتي *** لما تزل بيـــــــــــــن الحمم
الصمت أبلغ في الوغى *** والنصر للـــــزحف الأصـم
وإذا تساءلنا عن سر هذه النزعة إلى الصمت بنوعيه لا نجد أفضل مما عللها به الدكتور صالح خرفي في قوله:"وربما استمد بعض الشعراء هذا الموقف الصامد الصامت من الحقيقة التاريخية التي صدعت بها الثورة، حين قامت حدا فاصلا بين عهد اللعب وعهد الجد، وطوت في إصرار سياسة الأخذ والرد، حتى طغت على الثورة في سنيها الأولى رفض عنيد لكل تلويح بالتفاوض."

الثورة الجزائرية في الشعر العربي الحديث:
هزت الثورة الجزائرية وجدان الشاعر العربي منذ تفجيرها في نوفمبر 1954، واستمر ذلك إلى زمن ما بعد الاستقلال، ولا نبالغ إذا قلنا إن الشعر في كل قطر عربي ، من بغداد إلى مراكش قد حفل بتناول الثورة الجزائرية وكفاح هذا الشعب الكبير، وبكل الأشكال الشعرية المتاحة. وقد عبر عن ذلك شاعر الثورة الجزائرية نفسه حين اعترف بمآزرة بلاد العرب قاطبة مع كفاح هذا الشعب الأبي ، فقال في إحدى قصائده:
نسبٌ بدنيا العُرب.. زكَّى غرسَه ألمٌ.. فأورق دوحُــــــــــــــه وتفرَّعَـــــا
سببٌ، بأوتار القلـــــــوب.. عروقُهُ إن رنّ هذا.. رنّ ذاكَ ورجَّـــــــــــعَا!
إمّا تنهَّد بالجــــــــــــــــــــــــزائر مُوجَع آسى «الشآمُ» جراحَه، وتوجَّــــعَا!
واهتزَّ في أرض «الكِنانة» خافقٌ وأَقضَّ في أرض)العراق) المضجعَا!
وارتجَّ في الخضــراء شعبٌ ماجدٌ لم تُثنِه أرزاؤه أن يَفـــــــــــــــــــــــــــزعَا
وهوتْ «مُراكشُ» حــــولَه وتألمّتْ «لبنانُ»، واستعدى جديسَ وتُبَّعـــَا
تلك العروبةُ.. إن تَثُــرْ أعصابُها وهن الزمانُ حيالَها، وتضعضـــــــعَا!
وإذا بحثنا عن دوافع اهتمام الشعراء العرب بها وقفنا عند ما يأتي:
- كونها ثورة عظيمة في زمنها ومكانها، فقد جاءت بعد ثورات تحرر متواصلة في البلاد العربية، وحروب طاحنة ضد قوى الاحتلال الغربي والصهيوني. ولعل مأساة فلسطين وعجز الأمة عن التخلص من هذا الكيان الغاصب المدعوم من القوى العظمى ومنها فرنسا كانا حاضرين في وجدان كل عربي، ، ما جعل تفجير الثورة الجزائرية أملا في استرجاع الأمة لبعض مجدها الضائع.
- إن حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري في حرب غير متكافئة قد حظيت بالإعجاب والتقدير والتعاطف، ليس فقط لدى العرب أو المسلمين بل عند غيرهم من ذوى التوجه الإنساني العادل.
- تنامي الحس القومي في هذه الفترة، والشعور بوحدة المصير، الأمر الذي دفع الإنسان العربي إلى الرغبة في رؤية البلاد العربية تتحرر، استعداد لوحدة قومية مأمولة تكون خلاصا من التشرذم والتخلف والتبعية.
- إيمان الشعراء بأن للكلمة أهميتها في تحديد مصائر الشعوب، وفي دفع العمل النضالي والمسلح إلى تغيير الأوضاع السائدة
ولقد تشعبت موضوعات الثورة عند الشعراء العرب لتشمل الثورة في ذاتها كفعل مضاد للاحتلال، والإنسان الذي يصنعها والمكان الذي يشهد على عظمتها:

أ‌- الثورة بوصفها وقائع ومعارك:
يعرف الشاعر إذن أن الكلمات تقصر عن نقل الوقائع في كمال جلائها، ولكنه مع ذلك يأبى إلا أن يقول كلمته، ويحاول قدر جهده أن ينقل للقارئ صورة تهزه وتؤثر في وجدانه؛ ولقد وفرت الثورة الجزائرية للشعراء جوا ملحميا فريدا ينظمون فيها الأشعار، ويتبارون في نقل الأحاسيس قبل نقل الوقائع؛ لأنهم بعيدون عن أرض المعارك وإن كانوا يتمنون المشاركة فيها.
يقول الشاعر السوري سليمان العيسى في أحد حواراته:" عندما قامت الثورة الجزائرية ثورة التحرير الكبرى كنا نتابعها يوما بيوم ومعركة بمعركة ونعد نفسنا من الثوار.. وان لم نشترك في الثورة أو نكون في جبال الاوراس. كنا نحلم أن نكون في الجبال مع المقاتلين لكن لم يتح لنا أن نحمل السلاح فوجدنا أننا نستطيع أن نساهم في هذه الثورة بأن ننقل لعنة المنفى إلى أصلها.. الى اللغة الأم, ففكرنا قليلا ووجدنا أن أحسن خدمة يمكن تقديمها لهذه أن نطلع الإخوة العرب على ما يقوله إخواننا في الجزائر دفاعا عن الأرض والقضية والحرية."
في هذا الإطار تأتي قصيدة أحمد حجازي(الموت في وهران) لتصف الجموع المقدمة في إصرار على انتزاع كرامتها دون خوف أو تردد:
من أبدل المعنى، فصار المنى
أن يلتقي صريعهم بالصريع؟
ومن أضاء للعيون الردى
وأطلع الفجر قبيل العزيع؟
يرونه ودونه مقتل،
يرونه، ولا يرون الرجوع
أريد أن أعثر فيهم على
مستدبر النار، فلا أستطيع
أكاد أن أهتف في جمعهم
عودوا ! وأخشى واحدا أن يطيع
إن التفاعل الوجداني مع الحدث جعل الشاعر يندمج في جو الثورة والإصرار على تحقيق أهدافها، فيجد في جموع الثوار ما يريده هو في قرارة نفسه فيطمئن إلى أن السهم انطلق ولن يعود، والعاصفة بدأت ولن تهدأ حتى تحقق دورتها، وأن الموت عند هؤلاء اصبح أليفا وكأنه وجه للطلوع.
يعبر حنا أبو حنا عن دعمه للشعب الجزائري في كفاحه ومقاومته وثورته..فيقول:
ورأيت شعبي سيل نار دافق
متوثب في موكب الأرياح
وإذا اللهيب بريق عينيك ساطعاً
وعيون شعبي الثائر الطماح
فلأجل تحرير الجزائر ثورتي
ولأجل رغدتي وثبتي وكفاحي.

ب‌- الشهيد والمجاهد بوصفهما بطلين:
اعتلى الشهيد منصة التتويج بالشهادة والبطولة في شعر من يؤمنون بأن الحرية لا تعطى ولكن تؤخذ غلابا، فهو ليس ميتا عاديا تقام له المآتم وجلسات البكاء والعزاء ، بل هو مسيح يتعالى إلى السماء كما صوره مفدي زكريا في قصيدته الشهيرة (الذبيح الصاعد).
يقول الشاعر السوري سليمان العيسى في تعظيم البطل الشهيد (زيغود يوسف):
''صمت على الوادي يروّع الوادي
وسحابة من لوعة وحداد
أرسى على الهضبات ريش نسورها
وتمزقت من بعد طول جلاد
هدأ الوميض.. فلا أنين شظية
يُصمي، ولا تكبيرة استشهاد''
إلى أن يقول:
''يا سفح يوسف يا خضيب كمينه
يا روعة الأجداد في الأحفاد
يا إرث موسى في النسور وعقبة
والبحر حولك زورق ابن زياّد
يا شمخة التاريخ في أوراسنا
يا نبع ملحمة بثغر الحادي
أتموت؟ تاريخ الرجولة فرية
كبرى إذن، ووضاءة الأمجاد
أتموت كل حنية بجزائري
ميلاد شعب رائع ميلادي'
أما المجاهد والمناضل فلا يجدان من الشعراء إلا التبجيل والتقدير، خصوصا إذا ذاقا مرارة السجن؛ فهذه الشاعرة العراقية نازك الملائكة تصور مكانة البطلة الجزائرية(جميلة بوحيرد) في قلوب العرب حين علموا بما لاقته هذه البطلة في سجون الاحتلال، وبقدر ما تعبر عن العجز عن تحريرها وتخليصها من العذاب والإهانة، تصور أشكال التنكيل الذي تعرضت إليه دون أن تتنازل عن مبدئها وهي المرأة التي كان يعتقد ضعفها وخوفها وإذا بها لبؤة شرسة في وجه الذئاب والضباع.
ويلفت انتباه الشاعرة طريقة المحتل في تعذيب هذه البطلة، وتحاول أن تواسي البطلة بآثار ذلك التعذيب وذلك الصمود المضاد في إذكاء روح التضامن مع (جميلة) ومع كل جزائري يجابه القوة العاتية، فتقول في قصيدة( نحن وجميلة):
هم حملوها جراح السكاكين في سوء نية
ونحن نحملها-في ابتسام وحسن نية-
جراح المعاني الغلاظ الجهوله
فيا لجراح تعمق فيها نيوب فرنسا
وجرح القرابة أعمق من كل جرح وأقسى
فواخجلتا من جراح جميله!
وحظي اسم (جميلة) بكثير من الفخر في الشعر العربي، فإذا كانت بطلته الأولى هي (بوحيرد) فإنه ارتبط أيضا بمجاهدات أخريات منهن (جميلة بوباشا) و(جميلة بوعزة) وغيرهما، كما أن جنسهما والتحدي الذي يعنيه نظال امرأة في تلك الظروف القاسية جعل الشعراء يخصصون كثيرا من القصائد للبطولة النسوية في حرب التحرير الجزائرية.
وتذهب طلعت الرفاعي (السورية) في تفاعلها مع أحداث الثورة الجزائرية إلى أن تتصور نفسها بطلة أسيرة في الجزائر، لتنال الشرف والرفعة اللذين حظيت بهما أختها الجزائرية، فتقول:
أنا هاهنا من غرفة في السجن مظلمة رهيبة
هذه السطور أخطها في صمت وحدتي الكئيبة
وتطرح ما يتبادر إلى أذهان الجبناء والمتقاعسين عن أداء واجبهم تجاه أوطانهم، مفضلين العيش في هناء وغفلة، فتقول:
ما ضرني لو لم أثر، وبقيت في بيتي رهينة؟
أغفو على الريش الوثير، وأحتسي الكأس الرقيقة ؟
لكن متع الحياة مع المحتل مرارة، والمرأة والرجل في هذا الشعور سواء، لذلك تجيب المتسائل عن أسباب تضحيتها بقولها:
لا يا رفيق الدرب ،لم أخلق لكي أحيا ليومي
درس الفدا أخذته عن والدي وخالي وأمي
ولقائل ما شأنها، ولكل هذاك العذاب؟
بي مثل ما بك من هوى الأوطان من حب الكرامة
إما حياة عز، أو موت به معنى السلامة.
ج- المكان بوصفه شاهدا على الثورة.
حين كتب أحمد حجازي قصيدته(أوراس)، قدم لها بقوله:" إن أوراس في نظري ليست قصيدة قديمة، لقد منحها موضوعها فرصة الميلاد كل يوم، وأن كل ما هو بطولي في القصيدة يأتيها من الثورة، وكل ما هو فج فيها مرده إلى جوانب في نفسي لم تمتد إليها نار الثورة بعد."
وتختصر الأوراس من حيث كونها منطلق الثورة الجزائرية في شعر حجازي بلدا كاملا يشتعل ثورة، بل مغربا كاملا يعيش على وقع زلزال عنيف يبغي تطهير الأرض من دنس المحتل:
مدن المغرب
ترتج على قمم الأوراس
زلزال في مدن المغرب
لم يهدأ منذ سنين مائه
لم يترك في جفن أملا في نعاس
يأتي المولود على صوت الزلزالْ
ويموت رجال
فيودعهم صوت الزلزال.
ويحمل المكان في القصيدة ثقل الحدث الذي يقع فيه، بل يتبادلان الاعتزاز والفخر بجسامة التضحيات، غير أن المكان يلبس لبوس الرمز فيغدو لفظه ذا حمولة من المعاني الثرية والمتعلقة بالقيم والإنسان والزمان معا، فيحدث ذلك الانصهار الدلالي الذي يلخص العظمة في أوضح صورها.
والشيء نفسه يقال عن وهران وقسنطينة اللتين شهدتا أحداثا جساما، ففي قصيدته( الطريق إلى قسنطينة) يعبر الشاعر العراقي سعدي يوسف عن استعداده لبيع مكتبته ليشتري بندقية وليكون جنديا بهذه المدينة، فيقول:
أنا لستُ أملك بندقيه
لكنهم لو يسمحون هنا لأسرعنا إليك
ولبعتُ أوراقى ومكتبتى وجئتُ ببندقيه
ولكنتُ جندياً لديك
أمضى أُقاتلُ فى المدينه
من أجلِ أطفالِ المدينه
ولنسمة من برشلونه
ولوجهكِ العربيِّ، يا ضوءَ الشمال...
أما وهران فقد ألهمت بطولاتها الشاعر العراقي حميد فرج الله، الذي كثيرا ما أشاد بالثورة الجزائرية في شعره الثوري، وهاهو يهنئ وهان بعد النصر على الاستعمار، وبعد التضحيات الجسام التي بذلت في سبيل ذلك فيقول:
بُشراكِ وهران حيّا اللهُ وهــــــــــــــــــــرانَ هيا احصُدى ثمرات النصرِ ألوانـا
يجنى الثمارَ، ثمارَ المـجدِ، يانــــعةً مَن يزرعُ الأرضَ أبطالاً ونيــــــرانا
نحن الذين غمرنا الأرضَ من دمنا فأثمرَ النصرُ من أشلاء قتـلانــــا
للّهِ طلابُ مجــدٍ لن يضيعً لـــــــــــهم حقٌّ وما عرفوا فى الحقِّ خِذلانـا
للهِ درّك من شـعب تثور بــــــــــــــــــــهِ حميّةُ العُربِ ما لانت وما لانــــــا
يستبسـلُ الصيدُ من أبطالهِ أبــــــــداً لا يرتضون له ذُلاً وإذعـانـــــــــــــــــا
بوركتِ يا قلعـةً للعُربِ صامــــــــــــدةً وبارك اللهُ من وهرانَ شُبّانــــــــــــــــا
ولا يقلل ذلك بالطبع من أهمية المدن الجزائرية الأخرى التي كان لكل منها ملحمته وبطولاته، مما نجده واضحا في الشعر الشعبي.
خاتمة:
ومهما يكن من أمر، فإن عظمة الثورة الجزائرية سواء عبر عنها الشعراء بالصمت أو بالكلام، محرك من محركات الإبداع عندهم، ومصدر مهم من مصادر الإلهام؛ وعلى الرغم من كل ما قلنا فإن الشعر الذي تناول التورة الجزائرية في الجزائر كما في العالم العربي كثير لا تحصى قصائده. فقد تعددت أفكاره من تمجيد للشهداء، ورفض لأساليب المحتل الغاصب، وحث للشعب الثائر على الصمود والمواجهة، وذم لجرائم الاستعمار ضد الإنسانية وغيرها. وبقدر ما تشرفت ثورتنا المجيدة بجهود الشعراء، فقد تشرفوا هم كذلك بها، وهذه هي النتيجة الطبيعية لتلاحم الشعر مع الأحداث الجليلة.




عدل سابقا من قبل مدير المنتدى في الجمعة 24 فبراير 2012, 16:24 عدل 1 مرات

*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4989
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ندوة علمية حول الثورة الجزائرية . بالمركز الجامعي لتامنغست

مُساهمة من طرف أسير القافية في الخميس 23 فبراير 2012, 14:04

بوركت سيدي على هذه الورقة، التي هي في اصلها ليست ورقة بل مداخلة قيمة، جمعت بين الشعر والثورة في تناسق جيد. وما هي إلا تعبيراً منكم عن غيرتكم على هذا الوطن الغالي، وما آل إليه. وصرخة منكم إلى الألتفات إلى مثل هذه القضايا الوطنية والأدبية على السواء..

شكراً أستاذي الكريم، ودمت طيب.
avatar
أسير القافية
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 496
نقاط : 3144
تاريخ التسجيل : 19/01/2011
الموقع : وكن رجـــلاً إن أتــو بعـــــده ** يقــــولـــون مرّ وهــــذا الأثــــر

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ندوة علمية حول الثورة الجزائرية . بالمركز الجامعي لتامنغست

مُساهمة من طرف جليس الحكماء في الخميس 23 فبراير 2012, 18:57

نشكر الأستاذ حينوني رمضان على هذه المداخلة المتميزة ، كما نتقدم له بكل الشكر والتقدير على ما يبذله من مجهودات ، من أجل إنجاح كل نشاطات النادي ، الذي نشأ ونما بين يديه .

وفقك الله أساذي الفاضل وسدد خطاك ، وجعلك ذكرا للمركز الجامعي عامة ، ولفرع الأدب خاصة .

جليس الحكماء
عضو مشارك
عضو مشارك

عدد المساهمات : 28
نقاط : 2258
تاريخ التسجيل : 24/11/2011
العمر : 32
الموقع : تمنراست

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: ندوة علمية حول الثورة الجزائرية . بالمركز الجامعي لتامنغست

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الخميس 23 فبراير 2012, 19:42



مشكورون أنتم على ردودكم وكلماتكم الطيبة .. لكنني أقوم بجزء من واجبي تجاه أعزائي الطلبة وتجاه المركز الجامعي بتمنغست الذي نريد له الخير والنماء والارتقاء ..

لكم التحية والاحترام

*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4989
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى