منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

موت المؤلف منهج إجرائي أم إشكالية عقائدية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

موت المؤلف منهج إجرائي أم إشكالية عقائدية

مُساهمة من طرف abo alyatama في الثلاثاء 28 مايو 2013, 17:12

د‌.عبد الخالق العف
أستاذ الأدب والنقد المشارك
الجامعة الإسلامية / غزة/ فلسطين 2007
مـوت المؤلـف
منهج إجرائي ؟، أم إشكالية عقائدية ؟
ملخص بحث موت المؤلف
منهج إجرائي أم إشكالية عقائدية
يقدم هذا البحث عرضا تحليلا عميقا لنظرية موت المؤلف التي أصلها الناقد البنيوي رولان بارت عام 1968م وتبناها بعض نقاد العرب من الحداثيين دون إلمام بجذورها الغربية ودون إحاطة بالظروف الموضوعية والرؤى الفلسفية التي صاحبت نشوء الحداثة في أوروبا، ودون وعي بتداعياتها العقائدية، في دائرة تغييب متعمد للتصور الإسلامي الشامل والأصيل للكون والحياة والإنسان.
هذا البحث محاولة للإجابة عن التساؤل المشروع: هل يعد مصطلح موت المؤلف منهجاًَ إجرائيا تحليلياً صرفاً؟ أم أنه إشكالية فكرية تمس العقيدة في جميع مستوياتها؟.
* مقدمة:
سلب إغواء المناهج الحداثية المعاصرة عقول النقاد العرب إلى درجة الخضوع التام لسلطة المفاهيم الغربية، دون تمثل خلفياتها المنهجية والفكرية التي لا تتسق مع ثقافتنا العربية والإسلامية، ودون تفهم مبررات نشوئها.
واشتغل النقاد بالتحليل البنيوي دون الالتفات إلى أصوله النظرية وتداعياته الفكرية، والإجراء وثيق الصلة بالتنظير في ظل تباين المرجعيات العقائدية والحضارية والثقافية.
وقد حددت البنيوية مساراتها التحليلية من خلال التعامل مع الداخل النصي على حساب الخارج السياقي، بقصد الكشف الدلالي عن فضاءات المعنى التي لا تظلها سحب المؤلف، أو تكدرها غيوم ثقافته وبيئته.
وقد عد رولان بارت التأليف سلطة تهمين على النص، وتحول دون حرية التحليل اللغوي واستكشاف الدلالات. والتأليف عند بارت مزيجُ من كتابات سابقة وإعادة إنتاج لها وتجميع لمفرداتها، ولذلك فإن وظيفة الناقد هي إغلاق النص دون ذات المؤلف وانفتاحه على موضوعه وفضائه الدلالي. ولا شك أن تعدد القراءات والدلالات يزيد من ثراء النص، ويعمق وعي القارئ بخباياه الكامنة، ويحقق لذة الاستكشاف، لكن المسئولية الفكرية والأخلاقية والمنطقية عن تشكيله تبقى للمؤلف ولا يمكن بأي حال إلغاء هذه المسئولية، كما لا يمكن إلغاء السياق الثقافي والاجتماعي الذي يدور النص في فلكه.
إن من مقتضيات تمام العملية الإبداعية أن تكون هناك صلة نفسية ومعرفية بين أطرافها: المؤلف، النص، القارئ وذلك يتيح "حرية للقارئ في إعادة بناء النص، وإذا انتفت المسافة النفسية افتقد القارئ القدرة على ممارسة خبرة الإبداع في تذوق العمل الفني، وأضحى العمل الفني نوعاً من التغييب للقارئ، بينما تتيح المسافة النفسية أن يكون حضور القارئ مساويا لحضور المؤلف لكي يدير حواراً معه"(1)، فكيف يحدث ذلك إذا افترضنا موت أحد أطراف عملية الإبداع وهو المؤلف.
ولذلك كانت البنيوية منهجاً مجرداً بعيداً عن تأثير ذات الإنسان الفاعلة، والتي هي حصيلة التفاعل العام والشامل مع الوجود، وبذلك أصبح المنظور البنيوي للوجود لا علاقة له بكينونة الإنسان التاريخية والاجتماعية، بل بالعلاقات اللغوية الشكلية التي تعتمد المنهج الجمالي المجرد للأشياء التي تتشكل دلالاتها ذاتياً دون فعل الإنسان(2).
ويثير مصطلح موت المؤلف إشكالات عقائدية في الفكر الإسلامي خاصة عندما يتعلق الأمر بالنص القرآني المقدس المعجز والذي يتجاوز كونه فضاءً دلالياً خصباً وخطاباً لغوياً وبيانياً ثرياً متعدد التأويلات إلى كونه كلام الله تعالى، وقد بين الله تبارك وتعالى مصدر النص القرآني المحكم والمفصل "الر، كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير"(3)، ومن مقتضيات الحكمة والخبرة أن يتسم الخطاب القرآني بأعلى درجات القداسة والحق اليقيني دون انحراف قيمي يستلزم نقداً موضوعياً "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"(4) ودون انحراف لغوي يقتضي نقداً شكلياً "ولم يجعل له عوجاً"(5).
النص القرآني له كينونته المقدسة وقوانينه الإلهية الخاصة التي تغاير كل الأشكال الإبداعية التراثية التي عرفها العرب شعراً أو نثراً وذلك أحد أسرار إعجازه "لما أراد حضرة الخلاق جل شأنه أن يكلم الإنسان الذي هو قبضة من التراب نظر إلى ذلك الحسن الإجمالي لا إلى قوالب مستحسنة عند قوم دون قوم، ولما أراد مالك الملك أن يتكلم على منهج البشر ضبط ذلك الأصل البسيط، لا هذه القوانين المتغيرة بتغير الأدوار والأطوار"(6).
وسوف نقف في هذه المقاربة النقدية والمقارنة التحليلية على تأصيل نظرية موت المؤلف وتداعياتها الفكرية، ومواقف متباينة للنقاد العرب المعاصرين منها، كما أننا سنفرد مساحة جيدة لتناول النص القرآني ونقض المفاهيم الحداثية حوله.

* * *

* رؤى حداثية غربية:
كانت النظرة الكلاسيكية السائدة إلى العمل الأدبي أنه ابن شرعي لمؤلفه وانعكاس لحياته وثقافته ونفسيته، وأن إضاءة النص بهذه المعطيات يساعد القارئ على التماهي مع أفكار المؤلف ومقاربة تجربته الشعورية، ثم ظهر اتجاه نقدي متزامن مع ظهور البنيوية يدعو إلى التركيز على لغة النص وعزل مؤلفه الذي لم يعد سلطة تهيمن على معاني النص ودلالاته. وترتد فكرة موت المؤلف إلى جذور فلسفية وفكرية ترتبط بالظروف الموضوعية التي عاشتها أوروبا بعد ثورتها على الكنيسة، فقد أعلن الفيلسوف الوجودي "نيتشه" مقولة "موت الإله" ووجدت هذه المقولة صدى واسعاً في أوساط النقاد الأوروبيين الذين يتوقون إلى تدمير الاتجاه الغيبي في تفسير النصوص، وإفساح الطريق أمام ظهور الإنسان بكل مقدراته البشرية التي يدركها العقل وما عدا ذلك فهو ميت.
ثم انتقلت مقولة "موت الإله" إلى النقد الأدبي فأعلن النقاد الغربيون وعلى رأسهم "رولان بارت" عن "موت المؤلف".
ويؤكد رولان بارت أن عدداً من النقاد الأوروبيين قد سبقوه إلى مقولة "موت المؤلف" مثل الأديب الفرنسي "مالارميه" الذي كان من أوائل المتنبئين بضرورة إحلال اللغة ذاتها محل من كان مالكاً لها، فاللغة هي التي تتكلم وليس المؤلف، وكذلك أشار "بارت" إلى جهود "بول فاليري" التي جاءت مكملةً لآراء "مالارميه"، حيث كان "فاليري" يضع المؤلف موضع سخرية، وأن اللجوء إلى دواخله خرافة، ولا بد من التركيز على البنية اللغوية لعمل المؤلف وإقصائه عنها(7).
كما استفاد "بارت" من جهود العالم اللغوي السويسري "دي سوسير" الذي نظر إلى النص بحسبانه شبكة من عناصر الاتصال اللغوية، ولذلك فإن خير وسيلة لمقاربة هذا النص هي الانطلاق من مصدره اللغوي، أي من بنيته الداخلية بهدف استكشاف الأنظمة أو العلاقات التي تشكل دلالاته، بمعنى أن حركة التحليل البنيوي تتجه من داخل النص إلى خارجه، وليس من خارجه المتمثل بالمؤلف والسياق والعصر والبيئة على بنيته ونسيجه وقد ذكر "بارت" في مقاله: النقد والحقيقة الذي صدر عام 1966م أن نمط النقد البيوغرافي الذي يؤكد العلاقة بين النص والمؤلف قد انتهى، وقد حظرت السيكولوجيات الجديدة هذا النوع من التحليل(8).
ثم يوضح "بارت" مبررات مقولته "موت المؤلف" بقوله "إن نسبة النص إلى مؤلفه معناها إيقاف النص وحصره وإعطاؤه مدلولاً نهائياً، إنها إغلاق الكتابة...
وعندما يأبى الأدب النظر إلى النص كما لو كان ينطوي على سر أي على معنى نهائي، فإن ذلك يولد فعالية يمكن أن نصفها بأنها ضد اللاهوت، وأنها ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وذلك أن الامتناع عن حصر المعنى وإيقافه معناه في النهاية رفض اللاهوت ودعائمه"(9).
وقد كانت الشكلانية الروسية التي مهدت للبنيوية أوائل القرن العشرين السباقة إلى إقصاء المؤلف وعزله والتركيز على البنية اللغوية والدلالات الكامنة تحت السطح النصي "فللقبض على شعرية النص لا مجال للاعتماد على حياة المؤلف ونفسيته ولا لدراسة بيئته وجنسه ولا للذاتية وأحكام القيمة، ولا لتقمص الناقد بأحكام المعيارية تحسينا أو تقبيحاً دور شخصية الرقيب وصاحب السلطة الجمالية المتحكمة في المبدع والملتقى لأن نقداً من هذا القبيل لا يمكنه أن يحل محل تحليل علمي موضوعي لفن اللغة ووصفها"(10)
لقد أعطى نقاد البنيوية وما بعدها للقارئ السلطة الكاملة في تأويل النصوص بما يتجاوز في بعض الأحيان البنية الدلالية الواضحة للنص، بمعنى أن موت المؤلف هو الشرط الوحيد لولادة القراءة أو على حد تعبير بارت "ميلاد القارئ رهين بموت المؤلف"(11)
ثم اقتربت الشكلانية من البنيوية عندما ازدهرت مدرسة براغ على يد رومان ياكبسون الذين دعا إلى تحليل النصوص من خلال بنيتها اللغوية والتنظيم الصوتي المستقل لدوالها من خلال العلامات الدالة.
إن عزل الخطاب الأدبي عن السياق التاريخي والثقافي للنصوص أدى إلى قصور في النقد البنيوي، ولذلك نظر "ميشيل فوكو" من نقاد ما بعد البنيوية إلى الخطاب الأدبي بوصفه نشاطاً إنسانياً إبداعياً مركزياً، ولا يراه نصاً عاماً يزخر بالدلالات بمعزل عن السياق التاريخي الذي يقتضي تغيراً في الخطاب(12)، وبعد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد من أهم أتباع فوكو لأن هذه الصيغة المنطقية المتوازنة الواقعية تتيح له وهو صاحب قضية ربط نظرية الخطاب بالصراع السياسي على مستوى الفكر والممارسة.
وقد اعتبر "لوكاش" أن الأدب انعكاس للحياة أو الواقع في إطار السياق الاجتماعي والتاريخي(13)، وفي إطار هذا التصور يتحدث طه حسين: "فلا يكون الأدب أدباً حتى يصور حياة الناس، وليس في الأرض أدب إلا وهو يصور حياة أصحابه (مؤلفيه)، فكل أدب في أي أمة لا بد أن يصور واقعها وشعورها وذوقها وثقافتها وأنماط تفكيرها وهو في النهاية انعكاس صور الحياة في نفوسها"(14)
ولذلك فإن البنيوية لا تغطي كلية النصوص الشعرية ولا يصلح المنهج البنيوي وحده للإجراء النقدي إلا بتكامله مع المنهج التكويني الذي اقترحه "لوسيان غولدمان" وقد أدرك خطورة الموقف الذي يقودهم إليه بارت بعزله للمؤلف والسياق عن البنية اللغوية المكتفية بذاتها، وقد زاد من قناعته بخطورة المنهج البنيوي انتماؤه السياسي والفكري الماركسي الذي يرفض الترف الشكلاني البنيوي في النظرة اللغوية المجردة إلى النصوص لقد دعا غولدمان إلى ربط البنية النصية الداخلية بحركة التاريخ الاجتماعي والسياق الثقافي، ودمج بين أقانيم النص الثلاثة: الشكل والبنية والسياق، ورأى أن رؤية العالم تشكل مع البنية ذات الدلالة وحدة متكاملة، وذلك يفترض الانتقال من رؤية سكونية يفرضها ثبات البني اللغوية إلى رؤية دينامية شاملة ومتماسكة حتى نستطيع الإحاطة بالنص من جميع زواياه(15).
ثم طور التفكيكيون وعلى رأسهم "جاك دريدا" مبدأ انتفاء القصدية من المؤلف وظلال السياق إلى فوضى التفسير المتمرد على فضاء التأويل "فقصد المؤلف غير موجود في النص والنص نفسه لا وجود، وفي وجود ذلك الفراغ الجديد الذي جاء مع موت المؤلف وغياب النص تصبح قراءة القارئ هي الحضور الوحيدة لا يوجد نص مغلق ولا قراءة نهائية، بل توجد نصوص بعدد قراء النص الواحد، ومن ثم تصبح كل قراءة نصاً جديداً مبدعاً"(16)
وهكذا انتقل نقاد التفكيك من رفض تصور البنيوية ونظامها اللغوي في تحقيق المعنى إلى قدرة القارئ على تحقيق المعنى الذي يراه في رؤى لا نهائية عند كل قراءة جديدة للنصوص.
وهكذا ينتقلون من اللا معنى إلى اللا نهائية وكلا المنهجين متطرفان في نظرتهما إلى أطراف العملية الإبداعية.
يشير "روبرت هولاب" صاحب نظرية التلقي إلى أن كلاً من المعنى والبناء ينتجان من تفاعل القارئ مع النص، الذي يقارب العمل الفني بتوقعات دلالية مستمدة من المعارف التراكمية المشتركة والسياقات الثقافية والاجتماعية المتداخلة، أو ما يسمى "أفق التوقعات"، هذا الأفق بمثابة القواسم الدلالية المشتركة بين المؤلف والقارئ وهو الذي يحكم حركة المتناصات "إن التناص كالمؤلف تماماً لا يكتسب وجوده إلا مع وعي المتلقي به، لنتصور مثلاً ما يحدث على مستوى الأفق الاستبدالي داخل النص من مفردات وصور ليست موجودة داخله، ولكنها بدائل كان من الممكن للمؤلف أن يستخدمها وهي في غيابها حاضرة في تحديدها للوحدات التي استخدمت بالفعل في السياق، وإذا لم يكن القارئ معداً واعياً بهذه البدائل على مستوى الاستبدال فلن يكون للناص داخل العمل قيمة ومعنى"(17).
لاشك أن الومضات التاريخية الموجزة السابقة قد أومأت ولم تفصل، وحددت المرجعيات النقدية الغربية لعلاقة النص بالمؤلف، بين مؤصل لموت المؤلف، ومنظر لاستحالة تغييب النص عن قائله، وأنه لا استغناء عن خارج النص لتحديد معالم دواخله واستكشاف دلالاتها وجمالياتها، ولعل النعوت التي أطلقها الناقد الفرنسي "ريمون بيكار" في كتابه "نقد جديد أم تدجيل جديد" الذي صدر عام 1965 عن رولان بارت ومقولته عن موت المؤلف مسمياً هذه الرؤى بالمخاتلات الفكرية والسخافات والاستدلالات الزائفة ما يدل على سقوط هذه المقولة منهجياً وفلسفياً ومنطقياً.
* * *

* رؤى حداثية عربية:
يزعم الحداثيون أن البنيوية ليست فلسفة أو فكراً، ولكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود فنياً، وآلية في التحليل النقدي.
والواقع أن البنيوية انزلقت من المنهجية العلمية المستقاة من لسانيات سوسير إلى مجال الأيديولوجيا والمواقف العقائدية وذلك عند طرح رولان بارت رؤيته عن النص وأعلن موت المؤلف مشيراً بذلك إلى موت الإله الذي أعلنه قبله الفيلسوف الألماني الوجودي "نيتشه".
وإذا كان الوجوديون قد تخلصوا من الإله، والبنيويون قد تخلصوا من الإنسان، فأي قيمة للوجود وأي قداسة مزعومة للنص اللغوي المجرد المنقطع عن الحياة والمعرفة يقول د.كمال أبو ديب : "الحداثة انقطاع معرفي ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث والفكر الديني، وكون الله مركز الوجود، وكون السلطة السياسية مدار النشاط الفني، وكون الفن محاكاة للعالم الخارجي، الحداثة انقطاع لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر والفكر العلماني"(18).
إن أعلى ما يطمح إليه الشاعر الحداثي هو أن ينتج "لاشيء" كما يقول "فلوبير" : "كل ما أريد أن أفعله هو أن أنتج كتاباً جميلا حول لاشيء وغير مترابط إلا مع نفسه وليس مع عوالم خارجية"(19)، انفصال وانفصام وانقطاع عن كل قيمة حضارية وإنسانية ورسالية.
إننا لا نستطيع دارسة بنيوية ياكبسون وجولدمان بمعزل عن المفاهيم الماركسية عن وظيفة الأدب وخاصة كتابات ماركس عن البنية الفوقية "الدين والسياسة" والبنية التحتية "القوى الاقتصادية والاجتماعية" وأن الثانية تتحكم في حركة الأولى في ظل صراع طبقي مستمر بين رأس المال والطبقة الكادحة صحيح أن الشكلانية جاءت ثورة على هذه الأفكار، لكن أبعادها العقائدية العميقة ظلت ماثلة في ذهن نقاد البنيوية اليساريين.
كما أننا لا نستطيع دراسة بنيوية بارت وكريستيفا ودريدا بمعزل عن المفاهيم الوجودية التي تقول بأن الفكر والثقافة والدين من خلق العقل البشري، وأن الإنسان هو جوهر الوجود، وصولا إلى الفيلسوف "نيتشه" الذي أعلن "موت الإله" وأن الكون ذاتي الجوهر مستغنٍ عن خالق أو موجد له وهذا بالضبط ما قصده بارت عندما أعلن موت المؤلف وأن النص مكتفٍ بذاته معزول عن قائله.
إن الغاية القصوى للحداثي فكراً ومنهجاً هو إلغاء كل ما هو مقدس وغيبي تقول د. خالدة السعيد: "إذا كانت الحداثة حركة تصدعات وانزياحات معرفية قيمية، فإن واحداً من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراري في مجال العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش"(20).
لذلك لا يمكن فصل التداعيات الفكرية للمنهج البنيوي عن إجراءاته التحليلية، وإلا كانت نوعاً من العبث والفوضى والآليات المجردة التي لا تفضى إلى المعاني والدلالات والقيم الإنسانية.
"وحين ينقل الحداثيون العرب المصطلح النقدي الجديد في عزلة عن خلفيته الفكرية والفلسفية فإن يفرغ من دلالاته ويفقد القدرة على تحديد معنى، ويصبح النشاط الفكري في البنيوية والتفكيك ضرباً من العبث أو درساً في الفوضى الثقافية، وكلاهما نوع من الترف الفكري الذي لا يتقبله واقعنا الثقافي، وخاصة ما يتعلق بأنسنة الدين وتطبيق المبادئ النقدية الوافدة على النصوص المقدسة"(21).
وقد تبني الناقد "عبد الله الغذامي" النصوصية في رؤيته النقدية منطلقاً من الدراسات الألسنية وتداعيات البنيوية وما بعدها، ومتوسلاً بالتشريحية إجراء تحليلياً تفكيكياً في مقاربة بني النصوص الداخلية، وقد اعتبر الغذامي أن إقصاء المؤلف من العملية النقدية هو تأكيد على النصوصية فالنصوص هي التي تفسر بعضها، ومن ثم وجب إبعاد العوامل الخارجية عن النص، فالسياق الخارجي لا يمكن أن يحدد علاقات النص ودلالته، لأن النص قد تجاوز هذا الخارجي وتحرر عنه واستقل عنه بوجود جديد، ينبني عليه عالم جديد(22).
والحقيقة أن الغذامي مفتون بالمناهج الحداثية، وإن حاول أن يبدو موضوعياً ومنتمياً إلى تراثه النقدي واللغوي وذلك بإبدال المصطلحات الغربية التي يؤمن بمضامينها بمقابلات اصطلاحية لغوية عربية تلقى قبولاً لدى النقاد العرب.
ولعل ذلك يظهر واضحاً في كتابيه: "الخطيئة والتكفير" و "ثقافة الأسئلة".
- في حديث الناقد "رجاء عيد" عن التناص نجده يميل إلى عزل النص عن خارجه وقائله، يقول: "إن النص عدد من نصوص ممتدة في مخزون ذاكرة مبدعة، ومن ثم فهو ليس انعكاساً لخارجه أو مرآة لقائله، وإنما فاعلية المخزون التذكري لنصوص مختلفة هي التي تشكل حقل التناص، ومن ثم فالنص بلا حدود"(23).
وقد سبق له في نفس الكتاب التصريح بعدم إمكانية عزل النص عن خارجه أو مؤلفه أو سياقه الثقافي، عندما قال "فإذا كان النص له هويته القارة في نسيجه اللغوي فهو كذلك لا ينكفئ على جسده اللغوي، إن للنص علاقة بخارجه، فوحدانه الدلالية في سياقها الثقافي لا يمكن عزلها عن تلك التفاعلات المتعددة في أبعادها المختلفة"(24).
إن تجاهل عالم القيم يقضى على فاعلية النقد البنيوي، باستبعاد كل المضامين الأخلاقية التي لا يخلو منها عمل فني رفيع، والمؤلف ينشأ في عالم القيم ويتأثر به، ومن هنا كان لا بد من تكوين موقف نقدي واضح يتصدى للمناهج التي بقدر ما أفادت النص فهي قد أمعنت فيه خراباً وتمزيقاً، بإقصائها للمؤلف المبدع الذي لولاه لما ظهرت الأعمال الكبيرة الخالدة للوجود(25).
لقد أوضح بارت أن المعنى لا يأتي من خارج اللغة الأمر الذي يعني انتفاء القصيدة وإقصاء المؤلف، لأنه يمثل قيداً على تفسير النص، إن موت المؤلف يعني رفض فكرة وجود معنى نهائي أو سري أو مقدس للنص، بل رفض وجود الإله ذاته.
وقد قدم الدكتور عبد الملك مرتاض رؤية متوازنة لم تشكل له فيها مقولة موت المؤلف إغواءً، ورغم رفضه للقراءات السياقية المحضة التي أبعدت النص عن عناصره الجمالية الكامنة في تراكيبه اللغوية، إلا أنه أعطى للمؤلف مكانته في العملية الإبداعية إدراكاً منه لخطورة الانسياق وراء أطروحات النقد البنيوي التي لا تجد لها مبررات فكرية في ثقافتنا العربية والإسلامية، وإدراكاً لخصوصية الثقافة العربية والتراث النقدي القديم كمرجعية في إعطاء المؤلف حقه في الإبداع والنقد على السواء يقول: فالمبدع سيد إبداعه وصاحبه لا ينازعه فيه مجتمع ولا زمان ولا بشر على الرغم من إيماننا بفكرة التناص(26).
وهذا تأكيد على انتماء النص لمؤلفه وأن مقولة موت المؤلف هي مغالطة نقدية تخالف المنطق السوي في الصلة بين المبدعين وأعمالهم.
ينتقل الدكتور عبد العزيز حمودة عبارة "مايكلز" : إن نظرة موت المؤلف تحاول أن تحتفي باستحالة حل مجموعة من المشاكل المؤلوفة: وظيفة قصد المؤلف، وضع اللغة الأدبية، دور الفرضيات التفسيرية" ويعلق إن خطأ هذه النظريات النقدية الحداثية يكمن في التصور بأن هذه البديهيات هي مشكلات حقيقية، وأن تقلب بارت المزاجي وسعيه وراء الموضة والمخالفة جعله يعلن موت المؤلف ثم يعود للاعتراف بوجوده وأنه لا جدوى من إقصائه عن نتاجه الإبداعي في حديثه عن سيميولوجيا القراءة(27).
وقد أحدث طلبته ضجةً عام 1968م في فرنسا بدعوتهم إلى سقوط البنيوية، كونها تقتل الإنسان وتقصى التاريخ ناهيك عن الأوهام التي وقعت فيها البنيوية لما حصرت عملها في تقعيد استكشاف الدلالة من البنية اللغوية الداخلية للنص.
ويظل التساؤل قائماً: هل جاءت نظرية موت المؤلف لتحل مشكلة النص ودلالاته، أم أنها جاءت استجابة للرؤى الفلسفية السائدة، أو خطاباً مزاجياً للمعهود، بل وللمنطق العقلي، فالإنسان هو الذي اخترع اللغة، فكيف نسمح لها أن تقتله؟! اللهم إلا إذا كان المقال من مقام "سمن كلبك يأكلك"، أو كان المبدع مثل ذكر النحل الذي يموت بعد لدغ النص باللغة.
إن مثل التعسف في إعلاء قيمة النص على حساب مؤلفه واستنطاقه بما لا يحمله من دلالة كمثل وضع النص على آلات التعذيب ليجبر على الاعتراف بجريمة مقيدةٍ ضد مجهول أم أنها الفوضى الخلاقة التي بشرت بها إحدى الأبواق العولمية السوداء.
يعترض الناقد فاضل ثامر على إجراءات البنيوية التي تمنح النص والقراءة سلطة تامة وتلغي فعل المؤلف والإنسان واعتبر أن هذا الطريق أحادي قاصر عن فهم الظاهرة الأدبية فهماً شاملاً، ويعتقد أن النص له تجربة خاصة تبثها الذات المبدعة وتتأثر بالسياق التاريخي والثقافي وله جمالياتها اللغوية، وعلى الرغم من الكثير من المحاولات الشكلية والجمالية المتطرفة، تظل هناك علاقة جدلية عميقة بين المكونات الجمالية والأدبية والشعرية من جهة وبين المكونات الأيديولوجية والمعرفية والرؤيوية من جهة أخرى داخل النص الأدبي، وأن أي محاولة لإقامة تعارض بين الجانبين محاولة مصطنعة محكوم عليها بالفشل(28).
إن الخطاب الإبداعي ليس وثيقة فكرية أو تاريخية أو دينية، لكن السياق الفكري والتاريخي والديني إضافة إلى الثقافة والرسالة التي يحملها المؤلف يلقي بظلال شفيفة رهيفة متموجة، يمكن للإضاءة النقدية أن تنفذ من خلالها إلى البنية العميقة للنص، ويتوازى ذلك مع تفكيك البنى اللغوية الدالة الحية لاستكشاف جمالياتها الذاتية الشكلية وبذلك تجتمع المقاربة الشكلية والموضوعية ويتحقق الجمال من امتزاجهما.
وقد اقترح بعض النقاد المحدثين أن نقوم بعملية إزاحة مؤقتة لسلطان المؤلف عن النص، ثم نعيده ضيفا عليه، يقول عبدالله الغذامي "إن مفهوم الموت لا يعني الإزالة والإفناء، ولكنه يعني تمرحل القراءة موضوعياً من حال الاستقبال إلى التذوق، ثم إلى التفاعل وإنتاج النص وهذا يتحقق موضوعياً بغياب المؤلف، فإذا ما تم إنتاج النص بواسطة القارئ فإنه من الممكن حينئذ أن يعود المؤلف إلى النص ضيفاً عليه"(29).
وأقول يمكن لنا تنفيذ هذا الإجراء الآلي، لكن روح المؤلف ستظل تحوم في المكان وهو صاحب المأوى الجميل (النص) الذي يأوي إليه القراء الضيوف للتماهي معه واستكشاف جمالياته.
"لقد كشفت البنيوية عن نزعة لا إنسانية – عندما أعلنت موت المؤلف – بمعنى أنها لم تؤمن بقدرة الإنسان على التأثير في التاريخ والواقع الاجتماعي بوصفه ذاتاً فاعلة، بل نظرت إليه بوصفه منعزلا وخاضعاً لهيمنة الأنموذج اللغوي والأنساق البنيوية، وبذا جردته من أي حرية أو قدرة على ممارسة الإدارة الإنسانية"(30).
وتظل نداءات موت المؤلف بلا صدى، وتحمل في بذرتها عناصر فنائها كونها تقصى مقدرات الإنسان الذي كرمه الله تعالى وجعله خليفةً له في الأرض يعمرها بالخير والجمال، كما أنها تدمر وظيفة الأدب والرسالة التي يحملها المبدع اعتقاداً وفكراً وسلوكاً وشعوراً، ويبقى المؤلف عنصراً لا يستغنى عنه عند مقاربة النصوص بل إنه يبث الحياة في العملية الإبداعية.

* النص القرآني:
بدأت الإشكالية في دراسة النقاد والحداثيين للنص القرآني مع بداية ظهور مناهج النقد البنيوي، التي تحاول تطبيق نظرياتها على القرآن الكريم، بادعاء أنه نص لغوي وفق الرؤية البنيوية المجردة، وأن خطاطة ياكبسون في أطراف العملية الإبداعية تنطبق عليه، وأن كلام الشكلانيين عن عزل النص عن مؤلفه، ومقولة بارت عن موت المؤلف، ورؤية كريستفيا عن التناص، كل ذلك ينطبق على النص القرآني، وهو بذلك يخرج من الإلهي إلى البشري، ويفقد قدسيته وإعجازه، وكونه متعبداً بتلاوته ويخضع لعمليات التفكيك والتحليل اللغوي، وقد وقع بعض الحداثيين العرب في هذا المنزلق الخطير، أمثال: أدونيس، نصر حامد أبو زيد، علي حرب، محمد أركون وغيرهم.
إن أهم ما يميز النص القرآني هو مرجعيته الربانية، فالله سبحانه وتعالى هو المرسل بالوحي على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم برسالة السماء، القرآن كلام الله تعالى وهو يحمل كل صفاته الأزلية السرمدية، فكيف يمكن في هذه الحالة تطبيق النقد البنيوي عليه.
وللقرآن طريقة في النظم لا تشبهها طرائق تشكيل النصوص وقد رأى "الجرجاني" في "دلائل الإعجاز" أن للكتابة القرآنية خصائص لم يعرفها العرب قبل نزول القرآن، ويرى أنها لا تكمن في الكلمات المفردة أو الجمل أو المقاطع والفواصل، وإنما تكمن في النظم والتأليف(31).
كما بين "الباقلاني" أن القرآن نظام لغوي يقوم على غير مثال، وهو بتصرف وجوهه وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من كلام العرب، ومباين للمألوف من خطابهم وله أسلوب يختص به(32).
أما عن شهادة المحدثين من المستشرقين، فإن "موريس بوكاي" كان منصفاً في آراء أدلى بها في دراسته للكتب المقدسة حول النص القرآني، يقول: "وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي أدركت أن القرآن لا يحتوي على أي مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر الحداثيين"(33).
وفي موضع آخر من الكتاب ينفي تهمة التحريف عن النص القرآني فيقول: "وعلى حين نجد في التوراة أخطاء علمية ضخمة، فإننا لا نكتشف في القرآن أي خطأ، وقد دفعني ذلك للتساؤل: لو كان كاتب القرآن إنساناً، كيف استطاع في القرن السابع من العصر المسيحي أن يكتب ما اتضح أنه يتفق اليوم مع المعارف العلمية الحديثة؟! ليس هناك أي مجال للشك في أن النص القرآني اليوم هو فعلاً نفس النص الأول ولم يتعرض لأي تحريف"(34).
وقبل مقاربة الخطاب الحداثي المعاصر حول النص القرآني لا بد من الإشارة إلى اجتراحٍ لإثم الجرأة على قدسية القرآن، مهد له "أمين الخولي" عندما رأى أن تأويل النص القرآني يرتكز على كونه نصاً أدبياً محضاً غير متأثر بأي اعتبار وراء ذلك(35).
وتبناه بشكل مطلق "طه حسين" الذي دعا إلى المدارسة الفنية للنص القرآني وتذوق جماله الفني والأدبي، والتعبير عن نتائج هذا التذوق بغض النظر عن مكانته الدينية، واعتبار القصص القرآن أساطير ملفقة فنياً للتأثير في الملتقى العربي، وهذا ما ذكره "محمد خلف الله" في رسالته العليمة "الفن القصص في القرآن" من أن القصص القرآني نمط من أنماط القصة الفنية التي ليس من الضرورة أن تكون حقيقية أو صادقة وإنما فيها تبديل وتغيير واختراع.
- وقد وقف الأستاذ "سيد قطب" في وجه هذا التيار، ومارس التأويل في ظلال القرآن دون أن يقتضى ذلك إنكاراً لعالم الغيب، يقول: "لم يجل بخاطري قط أن الفني بالقياس إلى القرآن معناه الملفق أو المخترع أو القائم على مجرد الخيال، وذلك أن دراستي الطويلة للقرآن الكريم لم يكن فيها ما يلجئني إلى هذا الفهم أو هذا التأويل"(36).
- كتب المحدثون حول النص القرآني بوصفه نصاً لغوياً خارج كل بعد ديني نظراً وممارسة، وتحدثوا عن آفاق الكتابة القرآنية من خلال مسارات تحمل الكثير من التساؤلات، وفي مغامرة فاشلة لأنسنته تحت تأثير النزعة الوضعية، واستنطاقه برغبات العصر، أو أسره بسياقه التاريخي القديم.
- إن النص القرآني لابد أن يحمل مقصداً، ونظرية موت المؤلف ترفض فكرة المقصد، وبالتالي يحق للقارئ أن يتأول المعاني بهتك الحدود اللغوية والتماهي مع الناص في نوع من الحلول الصوفى، يقول أدونيس في كتابه "الثابت والمتحول": "الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان، التصوف ذوب الإلوهية وجعلها حركة في النفس في أغوارها، أذاب الحاجز بينه وبين الله وبهذا المعنى قتل الله، وأعطى للإنسان طاقاته"(37) تعالى الله العظيم عما يقولون علواً كبيراً، أي اجتراء على العقيدة؟! وأي مس بذات الله عز وجل وتقدست ذاته وأسماؤه وصفاته؟! وأي مخالفةٍ لأسس التصور الإسلامي النابض بالحياة والحق؟!
- كما نادى "محمد أركون" بتفكيك النص القرآني بحسبانه بنية لغوية أسطورية، يقول: "إن المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية تتلقى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محورة عن مطامح ورؤى وعواطف حقيقية، يمكن للتحليل التاريخي والسوسيولوجي والسيكولوجي واللغوي أن يعرفها ويكشفها"(38).
لم يبتعد أركون كثيراً عن منهجية أهل الشرك في القرون الأولى في رفض النص القرآني واعتبار قصصه أساطير كتبها محمد "ومنهم من يستمع إليك، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين"(39)
ويقول الحق تبارك وتعالى في سورة الفرقان: "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً"(40)
وقد أشار أدونيس إلى أن انتقال النص القرآني من مرحلة الشفاهة إلى الكتابة قد أخرجه من القداسة إلى الأنسنة.
أما الناقد الحداثي "نصر حامد أبو زيد" الذي سخر فكره وقلمه لنقد الفكر الديني والخطاب القرآني فيرى أن قراءة النص القرآني يجب أن تكون ناسوتية وليست لاهوتية، وأنه يجب إغفال كل ما هو غيبي ميتافيزيقي مقدس عند التعرض لمقاربته أو نقده، يقول: "إن النص القرآني في حقيقته وجوهره منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاماً، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو متفقا عليها، فإن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود ليطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر من ثم إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص"(41).
ثم ينقل أبو زيد في كتابه "نقد الفكر الديني" مقولة لأدونيس فيها تزييف لطبيعة الخطاب القرآني الذي يسّره الله تعالى للتدبر والتفكر "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر"(42)
يقول أدونيس: "إن القول بإلهيتة النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية يستلزم أن البشر ينزوون بمناهجهم عن فهمها مالم تتدخل العناية الإلهية لوهب البشر طاقات خاصة من الفهم، وهكذا تتحول النصوص الدينية إلى نصوص مستغلقة على فهم الإنسان العادي، وتصبح شفرة إلهية لا تفهمها إلا قوة خاصة، وهكذا يبدو وكأن الله يكلم نفسه ويناجي ذاته"(43).
والحقيقة أن حيوية ووضوح النص القرآني الذي تكفل الله بحفظه وتفاعل المسلمين معه تعبداً وتعلماً ومنهج حياة ينفي هذا الإدعاء الباطل باستغلاقه على الفهم واحتياجه إلى معجزة أو كرامة لفهم آياته، وخاصة بعد أن قام المفسرون رضوان الله عليهم من الصحابة والتابعين بتبيان معانيه ومقاصده وأسباب نزوله بسند متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى "إن هو إلا وحي يوحى"(44)
وهذا ما يشكك فيه أدونيس في كتابه "النص القرآني وآفاق الكتابة" يقول: "منذ أن أصبح الوحي موجوداً في لغة، ومنذ أن تحول إلى نص مكتوب، صار بوصفه كتابة هو المتكلم، أي صارت اللغة هي الذات المتكلمة"(45)
لقد جعل أدونيس بنية النص القرآني اللغوية هي الذات المتكلمة بعد كتابته، كلام يفتقر إلى دليل، وإنشاء يجانبه الصواب ويخالف العقيدة القارة في الفكر الإسلامي أن القرآن كلام الله تعالى، هذا المعتقد الذي صمد في وجه فتنة خلق القرآن في القرن الثالث الهجري، التي بثها أهل الاعتزال بادعائهم أن القرآن مخلوق، ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل وجزاه عن المسلمين خيراً فقد بذل فائق الجهد وذاق أقسى ألوان العذاب للإبقاء على هذا الاعتقاد حياً في نفوس المسلمين إلى يوم القيامة.
إن للنص القرآني قداسة تمنع من الوقوع في شرك الحداثيين وإغواءاتهم واجتراءاتهم الحاقدة واجتراحاتهم الآثمة.
لقد رفض أدونيس النقل عن الغيبي واجترح الإلحاد مدعياً أنه عودة الإنسان طبيعته الأصلية، وهو ثورة تهدف إلى هدم سلطة يمارسها الإنسان باسم الوحي على الإنسان أو يمارسها باسم الغيب على الواقع"(46).
إن أعلى درجات الجرأة على عالم الغيب هي دعوة أدونيس إلى إعادة كتابة، النص القرآني الذي أصبح إنسانياً بعد الكتابة والتأويل.
ويدعي أبو زيد أن الثقافة العربية لم تخترق حدود الثبات والتقليد إلى التحول والتجديد إلا على يد أصحاب المذاهب الباطنية التي تحررت من سلطة النص القرآني النقلية، والسبب من وجهة نظره أن النصوص القرآنية قد تأسست منذ أن تجسدت في التاريخ واللغة، وتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقع تاريخي محدد"(47)
وأقول إن قدسية كتاب الله عز وجل وإعجازه وكونه كلام الله تعالى لا يعني إقفال باب الاجتهاد في تتبع جمالياته وإيحاءاته ومناحي الإعجاز العلمي وذلك بالقراءة الواعية المستبصرة التي تقر بأنه كلام الله وله مقاصد نقلها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه بالوحي، ثم نقلها الصحابة والتابعون وتناقلتها أجيال المسلمين جيلا بعد جيل.
إن تلاوة القرآن وتدبر معانيه من الشعائر التي تستوجب تعظيماً والعبادات التي تستوجب ثواباً، لذلك وجب الاعتناء بابتكار أشكال تأويلية لا تعارض المنقول وتكشف المزيد من مناحي الجمال فيه مع الاستحضار الدائم لعظمة منزل الذكر وجلاله، وشرف مبلغه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، واحترام اجتهادات المفسرين من علمائنا الأوائل، وكونه منهج حياة خالد.
* * *

الخـاتـمـة

بعد عرض تحليلي بعض المقولات النقدية المتعلقة بالنص وموت المؤلف تبين أن المنظور البنيوي لكينونة الإنسان المبدع لا يفي بمتطلبات التحليل النقدي الشامل وأن الظروف التاريخية والفكرية والفلسفية التي صاحبت نشوء هذه المقولات في أوروبا تختلف سياقاتها ومساقاتها عن الثقافة العربية الإسلامية.
وأن الجوهر الفكري للإجراءات الحداثية في معظمه لا يتفق مع العقيدة الإسلامية ولعله يعارضها عمداً في أحيان كثيرة.
وهذا لا ينفي إمكانية الاستفادة من الإجراءات التحليلية الصرفة التي جاءت بها البنيوية وما بعدها بما لا يتعارض مع عقيدة أو شريعة أو أخلاق يقتضيها الفكر الإسلامي الأصيل.
كما أن إسقاط نظرته موت المؤلف على النص القرآني قد سبب إشكاليات عقائدية كثيرة تناولتها بالنقد والرد والتحليل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولا تزال تداعيات نظريات الحداثة العقائدية مجالاً واسعاً للبحث والاستقصاء حفاظاً على هويتنا التاريخية وذاتنا الحضارية العريقة. وحفاظا على ديننا العظيم.
* * *

الهوامش:
1) رمضان بسطاويسي محمد: الجميل ونظريات الفنون، كتاب الرياض رقم 25/26 (الرياض، 1406) ص 349
2) انظر روجيه جارودي: البنيوية فلسفة موت الإنسان ترجمة جورج طرابيشي (بيروت، دار الطليعة، 1985) ص 83
3) سورة هود: الآية 1
4) سورة السجدة: الآية 42
5) سورة الكهف: الآية 1
6) شاه ولي الله: الفوز الكبير في علم التفسير (كراتشي، مكتبة خير كثير) ص 62
7) انظر رولان بارت: موت المؤلف ترجمة عبد السلام العالي مجلة المهد العدد السابع السنة الثانية (عمان، 1985)ص 10-12
8) انظر رولان بارت: النقد والحقيقة ترجمة إبراهيم الخطيب (الرباط، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1985) ص 103
9) رولان بارت: موت المؤلف ص 13
10) محمد الهادي المطوي: في التعالي النصي، المجلة العربية للثقافة السنة 16 العدد 32 (تونس، 1997) ص 187
11) رولان بارت: النقد والحقيقة ص 87
12) انظر رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور والقاهرة، الهيئة المصرية لقصور الثقافة، 1996) ص 186
13) رمان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة ص 67
14) بتصرف طه حسين: تجديد ذكرى أبى العلاء (القاهرة، دار المعارف) ص 22
15) لوسيان غولدمان وآخرون: البنيوية التكوينية والنقد الأدبي ترجمة محمد سبيلا (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1986) ص 46
16) عبد العزيز حمودة: المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك (الكويت، عالم المعرفة، 1998) ص 59
17) عبد العزيز حمودة: المرايا المحدبة ص343
18) كمال أبو ديب: مقال بمجلة فصول المجلد الرابع العدد الثالث عام 1984 ص37
19) مالكولم برادبري وجيمس ماكفلرن: الحداثة 1890 – 1930 ترجمة مؤيد حسن فوزي (بغداد، دار المأمون للترجمة والنشر، 1987) ص 25
20) خالدة سعيد: الحداثة وعقده جلجامس مقال بمجلة "قضايا وشهادات" نيقوسيا شتاء 1991م ص 273
21) عبد العزيز حمودة: المرايا المحدبة ص 64
22) انظر عبد الله الغزامي: تشريح النص مقاربات تشريحية لنصوص معاصرة (لبنان، دار الطليعة، 1987) ص79
23) رجاء عيد: القول الشعري (مصر، دار المعارف، 1990) ص 225
24) رجاء عيد: القول الشعري ص 21
25) انظر محمد علي الكردي: النقد البنيوي بين الأيدلوجيا والنظرية مجلة فصول العدد الأول (القاهرة، 1983) ص 270
26) انظر عبد الملك مرتاض: في نظرية النص الأدبي، مجلة الموقف الأدبي (دمشق، 1989) ص 201
27) انظر عبد العزيز حمودة: الخروج من التيه (دراسة في سلطة النص) جريدة الرياض العدد 298 نوفمبر 2003م ص 38
28) فاضل ثامر: اللغة الثانية في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح، المركز الثقافي العربي ط (بيروت، 1994) ص 135
29) عبد الله الغذامي: ثقافة الأسئلة (الكويت، دار سعاد الصباح، 1993) ص 205
30) فاضل ثامر: اللغة الثانية ص 114
31) انظر عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز تحقيق محمد رشيد رضا (بيروت، دار المعرفة، 1981) ص 300
32) أبو بكر الباقلاني: إعجاز القرآن تحقيق السيد أحمد صقر (القاهرة، دار المعارف، 1971) ص 35
33) موريس بوكاي: دراسة في الكتب المقدسة (بيروت، دار رشا) ص13
34) موريس بوكاي: دراسة في الكتب المقدسة ص 145
35) انظر أمين الخولي: التفسير نشأته تدرجه وتطوره (بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1982) ص 75
36) سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن (القاهرة، دار الشروق) ص 229
37) أدونيس: الثابت والمتحول (بيروت، دار العودة، 1974) ص 83
38) محمد أركون: الفكر الإسلامي قراءة علمية ترجمة هاشم صالح (بيورت المركز الثقافي العربي، 1996) ص 191
39) سورة الأنعام: الآية 25
40) سورة الفرقان: الآية 5
41) نصر حامد أبو زيد: مفهوم النص دراسة في علوم القرآن ط4 (بيروت، المركز الثقافي العربي، 1998) ص 24
42) سورة القمر: الآية 17
43) نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني ط3 (مصر، مكتبة مدبولي، 1995) ص 202
44) سورة النجم: الآية 4
45) أدونيس: النص القرآني وآفاق الكتابة (بيروت، دار الآداب، 1993) ص 42
46) انظر أدونيس: الثابت والمتحول ص 89
47) أبو زيد: نقد الخطاب الديني ص 119

المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم
2- أبو بكر الباقلاني: إعجاز تحقيق السيد أحمد صقر (القاهرة، دار المعارف، 1971)
3- أدونيس: الثابت والمتحول (بيروت، دار العورة، 1974)
أدونيس: النص القرآني وآفاق الكتابة (بيروت، دار الآداب، 1993)
4- أمين الخولي: التفسير نشأته وتطوره وتدرجه (بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1982)
5- خالدة سعيد: الحداثة وعقدة جلجامش قضايا وشهادات (نيقوسيا، شتاء 1991م)
6- رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة ترجمة جابر عصفور (القاهرة، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، 1996م)
7- رجاء عيد: القول الشعري (مصر، دار المعارف، 1990م)
8- رمضان بسطاويس محمد: الجميل ونظريات الفنون كتاب الرياض رقم 25 (الرياض، 1406هـ)
9- روجيه جارودي: البنيوية فلسفة موت الإنسان، ترجمة جورج طرابيش (بيروت، دار الطليعة، 1985)
10- رولان بارت: النقد والحقيقة ترجمة إبراهيم الخطيب (الرباط، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1985)
رولان بارت: موت المؤلف، ترجمة عبد السلام العالي، مجلة المهد العدد السابع السنة الثانية (عمان، 1985)
11- سيد قطب: مشاهد القيامة في القرآن (القاهرة، دار الشروق)
12- شاه ولي الله: الفوز الكبير في علم التفسير (كراتشي، مكتبة، خير كثير).
13- طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء (القاهرة، دار المعارف)
14- فاضل ثامر: اللغة الثانية في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح بيروت، المركز الثقافي العربي، 1994)
15- كمال أبو ديب مقال بمجلة فصول المجلد الرابع العدد الثالث (القاهرة، 1984)
16- عبد العزيز حمودة: الخروج من التيه (دراسة في سلطة النص)
جريدة الرياض العدد 298 (الرياض، 2003م)
عبد العزيز حمودة: المرايا المحدبة (الكويت، عالم المعرفة، 1998)
17- عبد الله الغذامي: تشريح النص (مقاربات تشريحية لنصوص معاصرة) (لبنان، دار الطليعة، 1987)
عبد الله الغذامي: ثقافة الأسئلة (الكويت، دار سعاد الصباح، 1993)
18- عبد الملك مرتاض: في نظرية النص الأذلي، مجلة الموقف الأدبي (دمشق، 1989)
19- لوسيان غولدمان: البنيوية التكوينية، ترجمة محمد سبيلا (بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1986)
20- ما لكولم برادبري وجيمس ماكفلرن: الحداثة ترجمة فويد فوزي (بغداد، دار المأمون للطباعة والنشر، 1987)
21- محمد أركون: الفكر الإسلامي قراءة علمية ترجمة هاشم صالح (بيروت، المركز الثقافي العربي، 1996)
22- محمد الكردي: النقد البنيوي بين الأيديولوجيا والنظرية مجلة فصول العدد الأول (القاهرة، 1983)
23- محمد الهادي المطوي: في التعالي النصي المجلة العربية للثقافة السنة 16 العدد 32 (تونس، 1997)
24- موريس بوكاي: دراسة في المكتب المقدسة (بيروت، دار رشا)
25- نصر حامد أبو زيد: مفهوم النص دراسة في علوم القرآن ط4 (بيروت، المركز الثقافي العربي، 1998)
نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني (مصر، مكتبة مدبولي، 1995)


المصدر: مجلة الجامعة الإسلامية ( سلسلة الدراسات الإنسانية) المجلد السادس عشر،العدد الثاني _ ص51_ ص69 يونيه 2008
ISSN 1726-6807,http http://www.iugaza.edu.ps/ara/research/

abo alyatama
عضو جديد
عضو جديد

عدد المساهمات : 22
نقاط : 2161
تاريخ التسجيل : 14/02/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موت المؤلف منهج إجرائي أم إشكالية عقائدية

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الإثنين 03 يونيو 2013, 18:44



يحق لنا أن نمرر الفكر الغربي على مجهر عقيدتنا وثقافتنا وتراثنا ..
ليس كل ما يأتي به الغرب مدهش ومبهر ..

جزاك الله خيرا على المقال المثميز




*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4989
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: موت المؤلف منهج إجرائي أم إشكالية عقائدية

مُساهمة من طرف عمر بوشنة في الأربعاء 05 يونيو 2013, 17:39

شكرا على المقال المثري جزاك الله خيرا ووفقك وسدد خطاك .
لو أن المؤلف قال : موت المؤلف منهج إجرائي أم إشكالية عقدية ؟ لكان أسلم من الناحية اللغوية ؛ لأن النسبة إلى فعيل - قياسا - تكون على فـَعَلي
وفَعَلِي في فَعِيلَة التُزمْ ... وفُعَلِي في فُعِيلة حُتِمْ
ويخرج من ذلك ما ورد سماعا مثل : طبيعي ، وسليقي ...
هذا من جهة ومن جهة أخرى أن النسبة تكون للأصل - المفرد - وليس للجمع . والله تعالى أعلى واعلم
avatar
عمر بوشنة
عضو فعال
عضو فعال

عدد المساهمات : 91
نقاط : 2027
تاريخ التسجيل : 11/11/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى