منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

نظام التفجية وحوارية القراءة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نظام التفجية وحوارية القراءة

مُساهمة من طرف abo alyatama في السبت 12 مايو 2012, 17:50

نظام التّفجية وحوارية القراءة (للدّكتور: إبراهيم طه):

يؤمِن د. إبراهيم طه (محاضر وناقد) بثنائيّة الحوار بين النّصّ والقارئ التي تنتهي بإحساس القارئ بالإشباع النّصّيّ والنّفسيّ، وبالتّلاقي مع النّصّ. هذا يقول بأنّ النّصّ مبنيّ على فجوات يجب على القارئ النّظر فيها حتّى نصل إلى نتاج أدبيّ ذي دلالة. وجود الفجوات في النّصّ يمسّ بغريزة الإنسان وفطريّتة للمعرفة ممّا يولّد عنصر التّشويق، وعلى القارئ طرح تساؤلاتٍ لملئِها، والنّصُّ الممتلئُ بالفجواتِ فيه الكثيرُ من المماطلةِ.
والتّفجية لغة: اسم منحوت من فجّ: معناه خلق الفجوة، وقد نقل هذا المصدر إلى علم الأدب للتّدليل على عمليّة القيام بفجوات (سيرورة- كيف تخلق الفجوات في النّصّ الأدبيّ وما فعلها وأثرها على النّص والقارئ). وكل ما يتعلق بالتّفجية جعل فعلا يستند إلى عمل ما، مما استوجب وجود نحت يدلّل عليها.
الفجوة لغة: هي الفراغ، وبما أنّ الحديث عن الأدب، فهي فراغات نصيّة، يخلقها الأديب عامدًا متعمّدا. معنى ذلك أنَّ النُّصوص التي نقرأها تقوم على فجواتٍ مقصودةٍ، لا اقتصارًا ولا تقصيرًا، ذلك أنّنا حينما نقرأ نصّا نجده تامّا عمومًا.
على مستوى المفردة المطبوعة: لا نجد حيّزًا أو فجوةً بالمفهوم الحرفيّ للفظة. لا تأخذ الفجوات حيّزا مكانيّا ولفظيّا، بل بالمعطيات التي يحتاجها القارئ لفهم النّصِّ أثناء عمليّة القراءة. (الفجوات تتَّصل بغياب معلومات نصيّة يشعر القارئ بحاجتها أثناء القراءة أوّلاً ولفهم النّصّ ثانيًا).
الفجوة إذًا متعلّقة بالقارئ قبل أن تتعلّق بالنّصّ، ذلك للشّعور بفراغ معيّن بأن أخفى وغيّب (بعمل الكاتب) معلومات يراها القارئ هامّة لمواصلة القراءة أوّلاً، ثمّ للفهم ثانيًا، والقارئ هو المسؤول عن الكشف عن مكان وحيّز الفجوة. .
لا يمكن أن نجد نصّا أدبيّا تامّا منجزا مهمَا بلغ القارئ قدراته في تذوّقه؛ لأن النّصّ لغة، واللغة علامات مرئيّة مسموعة. وكلّ شعب قد خلق لنفسه أشكالا خاصّة للتّواصل. فاللُّغة صنع إنسان بقدرة إلهيّة زرعها الله في البشر، ومعها خلق تجديدها وتطوّرها حسب احتياجاتنا بعد الاتّفاق عليها لجسم ما. ولكنّ اللغة مع ذلك عاجزة عن إدراك كلّ ما نحتاج إليه. وبالتّالي فالنّصّ ناقص لأنّ اللغة أصلا عاجزة على شمول الواقع بكلّ تفاصيله، إلا أنّها تقرّب لنا الواقع مقارنة مع حقيقته. هذا بالضّبط ما قاله أفلاطون: نحن نسعى إلى العالم الأمثل، والإنسان بطبعه يسعى إلى الصّورة المثاليّة للدّولة ولكنّها موجودة في الذّهن فقط، ذلك لأنّ الإنسان ينزع إلى ما هو أفضل دائما. إضافةً إلى ذلك: يسعى الكاتب إلى إنقاص معطيات فيه، غيابها أو حذفها يشكّل فراغا وبعض هذه الفجوات ضروريّة جدّا، لا تقصيرا بل عمدا لجذب القارئ.
فجوات النّصّ:
أوّلا - الاستطراد:
يعتمد النَّصُّ بالأساس على التّتابع الزّمنيِّ برابط منطقيّ يجعلُ حركة النّصّ أحاديّة المسار، غير أنَّ النّهجَ القصصيَّ لا يعتمد هذا الأسلوب لرتابتِهِ، ويعتمد الانحراف النّصّيُّ الاستطراد وسيلة أولى تساهم في انحراف نصّيّ يقحم أحداثًا جانبيّةً عفويّةً أو مبرّرةً، مفاجئةً أو متوقَّعةً تُشكِّل هوامشًا للحكاية المركزيَّة، ويمكن أن تتَّصل بأحداثٍ مباشرةٍ أو لا، وتكون بذلك شرطا قبليّا للاستطراد.
في قصّة أشياء غريبة لمحمّد نفّاع، يبدأ الكاتبُ قصَّتَهُ باستهلالٍ نظنُّ أنّه يشرحُه فيما بعدُ، ولكنَّه يفاجئُنا بسيرِه في اتّجاهٍ آخرَ، يروي فيها قصَّةً مستطرَدَةً على القصَّة الحقيقيَّةِ، كانت سببًا في خلقِ مسارٍ عموديٍّ يوقِفُ تَتَابُعَ أَحداثِ القصَّةِ.
أَنواع الاستطرادِ عديدةٌ مِنها: التَّداعِي، التَّقَابُل، المفاضَلة، التَّبايُن، التَّشابُه، التَّقدِيم وَالتَّأخير وَغيرها، ومُعْظَمها متعلِّقٌ بالزَّمنِ. وَفي المثالِ السّابقِ نلاحظُ تلاقي القصَّتين بعاملِ الزّمنِ، فيها افترض القارئ أنّ الاستطراد ها هنا هو تبعيّة لما بنُيَ من صورٍ في الاستهلال، والحقيقةُ أنَّ الاستطرادَ هذا يأخذُ حجمًا كبيرًا من القصَّة ويُضَخِّمُ الصُّورةَ بعلاقةٍ غير مباشرةٍ مع الاستهلالِ.

ثانيا - الاسترجاع:
يساهم الاسترجاعُ أيضًا في خلقِ تشويشٍ ما في ترتيبِ القصَّة وَذلكَ بإِعادَةِ الزَّمَنِ إلى الوراءِ؛ لتقديمِ معلوماتٍ متعلّقةٍ بالماضي تساهم في توضيح أمرٍ ما أو تعقيدِه، ويتحقَّق ذلك عن طريق التَّداعي أو المونولوج.
في قصَّة نخلة على الجدول ، نُلاحظ أنَّ الاسترجاع قد أَخذَ حيِّزًا واضحًا باللَّفظِ، فله مقدّمةٌ واضحةٌ مثل: "وعاد بعقله إلى خمسة وعشرين عاما إلى الوراء" وخاتمة كذلك واضحة مثل" وقطع عليه ذكرياته نهيق حمار التّاجرِ وصوت صاحب الحمار".
يأخذ التّداعي في هذه القصّة حيّزًا كبيرًا فيه يروي عدَّةَ أحداثٍ وأفكارٍ تتعلّقُ بالحدث الرّئيسيّ. هذا الصّراع الذي يبرِز من خلالِ استحضار الماضي وتعليقه بالحاضر خلق لدى القارئ تشويقا ما لمعرفةِ نهاية الصّراع في ذات الشّخصيّة. وفي قصّة النّبع لتوفيق فيّاض كمثالٍ ثانٍ نلاحظ أنَّ ذِكر حدثٍ ما في النَّصِّ دون وجود حلٍّ له (تجمّع النّساء حول القبر) فجوةٌ احتاج الرّاوي فيها إلى استرجاع قصّة ما (قصّة سالم) التي شكَّلت ثلث القصّة ليحاول سدّ هذه الفجوة (وهي مؤقّتة) في الفقرة الأخيرة من القصّة. كما يتّضح لنا فحدود الاسترجاع موجودةٌ، وقائمةٌ لفظًا. والواضحُ أنّ الاسترجاع هنا غايةٌ بحدِّ ذاتها تكمّل القصّة لا مجرّد فجوةٍ عابرةٍ. وبالتالي للاسترجاع في الأمثلة السّابقة وظيفةٌ مزدوجةٌ.
الاسترجاع أو التداعي باختصارٍ خروجٌ عن مسار النَّصِّ ممَّا يُسهم في إيقاظ القارئ ودفعه للتساؤل. وفي المثال الأوّل إرجاءُ الإجابة عن سؤالٍ طرحهُ القارئ بالاسترجاع أدّى إلى تطويره بسؤال آخرَ أشدَّ قوّةً. والنّبع ها هنا مثلاً تدعُو إلى كثيرٍ من التّساؤلات، إجاباتها جاءت من خلال الاسترجاع، ممّا يوضّح أنّ الفجوات مؤقّتة، والإجابات للأسئلة المطروحة موجودةٌ في النَّصِّ ولكنّها مرجأةٌ. وطالما أنَّ المعلومات مخفيّةٌ فالقارئُ سيندفع ويتحفَّز لمعرفة الحقيقة وذلك يعني أنّ الاسترجاع يخلق موضعًا للتّفاعل الانفعاليِّ بين النّصِّ والقارئ على النَّحو التّالي: يُوقِفُ الاسترجاع مسار التَّتابع الزَّمنيِّ للحكايةِ - يخلق تساؤلاتٍ عند القارئ ويؤجّل الإجابة عنها- يشوّق القارئ ويثير عنده الرّغبة الفطرية في المعرفة والاستزادة منها التي يتعمّد الاسترجاع تأجيلها. وقد تدفع القارئ إلى لعبة تخميناتٍ هي بمثابة استباقٍ للإجابات النَّصِّيَّةِ الصَّريحةِ.
يجدُر الذِّكرُ أنَّ الاسترجاع لا يعمد إلى التشويق فحسب، بل إلى تشكيل مبنى مواجهاتٍ (مثل قصّة نخلة على الجدول) من حيث الزمن في الماضي والحاضر، ويتيح مجالا للتفاعل الذهنيِّ من قبل القارئ مما يؤدِّي إلى محاورة القارئ لنصِّه بصورةٍ أكثر فاعليَّةً.
ثالثا - التّدريج والتّمديد:
وسيلة تأجيلٍ بارزةٌ يمدِّد فيها الراوي مساحة الفجوة التي يصادفها القارئ في بداية النَّصِّ، فتقف معوّقا أمام القارئ للوصول إلى إجابات للأسئلة التي يطرحها بسرعةٍ.
في قصَّة يوسُف إدريس "النّداهة" يماطلُ الرَّاوي في إدخال بعض العناصر (الاسترجاع، الوصف التفصيليّ، التِّكرار وثنائية الرّواية) بغية تشويق القارئ لمعرفة نتيجة تساؤلاته، أي حينما يجد أنَّ زوجته تخونه مع رجلٍ آخر، ما هي ردّة الفعل التي سيقوم بها البطل إثر ذلك؟ وليصل القارئ إلى إجابةٍ عليه قراءة 40 صفحة.
إنَّ توظيف الاسترجاع هنا هي لوصف تأقلم الزّوجة في المدينة ومحاولة "الأفندي النّيل من عرضها" ما يأخذ حيّزًا واسعًا منها. أمّا الوصف فيعتمد بالأساس على التّصوير من خلال التطرق إلى أدقِّ التفاصيل الحسِّيَّة التي تشكِّل صورةً واحدةً في النّهاية، محاولاً فيها تجنيد اللغةِ لصالحِ الحدث من حيث طول الجملة وقصرها، فصاحتها أو عامّيَّتُها، خاصّةً في مرحلة التّأزُّم. والتّكرار يساهم في تطوير الرّدِّ الانفعاليِّ رغم عدم احتوائها على فكرةٍ جديدةٍ بل صياغةٍ أخرى تحمل المعاني ذاتها لو تمَّ التخلص منها لقلَّصنا من حجم القصَّة ولكنَّ غايتنا بالأساس لا ترتبط بحجم القصّة، بل بمدى تأثيرها في القارئ. أمّا الحالة الرّابعة وهي ثنائيّة الرّواية فقد عَمِدَ فيها الكاتب إلى الانتقال من حال أحد البطلين إلى الثَّاني ليجعل القارئ في قلب الحدث يستطيع تدارك ردود الفعل عند كليهما. ورغم أنَّ هذه الأشكال التي ذكرناها أعلاه تدور حول سلسلة الأحداث الرئيسيّة في القصّة إلا أنّها ذات ضرورةٍ لا تتوقَّف عند الشَّكل فقط.
رابعا - التّضليل:
وهو أسلوبٌ تأجيليٌّ أيضًا، لا يستند إلى حادثة بذاتها، تنبني عليه أحداث لاحقة مع متابعة القصّة ممَّا يخلق عنصر المفاجأة بعد انكشاف دورها. في قصَّةِ "الباب المقفل" لمحمود تيمور مثالٌ صارخٌ على التَّضليل ففي حينِ أنَّ الفتاةَ البطلةَ تواعد شابًّا لتأخذَ منه كتابًا، فيدخِلَهَا إلى بيته ويقفل الباب. يأخذها ذلك إلى عوالمَ من التّخمينِ، ممَّا يجعلُهَا في حالةِ توفُّزٍ فيها تفكُّرٍ كيف ستردُّ عليه نيَّتَه الَّتي تراوِدُ القارئَ للوهلة الأولى بأنّها جنسيَّةٌ، مقابل حالة النَّشوةِ التي قد تصيبها تجاه هذه الفتنة الرّجوليَّةِ، حتّى تكتشف في النِّهايةِ أنَّ إغلاقَه البابَ بالمفتاح ما هو إلا تفادٍ لتيّارٍ شديدٍ لأنّ الباب يحتاج إلى تصليحٍ.
المعلومات التي لاحظناها في نهاية القصّة غُيِّبت في أوَّلِها، ممّا جعل الفتاةَ والقارئَ ضحيَّةً لهذا التّضليل. هذا الأسلوبُ يهدف إلى إيقاظ القارئِ، وتفجِّرُ المفاجأة التي تذهل القارئ والفتاة على حدٍّ سواء لهذه النّهاية غير المتوقّعة، مع احتمال وجود مبالغةٍ في وصف مشاعر الفتاة وجنوحها في التّفكير، ممَّا يجعل التّأثير أشدَّ وطأةٍ. وهذا يسمَّى "تضخيما" يمنع القارئ والفتاة عن الانزياح عن إطار الأحداث.
في قصّة مسحوق الهمس لإدريس الأمر مشابه أيضا، فالكاتب يجنِّد البطل راويًا، وهو سجين وُضِع في زنزانةٍ إلى جانبها زنزانةٌ غير معلومٍ أهلها. فافترض من منطلق الحاجة التي لحّت عليه أنها للنّساءِ، وافترض كذلك وجود صديقة له فيها، يطرق لها على الحائط فتجيبه بطرقٍ آخر. ثمّ يطوّر هذه الشخصية ليعطيها اسمًا وهيئةً متكاملةً ويكتشفُ في النّهاية أنّها زنزانةٌ مؤقَّتَةٌ لمساجينَ من كِلا الجنسين، ممَّا يفاجِئُ القارِئَ والبطَلَ على حدٍّ سواء. اللافت للنَّظر أنّ المفاجأَة في المثالين قد جاءت في النّهاية، ممّا يوجِب القارئ بالعودة إلى النّص مراجعًا فيه ما مرّ من أحداثٍ؛ ليتأكَّد ممّا بلغه في النّهايةِ).
خامسا - التّغليق:
وهي كذلكَ وسيلةُ تأجيلٍ، يقدّم الكاتب من خلالها معلوماتٍ قد تغلق الطريق مباشرةً أو عن طريق التلميح أمام ملء الفجوة. قصّة زعبلاوي لنجيب محفوظ مثالٌ واضحٌ على ذلك، حيثُ يصمِّم البطل على إيجاد الشّيخ زعبلاوي في محطّاتٍ ستّ كلٌّ منها يقلِّل احتمال إيجاده؛ لأنَّ من يسألهم، إمّا يجيبون بإضافة معلوماتٍ لا تقدِّم ولا تؤخِّر أو يردّون سؤال البطل بأسئلة بلاغيّة مشابهة، تزيد من حيرة القارئ والرّاوي على حدٍّ سواء.
في آخر المحطّات التي يتوجّه إليها البطل يثمل ولا يعي وصولَ الشَّيخ زعبلاوي ومغادرته. لهذا، نلاحظ وجود إشارتين متناقضتين: أوّلهما أنَّ وجودَ زعبلاوي أمرٌ غير عمليٍّ ولا يمكن وقوعه، وثانيهِما إمكانيَّة لقاء الشَّيخِ لأنَّه لا زال حيًّا يرزق، يزور صاحب المحطّة الأخيرة. هذا الاحتمال يثير في نفس البطل بصيص نورٍ حيث إنّ الكثيرين ممَّن قابَلَهم أثبَتُوا بقاءَه على قَيدِ الحَياة وقسم منهم يؤكّد أنَّه عاش معه فترة طويلة، ممَّا يجعل هذا أقوى من احتمال حياته في ديمومةِ الأَمل المذعن لوجود الشَّيخ عاجلاً غير آجلٍ. مع وجود هذه التّفاوتات وتعلّق السُّؤالِ حتَّى نهاية القصَّة (هل سيجد البطل الشيخ زعبلاوي؟) نجد أنَّ البَطَل يحمل تصميمًا وإِصرارًا عجيبين على إيجاد ضالّته، وجملته الأخيرة: نعم، عليَّ أن أجد زعبلاوي تشير إلى أمرين:

أ*- القصّة لم تنتهِ عند توقّف الرّواية ولا يزال احتمال إيجاد الشَّيخ قائمًا.
ب*- القصّة ذات مبنىً دائريّ بدأت وانتهت من نقطة واحدة ممّا يدعونا لنشكّ بأنَّ الكاتب يعمد إلى
تدوير فكرِ القارئ في حلقة مفرغةٍ، تُبعِدُ عنه الاحتمال بإيجادِ زعبلاوي لكن لا تلغيه مع وجود إصرار عند الشّخصيّة لذلك.
يصنِّف د. إبرهيم طه التغليق كنوعٍ تأجيليٍّ من أنواع الفجوات، ذلك لغياب الجواب فيه، مستعينا مثلا بعنصر التّوازن في الاحتمالات، وفي قصّة زعبلاوي توازنٌ ما في احتمال وجود أو عدم وجود زعبلاوي.
فجوات القارئ :
أوّلا - الحذف:
إسقاط معلوماتٍ ما ضروريّةٍ والتي تكون غالبًا ركيزةً أساسيّةً لفهم النّصّ، غير أنَّ الكاتب يستخدم بعض المؤشّرات والإيحاءات التي تقرب القارئ إلى غايةِ إدراك النّصِّ، منها ما يكون واضحًا ومنها ما يكون ضبابيًّا. في قصّة الحكاية المثال ليحيى الطّاهر عبد الله، قصّةُ رجلٍ فقيرٍ لم يجد له مسكنًا، فأوى مكان كلبٍ اتَّخذ من قبرٍ مسكنًا له بعد أن طرده. وبعد فترةٍ وجد شيئًا (لم يذكره الكاتب وهنا المعلومة المحذوفة) فخبّأه وشعر بالخوف لإخفائه حتّى لا يُتَّهم بالكفر أو الشّغب، وحينما تخلّص منه ارتاحَ، وأعاد الكلب واحتضنه ليشاركه مسكنه. السؤال المعلَّق هنا: ما هو هذا الشّيء؟ أيعقل أنّه إنسانيّته؟ هذا السُّؤال ينشِّط خيال القارئ ويوجِد فجوة يصعُب ملؤها. كما يساهم النَّصُّ في إبطاءِ عملية ملء الفجوة بالتكثيف والإغراب.
ثانيا - التّرميز:
وهو نظامٌ يحتوي ثلاثةَ أقسامٍ: الإشارة، الرّمز والمبنى الرمزيّ المتكامل. هذا الأسلوب عمومًا يعتمد على ثنائيَّةٍ فيها يُظهِر النّصُّ معلوماتٍ جزئيَّةً، على القارئ الاهتداء إلى معناها ليملأ بها الفجوة التي تركت، مع احتمال أنّ مهمّة ملئها قد تطول وتقصر، وقد تتعسّر أو تتيسّر. في قصّة الحاجّة صفيّة لمحمود الدّين الإيرانيّ إيراد لفظة القدر كموضوعٍ دالٍّ (موتيف) في النّصِّ إشارةٌ تدلُّنا على اختفاء الطّرفِ الثَّاني للصِّراع علمًا بأنَّ الأوَّل هو الحاجّة صفيّة. الحاجّة صفيّة رمز للصّفاء والورع حاولت أن تصحّح فكرة زواج عوض من رمزيّة لأنّ "القدر" شاء هذا الزّواج الذي يعتبر خاطئًا، وبدهائها النّسويِّ استطاعت فعلَ ذلك، وخلّصت رمزيّة من عوض؛ لتزوِّجَها من مصطفى. ولم يكن ذلك زواجًا فالحًا أيضا، ممّا استوجب أن تقف الحاجّة صفيّة في صراعٍ مع نفسها؛ ليتَّضِح في النّهاية أنّها المقصودة بِـ القدر.
في قصّة النّمور في اليوم العاشر لزكريّا تامر: المبنى رمزيّ ثالوثيّ فيه نقاط الالتقاء هي: الطّعام، المروّض والنّمر. غاية النّمر هي الطّعام ووسيلته لبلوغ غايته هو المروّض. أمّا المروّض فوسيلته الطّعام، وغايته السيطرة على النّمر. في هذه القصّة بعض المدلولات والإشارات التي تنحو بالقارئ إلى التّأويل على قاعدةٍ لها وزن سياسيٌّ ما، ولعلاقاتِ المبرّر والوسيلة دور في بلورة هذا التّأويل الذي سعى له القارئ بملء فجوات النّصِّ.
ثالثا - الإغراب:
هي صياغةٌ غير مألوفةٌ للمادَّة الحياتيَّة ممّا يخلق تعقيدًا ما، يبطئُ عملية الاستيعاب، ويجعل النّصّ أكثر إثارة، حيث لا يحضّر النّصّ دلالات واضحة للقارئ، إنّما يطمح في خلق رؤية له معلّقةٍ في محاورَ ثلاثة: الواقع، المادّة الأدبيّة والقارئ. والإغراب بالتّالي يخلق فجوةً بين الواقع والنّصّ، وعليه يخلق فجوة النّصّ والقارئ.
في المرتبة المقعّرة ليوسف إدريس تتحدّث القصّة عن زوجٍ وامرأته ليلة الدّخلة، الرّجل مستمتع براحة المرتبة التي ينام عليها والزّوجة إلى جانب النّافذة، يردّد عليها سؤالاً ثابتًا وتجيبه الإجابة ذاتها. كان يرغب في النّوم طويلاً وفعلاً غاص في المرتبة فاستوى سطحها بلا أيّ انبعاج..
هذه القصّة صارخة بالإغراب، فيها يتمرّد الكاتب على واقع الحياة ويوجِد واقعًا نصيًّا خاصًّا، ممَّا يجعلُ تعامُلَ القارئِ مع النّصِّ حذِرًا، استنادًا إلى أنَّه بعيدٌ عن الواقع، ممَّا يجعل التَّمرُّد لا يصيب الواقع فحسب بل عليه (القارئ) نفسه، ممَّا يجعله يتحدّى النّصّ تحدّيًا ذهنيًّا ملموسًا؛ ليصل إلى منطِق النَّصِّ في قصَّةِ خضراء لزكريَّا تامر، يستعير الكاتب عناصرَ واقعيّةً ويجنّدها لغاية الإغراب.
ويرى د. إبراهيم أنَّ للإغراب بعدًا ترميزيًّا، وذلك بتحييده قوانينَ المنطق الواقعيّ الذي ينتمي إليه القارئ، ويوجِب قوانين خاصّةً به، ممَّا يجعل القارئ مضطرّا إلى استخدام أسلوب التعويض الحسابيِّ، ولغة الرّمز تكثيفيَّةٌ بطبيعتِها تُجمل معلوماتٍ كثيرةً بعباراتٍ قصيرةٍ وموجزةٍ. لهذا فإنّ الإغرابَ ينشِّط القارئ َبتحفيزِه على البحثِ عن المرموز إليه من خلال تكثيف الرّمز في مفهوم الإغراب. كلماتٌ كثيرةٌ مثل حيفا نستخدمها كمدلولات تمرّ بعمليّة تحليل سريعة في عقولنا نرمز فيها إلى حيّزٍ جغرافيٍّ معيّن، ممّا يقول بأنّ اللغة مجموعةٌ من (شيفراتٍ) تعبِّر عن التَّجربةِ الإنسانيَّة في القدرة على تحليلِها. بالتَّالي فإنَّ التّواصل مع النّصّ يحتاج لملمة (الشيفرات) كلِّها ثمّ محاولة ترجمتها في نسقٍ منطقيٍّ.
تجدر الإشارة إلى أنّ الإغراب بالغالب يعتمد على عنصر التحوّل. ففي قصَّة المرتبة المقعّرة تحوَّلَ الرّجل إلى جزءٍ من المرتبة، والمرأة في خضراءَ إلى شجرةٍ، وكذا الحال في قصّة المسخ (لكافكا)، والتي تعتبر النّموذج الأوضح للإغراب في الأدبِ العالميِّ في القرن العشرين، فيها يتحوَّل الرَّجل إلى صرصار. هذا التّحوّل في الأمثلةِ الثّلاثةِ يحدِّد توجُّهَ القارئِ في تساؤلاته وتحصرها في (شيفرات) التّحوُّل وما يتعلّق بها.
رابعا - التّناصّ:
يرى (كولِر) أنّ نتاج النّصِّ الأدبيِّ لا يكون إلا بتراكمٍ نصّيٍّ وثقافيٍّ متّصلٍ مباشرةً أو بصورةٍ غير مباشرةٍ. لذا، على القارئ أن يكون ملمًّا ثقافيًّا حتّى يفهم ما في النّصّ. يقول محمَّد مفتاح إنّ القارئ يجد نفسه أمام عدَّة نصوصٍ متداخلةٍ في نصٍّ واحدٍ ممَّا يجعلُ ذاكرته مؤهَّلَةً لخوضِهَا، التّفضيل فيها والمقارنة وما إلى ذلك. التّناصُّ حواريَّةٌ بين نصّين أو أكثر يكوّنون معًا نصًّا واحدًا. في قصّة عطيل لزكي درويش حواريّةٌ مع إحدى مسرحيّات شكسبير، أساس حوارها فلسفيٌّ، يتّضح فيما بعد أن أحد أبطالها قد أدّى دورًا مشابهًا في مسرحيّة شكسبير، وفي نهايتها يصرّح درويش بهذا الأداء. يقول سعيد يقطين إنّ التّناصَّ قد أدّى دورًا (أيرونيًّا) غير مباشرٍ لقصّةِ شكسبير بناء على ما استنتج (ساسون سوميخ). الجدير بالذّكر أنّ محاكاة نصّ شكسبير عند مبارك جاءت اعتراضا لها باعتبار احتمالها للخطأ ممّا يخلق فجوةً.
في قصّة حُمَّى اليوم المقبل لمحمود عبد الفتّاح يستدعي نصًّا خارجيًّا ويؤجّل ربطه مع النّصّ كلّه إلى النّهاية، ممّا يؤكِّد العلاقةَ بين النَّصين: المستدعَى والمستدعِي.
خامسا - العلاقة الضّديّة:
للعلاقات الضّدّية أشكال مختلفة في النّص الأدبيِّ تقوم على علاقةٍ متنافرةٍ بين طرفين صريحين في النّصّ كالمفارقة (أيرونيا) والتّضاد (باردكوس) (والساتريا ،والجروتيسك واليوتوبيا) وغيرها... ممَّا يعني وجود توتُّرٍ ما بين النّصِّ المكتوب والنّصِّ المقروء، ممَّا ينشّط فعاليَّة القارئ.
في قصَّة الله أعطى والله أخذ لمحمّد نفّاع، حَماةٌ تقنِعُ كنّتها بمعالجة ابنها من المرض بدفنِ معظمِ جسده إلى جانب قبر أحدِ الأولياءِ، ولكنّه يموت، فتهنّئ الأمَّ بموت ابنها في هذا المقام المقدّس ممّا يثير السّخرية.
في قصّة الهذيان لنجيب محفوظ، يقتل صابر زوجه لخيانتها ثمّ يقتل نفسه. الناس تظنُّ موتَه بعدها عدم مقدرة منه على احتمال موتها، فلا ينجو النّاس من المفارقة، كما لا ينجو القارئ من التّضادّ ذلك لولوج الشّكِّ دخيلَتَه، أحقًّا كانت زوجة صابر واعيةً لما قالته عن خيانة زوجها؟ هل خانته فعلا؟
في قصّة حكاية مصريّة جدّا لإدريس، فجواتٌ نابعةٌ من العلاقات الضّديَّةِ تمتدّ على طول القصّة، حيث يفترض البطل أنّ قطع ساقيه وعمليّة التّسوّل بهذا المسوّغ رأس مالٍ ممّا يولّد السّخريّة.
بعض الأمثلة السّابقة تحتاج نشاطًا محدودًا من القارئ لملء الفجوة فيها يقرّ بالنّقيض ويحمّل الموقف السّخرية كما في قصّة نفّاع، وقسم آخر يحتاج إلى طاقات أشدَّ وأعظم في البحث عن الحقيقة كما هو الحال في قصّة محفوظ وإدريس، والتي تحتمل عدّة مغالطاتٍ بغية الوصول إلى قراءة تصحيحيّة كما يقول (بوث).

المصدر: ملتقى رابطة الواحات الثقافية www.rabitat-alwaha.net
http://www.rabitat-alwaha.net/moltaqa/showthread.php?t=53022

abo alyatama
عضو جديد
عضو جديد

عدد المساهمات : 22
نقاط : 2161
تاريخ التسجيل : 14/02/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نظام التفجية وحوارية القراءة

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الجمعة 18 مايو 2012, 07:49



موضوع جيد ومفيد جدا وجدير بالقراءة
بارك الله فيكم وفي اختياركم


*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4989
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى