منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

استراتيجية النص و تفعيل القراءة -2-

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

استراتيجية النص و تفعيل القراءة -2-

مُساهمة من طرف ونشريس في الإثنين 17 ديسمبر 2012, 15:22

المحايثة للمتلقي " و يقصد بها " مجموع التوجيهات الداخلية التي يهيئها النص الأدبي لمجموع قرائه المحتملين " 1 و تأتي ضرورة هذه العملية من كون الخطاب الأدبي " غير تداولي Dépragmatisé " أو منزوع التداولية , و لذلك يحتضن عددا من الإشارات و التوجيهات التي قد يستثمرها القارئ في محاولة إعادة تداوليته ( répragmatisation ) و بضغط منه عليه كذلك. و عليه فالاستراتيجية هنا هي رسم الخطة أو تهيئ الشروط ليس للانتصار على الخصم بهزمه و إنما للانتصار معه , أي بمساعدته على تحقيق النجاح في مهمته التي هي تفعيل النص و فك ترميزاته , و إبلاغه مداه أو بعض مداه الانفعالي و التواصلي ...
و تقوم خطة النص في الغالب على تقديم مجموعة من الاحتمالات التوافقية (Possibilités Combinatoires) التي يتكئ عليها في عملية الفهم أو التأويل , و منها مثلا وجود تنظيم خاص يحكم العلاقة بين العناصر التكوينية في النص الأدبي كما يحدد تمفصلاتها البنائية .
و لننظر مثلا إلى ما يسمى بالاستراتيجية المقطعية : فالنص لا يتهيأ كلية و دفعة واحدة , و إنما تتم قراءته في خط زمني مسترسل باسترسال مقاطعه ؛ و كلما دخل مقطع في الحقل البصري للقارئ كان أكثر تأثيرا عليه دون أن تغيب المقاطع الأخرى التي تتراجع إلى الخلف لكنها تستمر في التأثير على الوعي القارئ و على مجريات القراءة , وهو ما يسميه " إيزر " ب "وجهة النظر الجوالة Principe de perspective " و تتمثل ديناميتها في تفعيل القراءة بكونها تستغل التوتر القائم بين التيمة و الموضوعة ( أي ما هو تحت البصر ) و بين الأفق ( أي ما هو في الخلف أو في العمق ) و بذلك توجه القارئ أثناء عبوره المرتقب للنص , و تجعل وجهة النظر القرائية تنتقل تباعا بين المقاطع التي تكون أحيانا تيمية و أحيانا أفقية .
يقول إيزر : " لا يمكن تخيل موضوع النص إلا من خلال المراحل المختلفة و المتتابعة للقراءة . إننا دائما نقف خارج الموضوع المعطى في حين أننا نحتل موقعا داخل النص الأدبي ؛ و بالتالي فالعلاقة بين النص و القارئ تختلف تماما عن العلاقة بين الموضوع و الملاحظ : فبدل علاقة بين الذات و الموضوع , هناك وجهة نظر متحركة تتجول داخل ذلك الذي ينبغي أن تدركه هذه الوجهة . و هذه الطريقة لفهم موضوع مّا تكون خاصة بالأدب " 2
1- Wolfgang Iser : L’acte de lecture – théorie de l’effet esthétique – Bruxelles – Mardaga 85 , P 70
2– فولفغانغ إيزر : فعل القراءة ( نظرية جمالية التجاوب ) ترجمة حميد لحميداني و الجلالي الكدية – فاس 95 ص 57 .
و معنى هذا أن تجربة القراءة تنشأ بين المعطى و تعديله , كما تنشأ من خلال التفاعل الحاصل بين الجديد المدرك و القديم المستدرك , و هذا ما يذكر أيضا بمفهوم " القراءة الاسترجاعية " عند " ريفاتير " التي تساعد القارئ على تعديل مواقفه كلما تقدم اتصاله بالنص و كلما قدر على استثمار إمكانياته و التعرف على استراتيجياته ...
إن النص الأدبي لا يقدم المدلولات مباشرة , لكنه يتضمن سلسلة من التعليمات التي سـتـسـاعـد على إنتاج المحتويات الـتـمـثـيـلـيـة لـه ؛ و تبدأ هذه العملية مع بداية جمع " المتن " أو "السجل" و هو – كما يقول إيزر – " كل ما يعود من خارج النص إلى النص مثل الحضور التناصي و المعايير الاجتماعية أو التاريخية مما يشكل السياق السوسيوثقافي الذي ينبثق منه النص. و كل العناصر المستوعبة في المتن النصي تصبح ذات دلالة خاصة داخل التمثيلية Configuration الجديدة ؛ و على القارئ أن يعيد النظر في قيمها السابقة كي يعطي النص بنية متساوقة و يقيم أود الوضعية التلفظية و التواصلية . و بما أن النص لا يقول كل شيء و لا يريد أن يبوح بشيء فهو إذن مليء بالفجوات و الانكسارات المتمثلة في الانفكاكات و الانفصالات الموجودة بين عناصر المتن المدمجة و التي يتعثر فيها القارئ أثناء قراءته أو أثناء وجهة نظره الجوالة في النص , و هي تنقسم بحسب إيزر خاصة إلى :
1) الفراغات أو البياضات التي تكسر النسقية الخطية للنص و تترك للقارئ مهمة ترميمها ؛ ذلك أن النص الأدبي يفرغ المعايير الخارجية من مقاماتها التداولية , فينتج ذلك بياضات كثيرة تخلق بدورها إمكانيات عديدة لإعادة الترابط و الوصل . و هو ما يشكل منبعا لتنشيط ملكات التخيل عند القارئ و يجعل الموضوع الجمالي مشتركا بينه و بين الكاتب ؛ و لهذا يتولد عندنا إحساس كما يقول إيزر Iser " بأن النص المستمر هو نص فقير حينما نقارنه بالنص المنفصل الذي يمكننا أن نعيشه بطريقة مكثفة " 1 . و تتمثل وظيفة " البياضات " البنائية في كونها تخلق فضاءات مناسبة لتبادل الإسقاطات , " حيث يُجذب القارئ داخل الأحداث و يُلزم بإضافة ما يلمح إليه فيها من معنى من خلال ما لم يذكر 2 . و عليه تكون عملية التواصل في الأدب متوقفة على التفاعل المسترسل بين ما هو خفي يحث القارئ على الفعل و بين ما هو جلي يراقب عملية الاستكشاف و الوصل و ينظمها . و هكذا ترسم البياضات و الأماكن الشاغرة الطريق من أجل قراءة النص , بتحفيز مشاركة القارئ في إتمام بنية المواقـع المـتـغـيـرة , و بذلك يتـحـقـق إنـتـاج
1) نفسه ص 101 .
2) نفسه ص 100 .
الموضوع الجمالي و يتم تحيينه .
على أن " إيزر " يميز بين البياض بما هو " وصلة " منعدمة قد أغفلها النص عنوة كي يستخلف القارئ مكانها ؛ و بين البياض الناتج عن العلاقة الترددية بين التيمة أو المقطع الحاضر , و الأفق أو المقطع المتواري حيث يفقد البياض الذي هو مكان الخلف في النص تلاؤمه التيمي في الوعي القارئ فيحتاج إلى إعادة استحضار متعاقبة ...
2) طاقات النفي Potentiels de négation التي تبطل ما هو مألوف في العناصر الآتية من خارج النص . و تعتبر بمثابة محصلة الخروج من النسقية المعتادة و افتقاد السياق الذي تتعرض له تلك العناصر أثناء إدماجها في النص . و بهذه الحركة النافية يتنكر النص و لو جزئيا لمعاييرها الأصلية فيهيئ بذلك نوعا من إعادة التقدير الافتراضية في الإطار المحسوس لفعل القراءة , كما يوجه المشاركة الإنتاجية للقارئ الذي عليه أن يعيد التقويم للحصول على مقبولية جديدة في إطار التشكل النصي ذاته .
إن استثمار طاقات النفي في النص الأدبي يمكن القارئ من إعادة النظر في الأعراف المتواضع عليها و التي ستبدو في المنظور الجديد و كأنها قد تقادمت و يمكن تجاوزها . و هدا التشكيك الوظيفي هو الذي يسميه " إيزر " " البديل غير المصوغ للنص المصوغ " , و هو أشبه ما يكون بالبنية العميقة و التي لا يسمح إلا للقارئ المشارك باستجلائها ؛ و في هذا الاستجلاء تكمن قوة الدفع بالنسبة للتواصل الأدبي . فالأدب و منذ القديم – كما يقول إيزر – يضم أمثلة كثيرة من إخفاقات البشر , لكن المقصود منها هو التنبيه إلى أسبابها الخفية التي على القارئ أن يتصورها أو يبحث عنها ؛ فهي إذن تقدمها كمحور للموضوع التخيلي أو كصورة سطحية للتشوهات التي تستلزم البحث عن علاج ممكن .إنها تهيئ الإجراءات الضرورية لتحيين الشروط غير المعلنة التي كانت سببا في وجودها , و بهذا المعنى يمكن وصفها بالبنية التحتية للنص الأدبي كما يمكن وصف البعد الدلالي للنص بأنه " الجانب المعكوس أو الوجه الخفي لما يصوره " و هو ما يدعو المتلقي في العملية التواصلية إلى تجاوز العالم من أجل حقيقة السبب الضمني في سؤال العالم . فالسؤال المطروح في النص مرتبط ارتباطا حميميا بجوابه الممكن . إن طاقات النفي تساعدنا إذن على تحرير ذواتنا من حياتنا , كما تمكننا من استيعاب أفكار الآخرين , و لذلك جعل منها " إيزر " "وردة متفتحة" في الأدب الحديث كما اعتبرها أداة تربوية في مشروع تنويري , و لو أن كبار فلاسفة " النفيية " من نيتشه إلى هيدجر و دريدا قد تخلوا عن ذلك المشروع منذ زمن طويل ؛ لكنه يرى أن من حق الأدب بالذات و ربما بسبب طبيعته الخاصة أن يعيد النظر في صحة المعايير المألوفة و بكيفية مستمرة ؛ و من ثمة يجعل القارئ " يعيش تجربة جديدة باحتكاكه بعالم لا يعرفه و في شروط يجهلها " 1
إن ما كان سائدا في السابق هو أن يأخذ القارئ المعلومات من النص بكيفية استهلاكية و سلبية , فيظل النص مهيمنا على الموقف و يظل القارئ بعيدا عن عملية الإنتاج ؛ و يُبخَس الاثنان نصيبهما . لقد سئل أحد الفلاحين عن سبب ضعف إنتاجية أشجاره فقال بسذاجة و بساطة : إن النحل قليل ! و نحلة النص قارئه يتغذى منه و يلقحه ؛ فلا النص وحده بقادر على أن ينتج كل الإنتاج و لا القارئ يجد ما يشحذ مخيلته و يذكي فهمه إلا في النص و من وراء النص .
إن المعطيات الكامنة داخل النص و خارجه تسهم في خلق التفاعل الإيجابي بين المرسل و المتلقي , بين النص و القارئ و تساعد على استشفاف الأنظمة الدلالية التي تمثل امتدادا تاريخيا في المجتمع , و بذلك فهي تتجاوز حد المتعة الفنية لتخلق ديناميكية إنتاجية بين سنن النص و سنن القارئ . و هذه الديناميكية أو الرغبة في تفعيل القراءة تبدأ مع بداية جمع مواد النص و تنظيمها، ثم محاولة دمجها في بنية جديدة تنتظم قيما حاضرة و قيما غائبة , و بخطة مرسومة لتحيين الافتراضات الممكنة , في الوقت المناسب و بالعمل المناسب كي يتقابل نص الكاتب و نص القارئ تقابلا إبداعيا إيجابيا و سليما . و إذا كان هذا التعاون الإنتاجي شرطا حتميا بينهما فإننا لا نريد تواطؤا مبتذلا – كما يقول " Karlheinz Stierle " – و لا نريد تمردا ينتهي إلى إلغاء النص لصالح وهم ينتجه القارئ نفسه و ربما بدافع النص ذاته .2 و إنما نريد مساءلة ديناميكية و فاعلة تنجح في إعادة بعض التداولية للإرسالية الأدبية دون أن تفشل في الإبقاء على طابعها الإيقوني كما يقول " أمبرطو إيكو U.Eco " , ولذلك ينبغي أن يكون مصير النص القرائي محسوبا ضمن خطته البانية , كما أن من شأن بحث ميكانزمات القراءة أن يساعد على فهم حقيقة الوقع الجمالي للأثر الأدبي و ما يمكن أن يترتب عن التفاعل المنتج بين القارئ و ما يقرأه .

1- Wolfgang Iser : L’acte de lecture - Mardaga – Bruxelles 85 – P 387
2- Karlheinz Stierle : Récéption et fiction , poétique 39 ( 1979) P 300.
avatar
ونشريس
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 393
نقاط : 2432
تاريخ التسجيل : 20/09/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: استراتيجية النص و تفعيل القراءة -2-

مُساهمة من طرف حمداوي عبد الرحمان بن قاس في الأربعاء 26 ديسمبر 2012, 21:24

ورد لفظ (إكراهات) عند الدكتور عبدالله ابراهيم في غير موضع من كتابه (التلقي والسياقات الثقافية) الصادر حديثا ضمن سلسلة كتاب الرياض، ولا سيما في الفصل الرابع (ص 107 172) ويقصد المؤلف بالاكراهات ما تتعرض له الحكايات والقصص من تحريف وتغيير، يبعد بها عن أصلها الذي كانت عليه، وينحو بها نحو الشكل الذي يقبله السياق التاريخي الذي يؤطرها وتروى فيه، ليمكن لذلك السياق من خلال التحريف والتغيير ان يستوعبها،وهو يرى أن "الشؤون الجاهلية في معظمها أعيد تشكيلها في ضوء معايير الرؤية الدينية، واكراهات عصر التدوين بملابساته الثقافية والسياسية والاجتماعية، وبمنظوره المغاير لما كانت عليه الطبيعة الثقافية للحقبة الجاهلية" (ص 110 111) ويذهب الى أن مرويات جاهلية كانت تروى "أسقطت وأبطلت بوصفها حوامل لتصورات مخالفة للاسلام، بُعث بعضها في القرون اللاحقة.. وقد كُيفت طبقا لرؤية لا تتعارض مع الرسالة الدينية، الأمر الذي يكشف قدرة المرويات على التكيف، واعادة انتاج ذاتها تبعا لتغير البنى الثقافية التي تحتضنها" (ص 138).ويستشهد الباحث بما ترويه كتب التراث من تأويل الكاهنين "شق انمار، وسطيح الذئبي"، رؤيا رآها ربيعة بن نصر اللخمي (أحد ملوك اليمن القدامى). انتهيا فيها معا دون أن يعلم أحدهما بصاحبه الى تطابق في معرفة الرؤيا نفسها من غير أن يخبرهما الملك، وتطابق في النبوءات التي يحملها تفسير الرؤيا، وهي تنبؤات بما حصل لليمن من عهد ذلك الملك حتى زمن ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تنبؤ بظهور الرسول الكريم، مع اختصاص كل تأويل منهما بسجع خاص به، ويتحدث الباحث عن الاكراهات التي تعرضت لها هذه الحكاية لتناسب الظرف الذي اوردت فيه، وهو هنا ينطلق من فرضية التسليم بأنها ذات أصل محكي، لا أنها اخترعت في وقت ظهورها.وعندي ان هذا وغيره كثير جدا مما يشبهه من مرويات التراث لم يكن شيئا مرويا بصورة ما ثم حرّف، بل هو مخترع اختراعا يناسب الأغراض التي سرد لها، ويناسب السياق الذي أنتجها او انتجت فيه، وهي دعوى ادعيها في مختلف الحكايات الواردة في التراث، بل لقد أزعم انها تؤطر السرد عامة في كل وقت بصورة مطلقة، ولا أكون مبالغا ان قلت: انه لا يسع الحكاية في جميع الأزمان، ماضية وحاضرة ومستقبلة، الفكاك من أسر ما تذهب هذه المقالة الى تأطير الحكاية في عمومها به.أرى أن الحكاية بصورة عامة اي حكاية لا يمكن لنا ان نجزم واثقين في أحيان كثيرة بعدم واقعيتها وعدم صدقها بتاتا، بل لا مفر ايضا من الجزم في اغلب الأحيان بعدم وجود اصل بشكل ما يحتمل ان تكون الحكاية قد حرفت عنه، ذلك أن الحكاية يحكم ظهورها بصورة معينة شرط ظرف انتاجها، لا شرط الظرف الذي يتوهم انه ظرف حدوثها، ولا يملي على الحاكي صورة حكايته الا ما يستقر في ذهنه في وقت الحكي، ووفق شروط زمنه، من المضامين التي تود الحكاية البوح بها عن زمن حدوثها المفترض، ويتفق مع ذلك ايضا ما تبوح به مما يختص بالمكان والشخصيات ونحو ذلك.إن المضامين التي قامت في ذهن الحاكي لحكاية "شق وسطيح" مع ملك اليمن، على سبيل المثال لا الحصر، تتمثل في عدد من الأمور التي شكل مجموعها ما يشبه "الرسالة" التي تود الحكاية ايصالها، وصنعت الحكاية صناعة، من أجل صياغة الرسالة المراد بثها اولا، وثانيا من أجل تثبيت مضمون الرسالة وتأكيده، وضمان رسوخه عند المتلقي بصورة دائمة، من هذه الأمور: اثبات نبوة نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو الأمر الذي تطوع الحاكي من عند نفسه باثباته وتأكيده لمن يساوره الشك فيه، ربما لأن الحاكي أحس بخفية بأن النبوة بما هي شيء غيي قد يساور بعض الناس الشك فيه تحتاج الى تأكيد ونفي للشك. وتلتقي هذه الحكاية في هذا الجانب مع حكايات كثيرة أخرى صيغت للغرض نفسه، تؤكد جميعها التقاء بعض عامة العرب بأحبار وكهان وسحرة يسألون اولئك العرب اذا التقوا بهم عن ظهور النبي العربي الأمي المنتظر، على اختلاف طفيف بينها في الصيغة، وهذا معناه ان جميع الحكايات التي من هذا القبيل قد صنعت بعد النبوة لا قبلها، مع أن الزمن الذي تحيل اليه احداثها هو الزمن السابق للنبوة لا التالي لها، ومن الأمور التي أسهمت في صناعة الحكاية ايضا: قناعة الحاكي بامكان اطلاع السحرة والكهان على المستقبل، ربما لأن كتبهم التي يطلعون عليها لا يستبعد أن تذكر ما سيحدث في الزمن اللاحق، وربما بسبب التسليم الذهني بقدرات الكهانة الخارقة، وهذان سببان يكفيان في السيطرة على متلقي الحكاية، وتهيئته لتلقيها بالقبول، هذا فضلا عما يسهم في العادة في نشوء الحكاية عموما، كميل القصاصين الى انتاج أقصى قدر من الغرابة والادهاش.هذه المضامين المذكورة آنفا كونت مجتمعة نسيجا ل (حكاية مضمرة) قامت في ذهن الحاكي، هي النواة التي أدت الى أن تنبني عليها هذه الحكاية على صورتها التي ظهرت عليها، بأبعادها التي يمكن بعد الحديث بصورة أو أخرى عنها، الحكاية المضمرة هي الحكاية غير المنطوقة، التي يمكن التوصل الى خيوطها فقط من خلال الحكاية او الحكايات المحكية الظاهرة المنطوقة، وذلك باستشفاف الانساق التي ولدت بناءً عليها الحكاية، او ما يدور في فلكها من الحكايات المشابهة، وتفكيكها، وبعبارة أخرى: الحكاية المضمرة في ذهن منتج الحكاية الظاهرة هي مجموع الدوافع التي انتجت حكايته، والرسالة الكبرى التي يود بالحكاية الظاهرة ايصالها والبوح بها.الشخصيتان "شق وسطيح" شخصيتان سرديتان مهمتان، صنعتا بعناية من أجل امكان ايصال رسالة هذه الحكاية الخاصة التي لا يستطيع غيرهما ايصالها بالمهارة نفسها، هما شخصيتان مختلفتان عن سائر الشخصيات التي يمكن ان تورد اختلافا تاما، فهما من الناحية الفيزيقية مختلفان عن جميع البشر (شق: نصف آدمي، وسطيح: يمكن ان يطوى كالبساط). وهذا يهيئ المتلقي لقبول ادعاء أنهما قادران على عمل ما لا يستطيع غيرهما من البشر عمله. ولا شك في ان معرفة الغيب والاطلاع على ما يخفيه من أكثر ما يؤرق البشر ويعجزون عن كشفه، ولذا قام في ذهن الحاكي ان يسند هذه النبوءات الى شخصيتين بهذه الغرابة في الخلقة، وهذا الأمر كما لا يخفى من مرتكزات الحكاية الذهنية المضمرة التي اعتمدت عليها حكاية شق وسطيح ساعة ولدت.إذن الشعور بالميل الى اثبات النبوة مع انها لا تحتاج الى مثل هذا الاثبات والاهتداء الى طريقة جيدة وغريبة لاثباتها وتأكيدها هي التنبؤ بها في زمن سابق عليها، وتسويغ حدوث ذلك بايراد مَن يمكن تصديق حدوثه منه وهو ما أطلقنا عليه هنا نسيج "الحكاية المضمرة" القائمة في ذهن الحاكي لم يقم بطبيعة الحال في ذهنه الا في زمن عقب ظهور النبوة بزمن يطول أو يقصر، ولذا ينتفي بالضرورة أن يكون للحكاية جذور "جاهلية"، والا انتفت ان تكون حكاية، بل هي حينئذ لابد ان تكون شيئا آخر، كأن تكون حادثة تاريخية مثلا، وعندها لن يكون "شق وسطيح" شخصيتين سرديتين، بل هما شخصان حقيقيان، وهذا محال، ان هذا هو جوهر الفرق بين حكايات الوقائع الخارجية وحكايات الفنتازيا التخييلية.أما سجع الكاهنين، الذي تختلف صورته عند احدهما عنها عند الآخر لفظا وتتفق معها معنى، فانه يحقق للحكاية جملة من الأغراض التي يحرص الحاكي بكل تأكيد حرصا شديدا على أدائها، ولا تصل الحكاية الى ذروة امتاع القص وادهاشه الا بها، ذلك أن أثر السجع بسبب اختلافه عن سائر الكلام المعتاد يشبه هنا أثر اختلاف الكاهنين في الخلقة عن سائر البشر، ثم انه يوافق ما تواتر على أن الكهان يلجؤون الى السجع لا الى الكلام العادي غير المسجوع، ربما ليبهروا المتلقي، وليظهورا ان لديهم قدرات خاصة، فيصدقهم العامة فيما يدعون من المعرفة الخارقة، والى ذلك يحقق اتفاق المعنى مع اختلاف اللفظ للحاكي براعة في تنويع العبارة بين شكلين يؤديان المعنى نفسه، فيصل الى الابهار المنتظر من جهة، والى تغليف الحكاية بما يجعلها قابلة للقبول بها وتصديقها من جهة أخرى.الحكاية المضمرة في ذهن من حكى مثلا ان وفاة مخترع العروض (الخليل بن أحمد الفراهيدي) كانت باصطدامه في عمود وهو يقطع ابياتا من الشعر (وفي رواية اخرى: سقط في نهر وهو يقطع الأبيات فغرق) يمكن معرفة نسيجها من خلال قراءة ما دار في ذهن مخترع هذه الحكاية من ان علم العروض لابد له من الاستغراق في تأمل المقاطع الموسيقية للألفاظ والوحدات التي تتكون منها الأبيات،الى الحد الذي يفقد معه المتأمل الشعور بحركة من حوله فقدا تاما، ولهذا يمكن أن تنتهي حياة مخترعة نهاية تظهر أقصى ما يمكن تصوره من الانهماك والاستغراق، اي: الحد المدهش في الحكاية، وهو الحد الذي يؤدي به الى أن يلقى حتفه، ولذلك قيل ايضا في سبب اختراع هذا العلم والتوصل اليه انصات الخليل انصاتا كاملا لطرقات الحدادين المتعاقبة بانتظام، وتختلف الحكاية الذهنية المضمرة اختلافا كليا عنها عند من ذهب في نشوء علم آخر، هو النحو، الى تصور أحد الفصحاء المطبوعين يستمع الى كلام ملحون خاطئ لأول مرة، فيبتكر من فوره لشدة انزعاجه من اللحن هذا العلم الذي يسعى الى صيانة اللسان عن الوقوع في الخطأ، ولذلك ظهرت في هذا الموضوع تحديدا حكاية ابي الأسود الدؤلي مع ابنته، وحكايات أخرى مشابهة تعزو الاختراع إلى علي بن ابي طالب رضي الله عنه، ولو قام في ذهن الحاكي عن النحو مثل الذي قام في ذهن من حكى نهاية حياة مخترع العروض عن العروض، اي: انه علم يتوصل اليه بالتأمل العميق في الظاهرة، لربما جعل حياة ابي الاسود الدؤلي تنتهي بالنهاية تلك نفسها، او ما يشببها، وفي المقابل لو قام في ذهن من حكى نشأة النحو عن العروض كالذي قام في ذهن من حكى نشأة النحو، اي: انه علم اضطر مبتكره اليه حرصه على منع وقوع الخطأ في الشعر، لربما ظهرت حكاية تبين مثلا ان نشأة العروض كانت عندما اخطأ أحد المنشدين في حضرة أحد المطبوعين على نقد الشعر او نحو ذلك.هذا النسيج المتصور غير الملفوظ القائم في ذهن الحاكي وقت انشائه الحكاية، ازعم انه هو ايضا حكاية، وجدير بان يحمل اسم "الحكاية"، وان كان يمكن في الوقت نفسه ايضا عده مجرد نواة للحكاية، ذلك لأن هذا النسيج فيه من تصور الشخصيات وافعالها وزمن الأفعال وأمكنتها ما يجعلها مؤهلة لحمل الاسم (حكاية)، لكنها حكاية غير محكية، وعدم حكيها هو الذي جعلها تنتج الحكايات الكثيرة من موضع مستتر غير مرئي.Mrabeea@hotmail.com

حمداوي عبد الرحمان بن قاس
عضو فعال
عضو فعال

عدد المساهمات : 123
نقاط : 2748
تاريخ التسجيل : 02/11/2010
العمر : 48
الموقع : تمنراست-الأهقار

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى