منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 6 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 6 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

اللغة واللهجة في ضوء اللسانيات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

اللغة واللهجة في ضوء اللسانيات

مُساهمة من طرف محب العلماء في الأحد 11 أبريل 2010, 22:25

اللغة واللهجة في ضوء اللسانيات

كان العالم اللساني الفرنسي (بواسون) (BOISSON) يحاضر في طلاب الدراسات المعمّقة بجامعة ليون الثانية في فرنسا، وكان موضوع المحاضرة في الأشياء ومسمياتها وفي كل مرة كان يذكر الشيء ثم يصنّف أسماء هذا الشيء في اللغة اليونانية والسنسكريتية والفرنسية والانكليزية والروسية.. والأفريقية.‏
وبما أنه لا يعرف العربي كمعظم اللسانيين الغربيين طلب التسمية لهذا الشيء باللغة العربية، فأعطيته اسماً، ثم نهض اللبناني وأعطاه اسماً، ثم خالفنا المغربي وقدّم اسماً ثالثاً، رفضه الجزائري وعرض اسماً رابعاً احتج عليه التونسي وطرح اسماً خامساً... ضحك العالم الفرنسي وقال: ما من مرة نسأل فيها عن تسمية عربية إلا ويقع هذا الخلاف بين اللغات العربية، فأحسسنا بمرارة السخرية واتفقنا جميعاً على القول إلى اللساني (بواسون): هذه ليست لغات إنها لهجات فردّ علينا بعد أن تخلى عن نبرته الساخرة.‏
La distinction entre langue et dialecte est loin d’eter “toujours claire”‏
"إنه من الصعب جداً أن نميز دائماً بوضوح بين اللغة واللهجة" وهو في هذا القول على حق، ليس لأنه يعمم ظاهرة تداخل اللهجة مع اللغة، فهذه قضية ندركها تماماً ويدركها كل فرد، ولكن لسبب آخر وهو أنه يوجد في العالم أكثر من خمسة آلاف لغة، ومعظم هذه اللغات لم يدرس دراسة وصفية وموضوعية، بل إن الغالبية العظمى من هذه اللغات لم يُسمع بها قط، وإن عدداً ضئيلاً جداً منها وصف وصفاً سريعاً لا يمكن الاعتماد عليه، وإن عدداً أقل ضآلة دُرس بدقة وتفصيل كاللاتينية والسنسكريتية والانكليزية والفرنسية، ولعل لمحة سريعة ومعمقة لسيرة الدرس اللغوي الغربي تساعد القارئ على تكوين فكرة عن سبب جهل العالم اللساني المذكور باللغة العربية كما تساعدنا على قراءة مقارنة للدرسين الغربي والعربي، ونحب أن نلفت النظر إلى أن هدفنا من هذه الدراسة ليس الدفاع عن اللغة العربية- فهناك كمٌّ هائل من الدراسات القديمة والحديثة التي تصدَّرت لهذه المهمة، وإن كان يغلب على معظمها الطابع الأيديولوجي أكثر من الطابع اللغوي- إن هدفنا هو تقديم قراءة وصفية لظاهرة اللهجات التي لا نعتبرها عيباً وخطراً على اللغة وإنما هي نمط من الاستعمالات الجماعية للغة معروف منذ نشأة اللغة وسيبقى معروفاً إلى ما لا نهاية اللغة.‏
الدرس اللغوي:‏
اتفق الباحثون- وليس لدينا حتى الآن ما يثبت عكس ذلك- على أن أقدم الدروس اللغوية يعود تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد عندما بدأ اليونانيون يتأملون لغاتهم ولغات غيرهم من الشعوب التي تعيش بجوارهم وتلك التي ترزح تحت سيطرتهم المباشرة.‏
لقد كانت اللغة اليونانية محصورة في رقعة مكانية تحتلها مجموعة من الشعوب الغازية التي انعزلت عن غيرها من الشعوب. وهذا يؤكد أن اليونانيين ليسوا أول من تكلم اللغة على هذه الأرض، فهناك شعوب كثيرة أقامت حضاراتها قبل أو إبان العصر اليوناني ولكن قد تكون هذه التأكيدات من اختصاص المؤرخين أكثر من اللغويين، فما يهمنا هنا هو أن هذه التأملات اللغوية التي أخذت حيزاً هاماً في الفكر الإنساني كانت على يد اليونانيين الذين اشتهروا في ذلك الوقت بعلوم متعددة لعل الفلسفة منهلها جميعاً. إن السؤال الأول الذي طرحه الفلاسفة اليونانيون فيما يتعلق باللغة هو معرفة ما إذا كانت هذه اللغة محكومة من قبل الطبيعة أو من قبل العُرف "وهذا التعارض بين الطبيعة والعرف يشكل السمة العامة للفلسفة اليونانية"1 إن التمايز بين الطبيعة والعرف- بالنسبة للغة- يقود إلى البحث عن العلاقة- إن كان هناك علاقة- بين اللفظ باعتباره رمزاً وبين الشيء الذي يدل عليه، وكثر الجدال حول ماهية هذه العلاقة، فالطبيعيون يصرون على وجود علاقة طبيعية بين الكلمة ومعناها، وإذا نقصهم الإثبات على صحة ما يذهبون إليه لجؤوا إلى البراهين الفلسفية التي تقوم على المماحكة التي لا تنتهي بين الصحيح والحقيقي، وبين الواقعي والصحيح... أما بالنسبة للعرفيين فإنهم لا يقرون بأية علاقة بين صوت اللفظة ومدلولها. إن العلاقة الوحيدة التي يمكن أن توجد هي علاقة تسمية ليس إلا، هذه التسمية هي من صنع الإنسان، وقد يحدث مصادفة أن تتطابق أصوات بعض الكلمات مع المدلولات التي تحملها هذه الكلمات.‏
وهكذا استمر الخلاف بين العرفيين والطبيعيين قروناً عديدة ظهرت خلالها نظرية القواعد (GRAMMAIRE) مع مصطلحاتها الجديدة، ومن أهم هذه المصطلحات التي شغلت العلماء وانشقوا حيالها إلى فرق ومدارس مصطلح القياس (ANALOGE) ومصطلح الشواذ (ANOMALIE) فمن ينظر إلى اللغة على أنها منظمة ودقيقة وخالية من الأخطاء فهو من جماعة القياس، ومن يرى في اللغة عكس ذلك فإنه من جماعة الشواذ وكثرت الجدالات الفلسفية واستخدمت البراهين المنطقية، وبقيت اللغة ذاتها بعيدة عن الدراسة والتحليل.‏
في هذا الوقت بالذات ازدهرت مدرسة الاسكندرية "وغدت المركز الحيوي للبحوث الأدبية واللغوية"2 إن الدراسات اللغوية التي انتشرت في الاسكندرية كانت منصبة بشكل أساسي على النصوص الأدبية، فهي أقرب إلى النقد الأدبي منها إلى الدرس اللغوي ولكنها كانت هامة للغاية إذ ساعدت على التمييز بين المخطوطات الأصلية والمخطوطات التي يشك بصحتها، وهذا بدوره ساعد على الحفاظ على التراث الشعري اليوناني ولكنه لم يساعد على خلق درس لغوي قائم بذاته وذلك لأمرين اثنين:‏
1-كانت الدراسات اللغوية- منذ البداية- منصبة بشكل رئيسي على اللغة المكتوبة، فالقواعد GRAMMAIRE اصطلاحاً تعني فن الكتابة ART DECRIRE واليونانيون استخدموا مصطلح القواعد للتعبير عن دراسة اللغة.‏
2-اعتقد الاسكندريون أن لغة الكتّاب اليونانيين في القرن الخامس قبل الميلاد أفضل وأفصح من اللغة الدارجة التي يستخدمها معاصروهم "وأن أفضلية اللغة وفصاحتها ترتبط بعظمة من يتكلمها"3‏
أفلاطون وأرسطو:‏
يُنسب الكلام على الفعل والاسم والتمييز بينهما إلى أفلاطون (429-347 ق.محم:) فالأسماء حسب المفهوم الأفلاطوني هي عبارة عن ألفاظ تستطيع أن تضطلع ضمن جملة بوظيفة فاعل الفعل، بينما تستطيع الأفعال أن تعبر عن الحدث أو عن النوعية التي يقدمها الفعل، وعندما جاء أرسطو (348-322 ق.م) حافظ على التقسيمات التي طرحها أفلاطون وأضاف طبقة جديدة مختلفة عن سابقاتها وهي طبقة التصريف والتي عيَّن من خلالها كل الكلمات التي لا تنتمي إلى الطبقتين الرئيسيتين، ومن ثم لاحظ أن معظم الأسماء التي تطلق على الأشياء في اللغة اليونانية إما مذكرة أو مؤنثة، فأدخل مصطلح الوسيط (INTERMEDIAIRE) ليدل به على النوع الثالث الذي ليس مذكراً ولا مؤنثاً، وأرسطو هو الذي اكتشف الزمن في الفعل اليوناني ولكن أفكار أرسطو تبقى كأفكار أفلاطون غامضة تائهة في الفلسفة والمنطق والتاريخ والسياسة والفيزياء والبيولوجيا.. حتى يصعب على الباحث أن يجمع معلومات تامة تخص العلوم اللغوية بالتحديد.‏
مهما كان الأمر، فإن طروحات هذين العبقريين استطاعت أن تزدهر وتنتشر في أصقاع الأرض وما زلنا نحن أبناء القرن العشرين نحتاج إلى قراءتها والتعمق في فهم أسبابها. إنها المناهل التي لا بد من الرجوع إليها والجذور التي أثمرت الفكر الإنساني على امتداد التاريخ. أما فيما يتعلق بالدرس اللغوي الذي عرفه العصر الروماني فإننا لن نتوقف عنده طويلاً لأن جلَّ علوم هذا العصر كان متأثراً تأثراً كبيراً بالعصر الذي سبقه، ولكننا سنذكر عهد فارون (VARRON) (116-27 ق.م) الذي شهد بعض الدراسات اللغوية الهامة. لقد كتب فارون وحده خمسة وعشرين كتاباً عن اللغة اللاتينية لم يصل منها إلا ستة، فيها بحوث عن الاشتقاق والمورفولوجيا والنظم وبعض الملاحظات عن زمن الفعل اللاتيني "يصنف فارون الألفاظ في أربع زمر صورية: الألفاظ التي يطرأ عليها التشكيل والألفاظ التي لها أزمنة، والألفاظ التي تشكل وتفيد الزمن، وتلك التي لا تشكل ولا تفيد الزمن"4‏
ونصل الآن إلى القرون الوسطى التي تعتبر الحد الفاصل بين انحلال الامبراطورية الرومانية وانبعاث الفكر الأوربي الذي اصطلح على تسميته بالنهضة الأوربية.‏
بقيت اللغة اللاتينية لغة العلم والمعرفة والأدب وهذا أمر طبيعي بما أن الكنيسة التي تسيطر في هذه القرون تضع هذه اللغة بالمرتبة الغالية وتنادي بتفوقها على غيرها من اللغات.‏
ما يعنينا من الأمر هنا هو أن معظم الدراسات اللغوية التي شاعت خلال هذه الحقبة هي عبارة عن دراسات في القواعد اللاتينية "إن التربية في القرون الوسطى ترتكز على سبعة فنون حرة: القواعد، الديالكتيك (المنطق) البلاغة، الموسيقا، الحساب، الهندسة، الفلك" وهكذا فإن القواعد التي عرفتها القرون الوسطى ما هي إلا فنّ حرّ بذاته وحاجة ملحة من أجل قراءة اللغة اللاتينية وكتابتها بشكل سليم"5‏
مهما كان الأمر فإن البحوث اللغوية التي اتخذت من اللغات الأوربية موضوعاً لها تأخر ظهورها حتى القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، مع العلم أن هذه اللغات ترجع إلى رقعات مكانية متعددة وإلى شعوب حضارية متنوعة، ولكن بقيت هذه الرقعات المكانية وهذه الشعوب المدنية ترزح تحت وطأة الكنيسة التي تفرض هيمنتها بشدة، ومرجع الكنيسة هو اللغة اللاتينية، لذلك كانت اللغات الأوربية قليلة الأهمية بالنسبة إلى اللاتينية التي يكتب فيها المثقفون، ويُزدرى كل من لا يتعمق بفهم اللغة اللاتينية وبقي الأمر على هذه الحال حتى القرن الثامن عشر، وبالتحديد حتى وقت اكتشاف اللغة السنسكريتية (SANSKRIT) عام 1786 لغة الهنود القدماء الذين اهتموا بدراسة لغتهم اهتماماً بالغاً، وكان دافعهم إلى ذلك الهم الديني بالدرجة الأولى، فمن أجل فهم سليم للآثار القديمة، ومن أجل شرح صحيح للطقوس السائدة، ومن أجل تعمق عقلاني في كتابهم المقدس الـ(فيدا) (VEDAS) كان لا بد لهم من وصف لغتهم وهذا ما أعطى شرارة إطلاق علم الفيلولوجيا (Philologie) على يد العلامة الهندي بانيني (PANINI).‏
تتميز المرحلة الجديدة التي تمر بها الدراسات اللغوية من الآن فصاعداً بالتركيز على المقارنات بين اللغات الهندو أوربية واللغة السنسكريتية، فلقد لوحظ أن ثمة أواصر قربى بين اللغة القديمة المكتشفة وبين اللغة اليونانية واللاتينية، وهكذا أزيحت أسطورة القداسة التي كانت تتوج اللغتين اليونانية واللاتينية، وبدأت الدراسات التحليلية التي اهتمت بالتقسيم السلالي للغات، وسادت الكتابات اللغوية التاريخية والمقارنة والفيصل في كل هذه البحوث كان دوماً المعرفة من خلال اهتمام الباحثين بوصف اللغة من نواحي أنظمتها الصوتية والصرفية والتركيبية، وتضاءل الاهتمام شيئاً فشيئاً بالدراسات السلالية حتى تخلى الدرس اللغوي عن دوره التاريخاني وبدأ يطرح أسئلة جديدة لم تكن مطروحة من قبل.‏
العلم الجديد La Linguistique:‏
ما طبيعة الحدث اللغوي؟ ما حقيقة اللغة؟ هل صحيح أن اللغة لا تحيا إلا بالتطور؟ ما وظيفة- وظائف اللغة؟ ما هي الروابط التي تربط الأصوات بالمعاني؟ وثمة مجموعة أخرى من الأسئلة التي طرحها العلم الجديد La Linguistique وقدَّم إجابات هامة عنها، حتى غدا العلم الأكثر تقدماً من بقية العلوم الإنسانية في بلاد الغرب بل "إن العلوم الأخرى أصبحت تلتجئ سواء في مناهج بحثها أو في تقدير حصيلتها العلمية- إلى (العلم الجديد) وإلى ما يفرزه من تقريرات علمية وطرائق في البحث والاستخلاص"6‏
ولكن قبل أن نتعرف على إجابات الأسئلة المطروحة يجب علينا أن نتبنى مصطلحاً عربياً للمصطلح الأجنبي Linguistique من بين المصطلحات التي شاعت في السنوات القليلة الماضية، ومصطلح اللسانيات- برأينا- هو أكثر المصطلحات المطروحة التصاقاً بمفهوم العلم الذي وضع أركانه العالم السويسري فيرديناند دو سوسور (F.DE SAUSSURE) بعد أن قام اثنان من طلابه بجمع محاضراته ونشرها في الكتاب التأسيسي.‏
(محاضرات في اللسانيات العامة) (Cours de linguistique generale) يُعد عام 1916 (عام نشر كتاب سوسور) عام ولادة اللسانيات التي لم تعد تأخذ بعين الاعتبار الافتراضات النظرية أو التاريخية التي كانت سائدة من قبل، اللسانيات التي حددت مفهوم اللغة انطلاقاً من كونها نظاماً من العلامات المحمَّلة بالدلالات والتي تتشابك فيما بينها لتشكل بلاغاً إنسانياً مفهوماً. إن اللسانيات الحديثة هي علم يدرس اللغة ويصفها اعتماداً على أدوات معرفية وموضوعية مأخوذة أصلاً من طبيعة اللغة وواقعها، وليست مأخوذة من الفكر الفلسفي اللغوي، أو من دراسة تطور الأشكال اللغوية التي شاعت فيما بعد، وإذا كانت جذور الدراسات اللغوية فلسفية محضة (أفلاطون + أرسطو) فإن الدراسات الحديثة استفادت من تلك الجذور وأصلتها، فنحن لا نستطيع أن نقول إن العلم الجديد جاء من العدم، أو إنه لم يفد من البحوث السابقة، ولكن يمكننا القول إن البحث العلمي الجديد في قضايا اللغة هو أكثر التحاماً بصميم اللغة، وأكثر تفهماً لطبيعة اللغة وطبيعة اللغة تفرض نظرة علمية وموضوعية بعيدة عن التهويمات الفلسفية والأقيسة المنطقية، وبالنتيجة فإنه لا بد أولاً من مصطلح جديد للمفهوم الجديد الذي يتميز ويتمايز عن غيره من المفهومات التي راجت من قبل، واصطلح على تسميتها بـ(الدراسات اللغوية)، (العلوم اللغوية) أو بمصطلح استقر وشاع وهو مصطلح (علم اللغة).‏
لماذا اللسانيات؟:‏
إن اللسان هو جارحة الكلام، وقد يُكنى بها عن الكلمة فيؤنث حينئذ ويأتي اللسان بمعنى الرسالة والمقالة، واللسان بمعنى المقول، يذكر ويؤنث والجمع ألسنة فيمن ذكَّر... وألسن فيمن أنث... وإن أردت باللسان اللغة أنثت. يقال: فلان يتكلم بلسان قومه... واللسان اللغة، مؤنث لا غير، واللّسن، كسر اللام: اللغة، لكل قوم لِسْنٌ أي لغة يتكلمون بها (لسان العرب) أما اللغة فهي من اللغو واللغا، السقط وما لا يُعتد به من كلام وغيره، ولا يُحصل منه على فائدة ولا نفع، لذا فإن كلمة لسان هي أكثر استيعاباً لمفهوم الفعل الصوتي الذي يمايز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وإننا لنتفق مع الدكتور أحمد مختار عمر على أن اللسان كلمة عربية قديمة في حين أن كلمة لغة هي من أصل يوناني، ولكننا نختلف معه حول مصطلح الألسنية الذي اعتمده بديلاً من مصطلح اللسانيات ونحن إذ نختلف مع هذا الباحث أو ذاك، فإننا لا ندعو للتقيد بمصطلحات هذه المنطقة أو تلك، فلكل مصطلح ما يبرره في رأي واضعه "وأياً تعقبنا سداد التعبير، فلا ينبغي أن ننسى أن المصطلح وسيلة فحسب لطرح معنى جديد، هو ضالة الباحث، وقد يبتكر مبتكر كلمة فتضطلع فوراً بوظيفتها وتحوز الاتفاق الجمعي بالرواج"7 لذا فإننا اعتمدنا مصطلح اللسانيات للأسباب التالية:‏
1-إن اللسان هو موضوع اللسانيات ومادتها، واللسان بالمعنى الذي قصدناه، وبالمعنى الذي يُتداول من قبل اللسانيين، لا يخص شعباً دون آخر، ولا حضارة دون غيرها، ولا حقبة بذاتها. اللسان (Langage) هو نظام اجتماعي يشمل الإشارات اللغوية والقواعد النحوية وهو يختلف عن اللغة (Langue) التي لا تشكل سوى جزء جوهري محدد منه، لذا فإن مفهوم اللسان هنا لا يقتصر دلالته على كونه أحد أعضاء النطق الأساسية، أو على كونه نظاماً اجتماعياً أو حادثة فردية، إنه أعم من كل ذلك وأشمل، وبالتالي فإن صيغة أفعلة التي يجمع عليها قياساً ما كان على أربعة أحرف، وما قبل آخره حرف مد شريطة أن يكون اسماً لا صفة ومذكراً لا تصلح لجمع لسان أما إذا استعملت الكلمة اسماً مذكراً مرة، ومؤنثاً مرة أخرى، جمعت على أفعلة في حال التذكير، وعلى أفعل في حال التأنيث، وذلك نحو كلمة لسان فإذا أريد بها العضو جمعت على ألسنة، و"إذا أريد بها اللغة أو الكلمة، أو المقالة جمعت على أفعل قياساً على أذرع تقول: هذه مدرسة الألسن، أي مدرسة اللغات"8 فلفظ الجمع ألسن لا يناسب العلم الجديد لأن نظرة هذا العلم للسان لا تحيط ببعض مدلولاته التي اكتفى بها الدكتور أحمد مختار عمر، لا بد من البحث إذن عن اسم جديد يرتبط دوماً مع مفهومات العلم الجديد.‏
2-اتفقنا على أن اللسانيات علم كغيره من العلوم (Science) له أدواته المعرفية الثابتة وله مصطلحاته الخاصة تماماً كعلم الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات وثمة تقاطعات كثيرة بين الرياضيات واللسانيات (الكلمة الشكلية، الكلمة الفارغة، النحو المولد) وهناك من يذهب "إلى أن اللسانيات هي جزء من الرياضيات، ففي رأي مونتاكيو (Montague) أن التركيب والدلالة والذريعيات في اللغات الطبيعية جزء من الرياضيات لا من علم النفس"9 وكما أنه لا حرج في النسب إلى الرياضيات فنقول رياضي، بالرغم من خطر الخلط الذي قد يحصل بين عالم الرياضيات ولاعب الرياضة، فإنه لا يوجد أي حرج من القول لساني لعالم اللسانيات مع العلم أنه لا يوجد أي خطر للخلط بينه وبين لساني (أنا المتكلم)، هذا إذا تركنا الدور الهام الذي يلعبه السياق في تحديد المعنى لذلك فإن مصطلح اللسانيات يتناسب تماماً مع أهمية الدور الذي يضطلع به العلم الجديد ويضعه في مصاف العلوم الهامة الأخرى.‏
3-يقول الدكتور مختار عمر "إن اللبس الذي يحدث عند استخدام المصطلح "لغوي" وعدم القطع ما إذا كان نسبة إلى اللغة أو علم اللغة والذي فضلنا من أجله ترك هذا المصطلح"10 ونحن نقول إن اللبس ذاته يحصل إذا استخدمنا لفظ ألسنية، فهل المقصود منها علم اللسان أم معرفة عدة لغات، بخاصة أنه كثرت في الآونة الأخيرة المدارس والمعاهد والجامعات التي اتخذت لنفسها اسم الألسن، فهذه مدرسة الألسن، وتلك جامعة الدراسات الألسنية، وهذا معهد تعليم الألسن، فارتبطت اللفظة بمعنى تعليم اللغات وبعدت بذلك عن دورها بتلبية الحاجة التي فرضتها الدراسات الحديثة، لذا كان مصطلح اللسانيات الذي يحمل في جذره كلمة لسان كما يحمل مصطلح (Linguistique) في جذره اللفظة اليونانية (Linguo) هو الأجدر وهو الأحدث. مهما كان الأمر، فإن قضية المصطلح وإن بدت خاصة بالأفراد فللمجامع اللغوية دور هام في توحيد المصطلح وتعميمه، وحسبنا أن نذكّرها هنا بالأعمال التي كانت المجامع اللغوية تقوم بها عقب خروج المستعمر من الأراضي العربية بدءاً من ثلاثينات هذا القرن. آملين أن تتنشط هذه المجامع من جديد وتنقذ الأفراد من التخبط في وضع المصطلح.‏
الدرس اللغوي العربي؟:‏
نلاحظ في ضوء ما سبق أن الدرس اللغوي العربي غائب تماماً عن سيرة حياة الدرس اللغوي البشري. إشارات سريعة هنا وهناك إلى الدراسات الصوتية والنحوية تلمح في الأغلب الأعم إلى تأثر العرب باليونانيين أو بالعبريين، فها هو ذا الباحث روبان (Robins) في كتابه (مختصر تاريخ اللسانيات من أفلاطون إلى تشومسكي)11 يقول: "إن البحوث اللغوية العربية التي استوحت قواعدها ومناهجها من العلماء العبريين تركزت على القرآن. الكتاب المقدس في الإسلام وهو كلام الله المنزل على نبيه محمد"12 ويتابع الباحث: بما أن القرآن ممنوع من الترجمة فإن الذين يدخلون في الإسلام مضطرون لتعلم اللغة العربية، لغة القرآن كما يفعل اليوم المسلمون غير العرب في ماليزيا وغيرها"13 ثم يتحدث عن المنافسة التي انتشرت وازدهرت بين مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة ويقول: "إن تأثر البصريين بأرسطو كان واضحاً جلياً" وينتقل- من بعدُ- إلى الكلام على سيبويه ولا يفوته أن يذكّر بأن سيبويه فارسي، يقول (روبان) لقد قدم سيبويه في الكتاب وصفاً دقيقاً للحروف ومخارجها وأعطى أسماءً لهذه المخارج ولكنه في هذه الدراسة متأثر بالبحوث الصوتية الهندية التي قام بها العالم الهندي بانيني"14 وها هو ذا جورج مونان في كتابه (تاريخ علم اللغة منذ نشأتها حتى القرن العشرين يتكلم على الدراسات اللغوية عند المصريين والسومريين والأكاديين والصينيين والهنود والفينيقيين والعبرانيين... ويذكر العرب بقوله: "سرعان ما ظهر في العالم الإسلامي وبخاصة في مدينة البصرة مباحث كاملة في القواعد العربية ومنذ القرن الثاني للهجرة مما حمل بعضهم على افتراض اقتباس واسع عن حضارات سابقة تتمتع بمفاهيم لغوية متطورة تطوراً بعيداً كالحضارة الإغريقية والهندوسية"15 وإذا كان جورج مونان لا يستطيع أن يقطع في هذا الأمر، فإنه يعترف بالجهود العلمية الكبيرة التي قدمها العلماء العرب في مجال الدرس اللغوي "سواء أأوجد العرب علماً للأصوات جديراً بأن يذكرنا بالعلامة بانيني أم أنهم اقتبسوا هذا العلم عنه، فتلك مشكلة على حدة، ولكن لا بد لنا- بادئ ذي بدء- أن نعترف بوجود هذا العلم في الأصوات، وأنه علم فذّ ممتاز" ويلاحظ كغيره من العلماء الغربيين أن النحويين العرب فضلوا لغتهم واعتبروها أم اللغات لأنها على حد قولهم لغة الجنة بل لغة الله"16.‏
إن التأريخ الغربي للتفكير اللغوي البشري يعزل بصورة اعتباطية اللغة التي نقلت العلوم الهندية وترجمت الحكم اليونانية وعرّبت الآداب الفارسية وهو بذلك مخلص لذاته بخاصة وللتأريخ الغربي بعامة. فمن المعروف أن الدرس اللغوي العربي قام أساساً على نص منزل هو النص القرآني17 والمؤرخون الغربيون للبشرية أنكروا القرآن ذاته لفترة من الزمن، فكيف سيعترف المؤرخون اللغويون بالبحوث اللغوية العربية التي لا يعتبرونها إلا إعادة كتابة لما قدمه أرسطو وأفلاطون، تماماً كما كانت الكنيسة تنظر لنص القرآن على أنه إعادة كتابة للتوراة بعهديها.‏
"أما بالنسبة إلى الإسلام والقرآن، فقد عشت زمناً طويلاً مع أفكار مسبقة وثابتة، وتجاوزت الخمسين من عمري وأنا أعتقد دائماً أن القرآن ما هو إلا إعادة نسخ ما جاء في التوراة بذكاء رجل كان له طموح يكفيه- وهو التاجر الصغير الذي نعرف- كي يؤسس دولة قائمة على تشريعات جديدة بأسس دينية، وهكذا فإن نجاح الدين الجديد الذي شيده، قلب خلال قرون العالم بأسره. والقرآن، محرك هذه الانطلاقة، لم يكن بالنسبة إليّ أكثر من مؤلَّف إنساني"18.‏
وهكذا نلاحظ أن السبب الديني كان من بين الدوافع التي أدت إلى هذه القطيعة مع الأصول اللغوية عند العرب ذلك أن "قضايا اللغة قد كانت ملابسة لقضايا المعتقد في كل الحضارات التي عرفت بكتاب سماوي"19 لأن التشابه القائم بين ما قدمه أرسطو وما قدمه النحويون العرب في القرن الثاني للهجرة عن القياس والشواذ وعن العلاقة الطبيعية بين اللفظ والمدلول وعن العلة وأقسامها، والتشابه القائم بين انطلاقة الدرس الهندي وانطلاقة الدرس العربي وبين عمل العلامة بانيني والعلامة الفراهيدي، بالإضافة إلى تشابهات أخرى كثيرة بين التراث اللغوي العربي والتراث اللغوي العبري، كنظرية تفضيل اللغات والاستدلال عليها بمقولات دينية، ونظرية نشأة اللغة التي يُستدل عليها في القرآن بـ"وعلّم آدم الأسماء كلها..." ويُستدل عليها في التوراة بـ"وجبل الرب من الأرض جميع الحيوان وجميع طير السماء وأتى بها آدم ليرى ماذا يسميها.." إذن ثمة تشابهات وتقاطعات كثيرة بين مخزون الفكر اللغوي العربي ومخزون الفكر اللغوي البشري. لا نستطيع حيالها أن نذكر العرب بغيرهم من الشعوب، ولكن هذا لا يشكل عيباً بحد ذاته، فالعربية هي من أكثر اللغات التي شغف بها أصحابها فتكلموا عليها، وألفوا فيها، ووضعوا لها القواعد والمقاييس، ووصفوا خصائصها وصفاً علمياً معمقاً، فالعيب ولا شك في هذا النسيان الذي يتقصده الدارس اللغوي الغربي لتراث العرب. وهذا يشرح لنا سبب جهل اللساني (بواسون) باللغة العربية وسبب سخريته من تعدد اللهجات العربية، وكأن هذا العالم لا يعرف أن حضارته الغريبة قامت أساساً على حصيلة التراث اليوناني الذي ورثه العرب ونقلوه إلى الأمم الأخرى. مهما كان الأمر، فإن اللسانيات الحديثة هي بأشد الحاجة اليوم لتعرّف النظرية اللغوية العربية التي بدأت بالدعوة إلى ترجمتها وهذا ردُّ لساني فرنسي هو أندريه مارتينيه على مازن الوعر قبل أن يصبح أستاذاً في جامعة دمشق ثم في جامعة البحرين "حول تعليقك على اللسانيات المطبقة على اللغة العربية يمكن أن أقول إن هناك بعض البحوث الحديثة المطبقة على اللغة العربية في فرنسا ولكنها بحوث ضئيلة يجب أن توسع. فهناك بعض اللسانيين الذين يعملون على اللغة العربية كاللساني الفرنسي لوبرت فريش20 ولكن يجب أن نميز بين اللسانيات المطبقة على اللغة العربية من الناحية الوظيفية وبين اللسانيات المطبقة على العربية من الناحية التاريخية التطورية، والتي كان الأدب موجهاً لتلك الدراسات اللسانية" ثم يتابع اللساني المعروف كلامه على اللسانيات العربية ويقول: "إن كثيراً من البحوث العربية ساعدت بل ساهمت في بناء ما يسمى بعلم اللسان"21.‏
ولكن يبقى هم اللغة العربية أمام نفسها وأمام الآخرين هو تثبيت اللغة الصحيحة: وهذا يقودنا للحديث عن اللهجات العربية، ونحن نتفق مع اللساني (بواسون) على أنه من الصعب أن نمايز بين اللهجة واللغة، فليس كل ما هو مكتوب أو منطوق في العالم يسمى لغة، ولكن بالنسبة إلى اللغة العربية التي وصف الخليل أصواتها، وشرح سيبويه قواعدها وحلّل ابن جني خصائصها، فإن الخلط بين اللهجة واللغة غير وارد على الإطلاق، وقد يقول قائل: إن اللغويين العرب القدامى اعترفوا بتساوي اللهجات، وبجواز الاحتجاج بها وها هو ذا ابن جني يقول إن الإنسان إذا استعمل هذه اللغات فهو غير مخطئ لكلام العرب، فسعة القياس تبيح له ذلك ولا تمنعه.‏
في الواقع إن اللغويين الأقدمين لم يفصلوا في دراسة اللهجات العربية القديمة، بل شغلوا باللغة الأدبية الفصحى التي نزل بها القرآن، وصيغت بها الآثار الأدبية في الجاهلية وصدر الإسلام، فاللغات التي يذكرها ابن جني هي لهجات تميمية وأسدية وربيعية وقيسية وضبية وسواها، وإذا كان ابن جني يسمي هذه اللهجات لغات فذلك لأنها لغات فصيحة، واللهجة في العربية طرف اللسان، واللهجة جرس الكلام، ويقال فلان فصيح اللهجة واللهَجة، وهي لغته التي جُبل عليها، اعتادها ونشأ عليها، وهكذا فإنه عندما نقول إن لهجة قريش هي التي سادت اللغة العربية وسيطرت عليها، فذلك يعني أن لهجة قريش هي لغة فصيحة عُرفت اللغة العربية بها وإذا أردنا أن نختلف ونقول إن لهجة تميم أو ربيعة أو قيس هي التي سادت أو كان يجب أن تسود، فإننا سوف نتفق على القول إن هذه اللهجة أو تلك أو مجموعها سادت اللغة العربية وعُرفت العربية بها، وهي لغة فصيحة لها قواعدها ومقاييسها وخصائصها، وإذا أردنا الحفاظ عليها، فإنه يتوجب علينا أن ندرسها بعيداً عن التناقضات التي وقع فيها اللغويون حين استنبطوا القواعد النحوية والصرفية من كل ما روي عن القبائل، وإلا فسوف نقحم على اللغة الفصحى خصائص اللهجات المتباينة بوجوهها المتعددة، كما فعل النحويون عندما اعتمدوا على قواعدهم بشواهد من كل ما سمعوا من كلام العرب، "فهذه قاعدة تستند إلى كلام رجل من قبيلة تميم، وتلك مسألة تقوم على كلام رجل من قريش، وهذه ثالثة لكلمة قيس، بالإضافة إلى الشواهد الشعرية وغيرها22.‏
ولعلَّ هذه الحكاية التي أوردها ابن جني تشبه إلى حد ما ما حصل معنا في الجامعة الفرنسية، أو لنقل تفسر ما حصل بيننا وبين العالم بواسون: روى الأصمعي: اختلف رجلان في الصقر، فقال أحدهما (الصقر) بالصاد، وقال آخر (السقر) بالسين، فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال: لا أقول كما قلتما، إنما هو (الزقر)"23 ولو طلب الثلاثة من شخص رابع لحصلوا على كلمة رابعة دون شك، أما تعليق ابن جني على هذا فيعبر عنه بقوله: أفلا ترى إلى كل واحد من الثلاثة كيف أفاد في هذه الحال إلى لغته لغتين أخريين معها؟ وهكذا تتداخل اللغات.‏
لا شك أن فكرة تداخل اللغات التي يذكرها ابن جني تعد فكرة جوهرية تفرضها طبيعة اللغة ذاتها، فلقد بات من المسلمات القول إن اللغات تتحرك عبر الزمن وهذه الحركة تستدعي سقوط كلمات وولادة كلمات أخرى، فلكل كلمة مفردات من نوعها تلتقي معها في مبناها ومعناها.‏
فثمة كلمات تولد وكلمات تموت وأخرى يصيبها الجمود، ولكن علينا أن نمايز بين ما هو توليد وتطور وما هو خطأ وتحريف، "والخطأ هو الذي يخالف خصائص اللغة وسنن نموها وناموس حياتها وقواعد فطرتها"24 وعندما قال الأقدمون ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم وكشكشة ربيعة وكسكسة هوازن وتفجع قيس وعجرفية ضبة وتلتلة بهراء، فإن المقصود من ذلك أن العربية الفصحى التي اصطُلح عليها هي اللغة الثابتة ولذا فإنه يتوجب علينا أن نرتفع في الفصحى عن عنعنة وكشكشة وعجرفية اللهجات المتباينة للأقطار العربية، والارتفاع بالفصحى لا يعني القضاء على اللهجات. صحيح أن نواميس اللغات "تقتضي أنه متى انتشرت اللغة في مناطق واسعة من الأرض وتكلم بها طوائف مختلفة من الناس، استحال عليها الاحتفاظ بوحدتها الأولى أمداً طويلاً25 ولكن لما كانت العربية الفصحى هي لغة الكتابة ولغة الدين في هذه الأماكن كان من الضروري أن تخف أوجه الخلاف بين تلك اللهجات العامية، وها هو ذا الدكتور طه حسين يحذِّر من اليوم الذي يحتاج فيه المصري إلى أن يترجم إلى لهجته كتب السوريين واللبنانيين والعراقيين، ويحتاج أهل سوريا ولبنان والعراق إلى مثل ما يحتاج إليه المصريون من ترجمة الكتب المصرية إلى لهجاتهم كما يترجم الفرنسيون عن الإيطاليين والإسبانيين، وكما يترجم هؤلاء عن الفرنسية، وعندما يجيء هذا اليوم نكون قد لبينا دعوة من يقول بالتخلي عن اللغة العربية الفصحى واعتماد اللهجات المحلية ووضع القواعد لها، وبالتخلي عن الحروف العربية وكتابتها بالحروف اللاتينية وبالتخلي عن النحو العربي ووضع نحو جديد26.‏
إن قضية تشعب اللهجات واختلافها لا يُعد عيباً بحد ذاته، لأنها قضية عامة تخص كل اللغات، وبخاصة اللغات التي تنتشر في مساحات واسعة، ففي الفرنسية ثمة لهجات متباينة، وما يتكلمه البروتاني لا يفهمه الباريسي، وما يستخدمه المارسيلي من كلمات يختلف عما يستخدمه الليوني، أما بالنسبة للعامية المسماة بالآرغو فإنها غريبة جداً عن اللغة الأصلية، وهناك أصوات كثيرة ترتفع اليوم في فرنسا للارتقاء باللغة الفرنسية، بدءاً من تغيير بعض القواعد الإملائية التي لا تتناسب مع أصوات اللغة وانتهاءً بمعاقبة من يكتب أو ينطق إعلامياً بغير اللغة الفرنسية. مع العلم أن هناك كلمات كثيرة ومنها عربية تدخل القاموس الفرنسي الجديد عندما تشعر اللغة بأنها بحاجة إلى هذه الكلمات مثل الجهاد- الانتفاضة- المجاهدين- الفدائيين (دائماً بهذه الصيغة)... أما فيما يخص العربية فالكلمات الأجنبية غير المعرّبة أكثر من أن تحصى، فكلنا نستخدم كلمة (تلفزيون) مع سبق الإصرار والترصد، مع أننا نعلم أن ثمة كلمة عربية مرادفة لمفهوم هذا الجهاز وهي كلمة الرائي، ولنفترض أن ترجمة (Television) بالرائي غير موفقة، وهي فعلاً غير موفقة لأن صاحبها لم ير من الكلمة إلا جذرها الذي يدل على الصورة (Vision) مع العلم أن هذه الصورة مرتبطة بالزائد (Tele) الذي يدل على البعد.‏
في هذه الحال نلجأ إلى التعريب بإكساب الكلمة وزناً من أوزان العربية تألفه الأسماع وتستسيغه الأذواق ويتفق مع النطق العربي فنقول تلفاز أما إذا ابتعدنا عن خصائص العربية وأقحمنا الكلمات الجديدة إقحاماً واخترعنا صيغاً لم تسمع بها العرب قديماً أو حديثاً فإننا نقول تلفزيون، أي أننا تركنا كل الإمكانيات التي تقدمها لنا اللغة من أجل نقل صحيح لمصطلحات مستحدثة مثل الاشتقاق والمجاز والترجمة والاستعارة والنحت والتعريب، نحن مع أن اللغة تتطور، ولا بد من مراعاة خصائص اللغة ذاتها من أجل تطور مفيد لأن التطور لا يعني إلا التأخر.‏
فنحن عندما نعرف أن كلمة هاتف تعبر تماماً عن مفهوم (Telephone) لأن هذه الكلمة وردت في القرآن وعلى ألسنة الأعراب الفصحاء ومعناها أن تسمع صوتاً دون أن ترى صاحبه. ونستخدم مكانها كلمة تليفون دون تعريب أو ترجمة أو اشتقاق، هذا يعني أننا نضع خصائص لغتنا على الرف وهذه هي الفوضى بعينها وهي أشد خطورة حتماً من ظاهرة اللهجات، فاللهجات مهما تطورت فإنها متفرعة عن الفصحى ومتأثرة بها، وإن كانت أحياناً تشويهاً وتحريفاً، فالكلمة الفصيحة (رجل) تُستخدم راجل ورجّال وراكل وريّال، وعبارة (من أين) تصبح منين ومن وين و(أي شيء بودِّك) تصير ايش بدك وشوبدك وشنوبدك وكلمة (السفح) تتحول إلى السحف و(السلحفاة) إلى زلحفة وسلحفة، و(صار) تتبدل إلى سار و(صفر) إلى سفر، والتحريف يمكن أن يصيب اللفظة المفردة في مبناها كما ذكرنا وفي معناها أيضاً ككلمة الفشل ومعناها الضعف، تستعمل بمعنى الإخفاق ضد النجاح27 وهناك أمثلة كثيرة جداً في هذا الصدد لا أريد أن أذكرها، ولكن ما أريد أن أقوله هنا هو إن اللهجات ظاهرة معروفة منذ نشأة اللغة ذاتها وستبقى معروفة إلى ما لا نهاية اللغة. ولكن الطفل الذي يسمع اللغة الفصحى سوف يكتسب حتماً هذه اللغة وسوف يفهمها ويتواصل بها، ويعبر بوساطتها عن أغراضه فلا مجال للقول ها هنا إن العامية أسهل من الفصحى وأيسر، وهذه مهمة التعليم، ومهمة أجهزة الإعلام المكتوبة والمنطوقة والمرئية، وإذا كنا في سوريا قد قطعنا شوطاً كبيراً وهاماً في هذا المضمار، فلا بد من تعميم هذا الأمر على بقية الدول العربية التي لا توجد ما يربطها ببعضها اليوم أكثر من اللغة، وهنا أتذكر ما تبثه بعض محطات التلفزة في لبنان، وبخاصة المحطات الخاصة، فمن غير المعقول أن برنامجاً يُفترض أنه موجه إلى أطفال عرب تقول فيه المقدمة بالحرف (يا لله Les enfants) اليوم الحكاية Cest Fini بس بكرة je vous raconte une hisoire كتير كتير حلوة).‏
نستطيع أن نقول حيال هذا التداخل الفوضوي للغات: إن العربية هويتنا ومن يقبل بتشويه هويته لا وجود له.‏
1 John Lyons, Linguistique generale, LAROUSSE PARIS, 1970, p.7.‏
2 المرجع السابق: ص 11.‏
3 المرجع السابق: ص 11.‏
4 جورج مونان، تاريخ علم اللغة، ت، د، بدر الدين القاسم، مطبعة جامعة دمشق، 1972.‏
5 R.H. Robins, Breve hisoire de la linguistique, seuil Paris, 1976, p.73.‏
6 د.عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس، 1981، ص 1.‏
7 د.أنور لوقا، التساؤل على شفا المنزلق، مجلة الفصول، العدد 7-3/4/1987، ص 14.‏
8 د.محمد خير الحلواني، الواضح في النحو والصرف، ج2، دار المأمون، دمشق، 1978، ص 120.‏
9 د.عبد القادر الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية، توبقال، المغرب، 1985، ص 42.‏
10 د.أحمد مختار عمر، المصطلح الألسني، عالم الفكر، العدد 3، 1989، ص 9.‏
11 R.H. Robins. Breve… P.103-195.‏
12 المرجع السابق.‏
13 المرجع السابق.‏
14 المرجع السابق.‏
15 جورج مونان، تاريخ علم اللغة، ص 114.‏
16 المرجع السابق.‏
17 من أجل نظرة معمقة عن دافع الدرس اللغوي العربي، لا بد من العودة إلى كتب التراث التي لا تخلو من شرح مسهب في مقدماتها وفصولها عن أثر القرآن في اللغة، والمزهر للسيوطي وحده يفي بالغرض.‏
18 د.موريس بوكاي، القرآن والعلم المعاصر. ت.د.محمد إسماعيل بصل ود.محمد خير البقاعي، دار ملهم للنشر والتوزيع، حمص، 1995، ص 33.‏
19 د.عبد السلام المسدي، التفكير اللساني، ص 23.‏
20 يجب أن نذكر اليوم لسانيين آخرين يعملون على اللغة العربية في فرنسا، لعل أشهرهم هو "أندريه رومان" رئيس قسم الدراسات العربية اللسانية في جامعة ليون الثانية، له مؤلفات وبحوث ونظرية خاصة في اللسانيات العربية.‏
21 أندريه مارتينيه، مقابلة صحفية أجراها مازن الوعر على هامش المؤتمر اللغوي الخامس للسانيات التطبيقية نشرتها مجلة المعرفة السورية في عددها 203 من عام 1979.‏
22 د.صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة، دار العلم للملايين، بيروت، 1973.‏
23 ابن جني، الخصائص، ت، محمد علي النجار، دار الهدى، بيروت، بلا تاريخ، ج1، ص 374.‏
24 محمد المبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، دار الفكر، بيروت، 1972، ص 325.‏
25 د.أحمد علم الدين الجندي، الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس، 1978، ص 129.‏
26 انظر د.صبحي الصالح، دراسات في فقه اللغة.‏
27 من أجل رؤية واضحة وشاملة ومن أجل التعرف على أمثلة كثيرة من الأخطاء الشائعة انظر فقه اللغة وخصائص العربية لمحمد المبارك.‏

انتقاء محب العلماء
avatar
محب العلماء
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 226
نقاط : 3445
تاريخ التسجيل : 07/02/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: اللغة واللهجة في ضوء اللسانيات

مُساهمة من طرف ونشريس في السبت 23 مارس 2013, 16:49

avatar
ونشريس
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 393
نقاط : 2434
تاريخ التسجيل : 20/09/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى