منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 5 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 5 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

هوامش وأسئلة حول : الشعر والحداثة وما بعد الحداثة !

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هوامش وأسئلة حول : الشعر والحداثة وما بعد الحداثة !

مُساهمة من طرف محب العلماء في الأحد 11 أبريل 2010, 22:29

هوامش وأسئلة حول: الشعر والحداثة وما بعد الحداثة!

1- لست أدري ما إذا كان يحقّ لنا نحن أبناء الجنوب/ العالم الثالث/ الوطن العربي/ أن نتحدَّث في الحداثة وما بعد الحداثة وفي التاريخ وما بعد التاريخ.. كما يتحدث أَبناء الشمال/ العالم الأَول/ العالم الصناعي/ أَمْ نَحـْتَضِنُ موتنا وننتظر حتى يدفن الأموات موتاهم! خاصةً وأنّ هناك مَنْ يرى أَنّ كلّ حديث عن "حداثة" عربية، هو بمثابة حديث خرافة! وفي أفضل الأحوال، إنّ ما يُسمّى "حداثة" عربية إنّما هي "حداثة مُهَّربة" أي "هي غربيَّة بكاملها".(1)‏
2- ولست أدري أيضاً، هل يكفي الحديث عن الحداثة، وما بعد الحداثة من جانبٍ واحدٍ نخبوي، أقصد الاتجاه الأَدبي، لنُثبت أننا حداثيون، أو ما بعد حداثيين، في حين يعيش المجتمع مرحلة ما قبل الحداثة أصلاً: تاريخياً، وسياسياً، واقتصادياً، وسيكولوجياً..الخ.‏
حقاً لقد علَّمتنا تقنياتُ "الحداثة" التي لا تنتمي لنا، ولا ننتمي لها، بعض المهارات الفنية في كتابة قصيدةٍ " حديثةٍ"! ولكن متى كان الشعر، بعيداً "عن أبعد جوانب الروح انتساباً إلى جذورها"(2).‏
على أية حال.. لنأخذ بأضعف الأيمان!‏
3- إنّ مصطلحات: ما بعد الحداثة، ما بعد البنيوية، ما بعد الثقافة، ما بعد التاريخ.. الخ. رغم الغموض الذي يكتنفها. تُوحي بالقصديّة الضديّة أو التجاوز أو المُناهَضَة لِلقَدم.. أَي تجاوز ما هو حداثي، بنيوي، ثقافي، تاريخي.. ولكن: إلى أين؟ ذاك ما يُشكّك فيه العديدُ من نقاد العلوم الإنسانية: الأدبية، الاجتماعية، الأنثروبولوجية، الألسنية، والمهنجيّات.. الخ.‏
فَهُمْ يرون أَنْ ليس هناك سورٌ صينيٌّ يفصل ما بين الحداثة وما بعد الحداثة. حيث يمكن أن يكون المرءُ حديثاً وما بعد حداثي في آن واحد. مثلما يمكن أن يكون رومانسياً وواقعياً، كلاسيكياً وحداثياً، والشواهد على هذا كثيرة، لأَن الثقافة مُتَنافذة بين الماضي والحاضر والمستقبل. فهناك مثلاً، العديدُ من الكُتّاب، اكتشف النقادُ أخيراً، أَنهم: ما بعد حداثيين، أو لديهم من الإنتاج ما هو بعد حداثي مثل جيمس جويس، وليم بليك، رامبو، المركيز دوساد، عزرا باوند.. الخ(3) والقائمة طويلة. بينما إلى وقت غير بعيد، كان هؤلاء وسواهم كثيرٌ، يُعَدُّون من رؤوس الحداثة. فهل يا تُرى، يجيءُ اليوم الذي نكتشف فيه، أنّ هوميروس والمتنبي، مثلاً ما بعد حداثيّين، أو أنّ في إنتاجهم عناصر ما بعد حداثيَّة؟!‏
4- لا بأس من "اختراع الأَسلاف" أو إِعادة اكتشافهم، فتلك مهمة النقاد والباحثين. وهل عندهم مَشْغَلَةٌ‏
غيرها! لكن ينبغي والحالة هذه، الحذرّ من "التحقيب" فالذي لا شك فيه أنّ "ما بعد الحداثة"(4) هكذا يراها نُقَّادُها ومُنظّروها، معاً. مرحلة من الابتكار أو التغيير أو إعادة الاكتشاف، والسؤال: ماذا بعد، ما بعد الحداثة؟ وما بعد، بعد، ما بعد الحداثة.. الخ؟ سلسلة لا علم لأحدٍ كم تمتد! وكم ينبغي الإجابة، أو البحث عن إجابةٍ عليها؟‏
والحقيقة أنَّ الفوارق التي يضعها البعض للتمييز بين ما هو حداثي وما هو بعد حداثي، هي فوارق تنتقَّلُ، وتُرْجَأُ، وتَتَماثلُ، وتنهارُ أيضاً. فهي في الأَعمّ الأَغلب ليست أكثر من افتراضات والتباسات تَشكّلها اللغةُ الأدبية وأُحجيات غنوصيّة، تكشف عنها "حفرياتٌ" هي مزيج من المعرفة العلمية والمثيولوجيا.(5).‏
5- لابد أَنْ يشعر، بعضُنا في الأقل، بالسعادة! عندما يقال لنا بأننا: في الحداثة. أو في ما بعد الحداثة. لكن دائماً هناك من يصطدمنا بالسؤال: متى كنا في الحداثة؟ وكيف لنا أن ننتقل - كما يدعونا خطابُ ما بعد الحداثة - إلى عالم ما بعد الحداثة، ونحن ما نزال في: ما قبل الحداثة، في عالم بلا حداثة!(6)‏
إذن، نعود إلى "حقلنا النخبوي" الأدبي، مُعزّين النَّفْسَ "بتشجير الكلمة في فضاء اللغة والبلاغة، مُلْقين بأسئلة الواقع والبشر إلى حيّز مهجور، كما لو كانت الحداثة تقتاتُ بزادها اللغوي، لا بأسئلة الإنسان المقيّد الباحث عن فضاءٍ منير".‏
6- وأول شيء نودُّ الإشارة إليه هنا، هو: علاقة المبدع بالنص، في زمن ما قبل الحداثة كان ثمَّة اعترافٌ واضح بعلاقة النص بكاتبه، أو علاقة الكاتب بنصّه، سواء جاء ذلك عبر اعتبار النص ترجمة لحياة المبدع، أو عبر علاقة المبدع بالمحيط الخارجي، أو عبر تدخُّل المبدع في تكييف الوقائع والتحكّم بها من خلال اللغة. ثمَّ في الحداثة، قيل بانفصال النص عن مُنْتجهِ حال خروجه من بين يديه، كتاباً بين يدي القارىء. وعلى القارىء أو الناقد أن يعتبر النصَّ، نصَّاً مُجرَّداً. ويتفاعل معه على أنه صار نصّه هو.. فالمرحوم المُؤلِّف مات وغدا النص يتيماً وبحاجة لمن يتبنَّاه - أي القارىء! كما هو حال النص الشفاهي المجهول المُؤلِّف. ثُمَّ ها نحن نعود مرَّةً أخرى لنكتشف في: ما بعد الحداثة، أنّ للنص مُؤلِّفاً، وأنه من الصعب إِعداد أو إِلغاء الذات الكاتبة الفاعلة واستبدالها بالبنية اللغوية أو المجتمعيَّة أو بنية اللاوعي(8).‏
7- عادةً ما يُقال: أنّ النص لغة. إنه كلمات. وهذه مَشْغَلَةُ الشعراء - على رأي هيدغر - يُحرّكونها ليخلقوا منها "أَلعاباً". لكن هذه اللغة أو الكلمات لا تنتمي إلى لسانٍ واحد. بل إلى أَلْسُنٍ، بما فيها اللغة الواحدة- (العربيةُ مثلاً). أَلم نسمع من أحدهم، أحياناً، قوله: إنّ لغة (فلان) أو (القوم الفلانيّين) ليست من لغتنا! إذن، فهي لسان، وألسنةُ الشعراء والكتّاب الناثرين عديدة. بل غالباً ما يكون للواحد منهم أكثر من لسان. وهذا اللسان يُحرّكه البَصَرُ. وعينُ العقل: الفكرُ، وعينُ القلب: الرؤيا أو الكشف - كما ذهب ابن عربي في وصفه الأنبياء والحكماء والأولياء ومَنْ في منزلة الرائيين، فمن حصلت له مثل هذه التجليات، غيرُ مُكْتَفٍ بما في الدفاتر والطروس، رأى ما لا يراه الآخرون. ونَطقَ بـ (جَهْل) ما يجهله سواه.. فاللغةُ - كما يُقال - أَسرار. وتنطوي على أسرار. ومفتاح هذه الأسرار هو الشعرُ. فالشعرُ إذْ يقول أَشياءَ غامضةً، بكشف أشياءَ غامضةً!.‏
8- والكشفُ يدعونا لأنْ نتفحَّص الآراء فيما يُوصف بـ (الشعر الأَصيل): ما هو؟ يعتقد البعضُ أنّ (الأصيل) أو الأَصالة في الوفاء لتقاليد الشعر المتوارثة. بينما يرى البعضُ الآخر، المسألةَ على الضدّ من ذلك، أَيْ في اِغتيال هذه التقاليد ورفضها جملةً وتفصيلاً، مُؤسِّسَاً لنفسه تقاليد/ أَوْ - لا تقاليد/ مُغايرةً، وخاصَّةً، انطلاقاً من القول: أَنَّ الأصالة في العمل الفني تكون في صدق الشاعر مع نفسه.‏
وعلى أَية حال.. نرى أَنّ (الأصيل) لا يكون بالوفاء المُطلق، ولا بالرفض المُطلق للتراث الثقافي/ الحضاري القومي والإنساني. لأنّ مثل هذا الكلام لا معنى له اليوم، في زمن التناصَّات والمثاقفة ونظرية القراءة والقارىء وتداخل الأَجناس الأدبية.. الخ. الأصيلُ هو الكشفُ: الكشفُ عن النور الكامن في أَعماق الظلمة. أو الكشف عن الظلمة المُختبئة في المظهر البرّاق. الكشفُ عن الحزن في شجر رمى وَرَقه، أو لسّرٍ ما - ظلَّ محتفظاً به فلم يحزن على ابن طريفِ! والكشفُ عن أرض الإنسان المحجوبة بأسيجة وغبار، أو عن أحلام الإنسان، مثل كتابات منقوشة على الأحجار، غطَّاها التراب والنبات البرّي!. الكشفُ عن حقيقةِ هذا (العالم الأكبر) داخل جُرم صغير - على حدّ قول الشاعر:‏
وتحسبُ أَنّكَ جُرْمٌ صغيرٌ وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ‏
وباختصار، (الأصيل) هو هذا المُخْتَلِفُ عن الأُصول الطالع منها. مثل الماس الذي أصلهُ فحم أسود، أو كاربونٌ مُنْتَثِرٌ في الفضاء والأصيل: اختراق سجن العالم- ولو بالحلم عبر الكلام - مُتحدياً نفاق العوام، وَزَهْوَ الحَكّام، صارخاً: ولكنَّ الأمبراطور.. لا يلبس شيئاً!‏
9- حسناً.. هل رأَيْتَ امبراطوراً ليس له شكل ؟‏
الشعرُ/ القصيدةُ/ هو هذا الامبراطور. يولد من أَعماق الظلمة. شفَّافاً، يبحث عن الفراغ عن فراغ يتجَوْهَرُ داخله. والفراغ هو هذا اللامرئي من الوجود الذي لا يُدْرَكُ، أو لا يُعرف معناهُ إلاّ بالظنّ والحَدْس - كما قال الآمدي في شعر أبي تمام - أو بالتخييل - كما ذهب آخرون. ومن هنا يحصل الَّلبْسُ المُولِّدُ، في الوقت نفسه، لمعانٍ متكاثرة تكاثر القُرَّاء النموذجيّين.‏
10- حين يبحث أو يحرث القراء والنقاد في تراثهم أو تراث الإنسانية عموماً. يكتشفون أن معظم ما تمَّ التعبير عنه من أفكار ورؤى وتجارب إنسانية عبر مئات أو آلاف السنين، يُعبَّر عنه اليوم. ولكن بلغةٍ أو استخدام جديد للغة نفسها - كلُّ قومٍ بلغتهم طبعاً - مما يُنْتجُ رؤى جديدة ودلالات مختلفة. فما ترك القدماءُ من مُتَردَّم! حسب عنترة/ وذلك بحسب "ترتيب الألفاظ وتواليها على النظم الخاص" حتى "تُؤلِّفَ وَحَداتُ اللغة" أو وَحَداتُ النص “ضرباً خاصَّاً من التأليف" - كما ذهب الجرجاني.‏
وهذا يعني أن الحداثة، وما بعد الحداثة، وما بعد، بعد الحداثة.. مُتَتَابعة في الفكر والإبداع والتطور الحضاري: في كلّ نصٍّ تتموضح نصوص/ حسب سولير/ وكل تعبير يقترح تعبيراً آخر، فلا وجود لما يتولّد من ذاته. بل من تواجد أصوات متسلسلة ومُتتابعة/ حسب فوكو/ وميزةُ أيّ أَثرٍ أدبي حقيقي أنه يفتح آفاقاً لنصوص أخرى/ حسب رولان بارت/ والمنجزات الحضارية: الفنية والأَدبية، هي أشبه بمُتتابعة مفتوحة تتولّد كل واحدة عن السابقة لتنداح في اللاحقة.. وهكذا حسب جورج كوبلر.(9).‏
ولست أدري لماذا يُعادي بعض كَتّابنا، تراثهم، أو يخشون أَنْ يُنْسَبُوا إليه/ في الجانب الفني/ وهم يغترفون منه دون توقُّفٍ: مادةً وصيغاً، وأَشكالاً، مؤكّدين فيها خلودّ أجدادهم الموتى في أكثر أجزاء العمل فرديَّة - كما ذهب إليوت. أَلسنا نراهم يكادون يُجمعون على أن من أبرز ملامح الحداثة الشعرية العربية، أنها أَعادت اكتشاف رموز الخصب والموت والبعث، وبَعْثَها من ظلمة التاريخ إلى نور الوجود المُشعّ، كما هي لدى السيّاب والبياني وخليل حاوي وأدونيس.. مثلاً!‏
11- يصفُ بعضُهم، شعراءَ الحداثة العرب، بأنهم: "سارقو النار" أو "حملة النار" رمزاً للهدم والبناء. تبديد الظلمة وإشاعة النور. لكن في كل ظملةٍ، نورٌ. وداخل كلّ نورٍ ظلمةٌ. ولذا لا يصحُّ القول؛ بأحراق الماضي، أو أَنّ الماضي كلُّه ظلمة. كما ليس صحيحاً أَنّ "الجديد" أو "الحديث" كلّه نور. فنحن إزاء حالة من الجدل بين النور والظلمة. بين المعنى والمبنى. بين المادة والصورة. بين الحلم والواقع. بين المُدنّس والمقدس.. حيث تتواصل حركة الأشياء وكأنّها "شِدّةُ ائتلاف في شِدّة اختلاف" ودائماً هناك اللا كمال، وطموح المبدع - دون شك - الوصول إلى الكمال، لكنه لن يبلغه، لأنه متى ما ظنَّ أنه بلغ الكمال، كان هذا الكمال نقصاً فيه - كما يذهب المتصوفة (10).‏
12- يعيش بعضُ دعاة الحداثة - مع الأَسف - على التزوير فهم يزعمون - مثلاً - أَنَّ كلّ الشعر العربي، من إمرىء القيس إلى الجواهري: باطل! إنّه مجرد كلام موزون مُقفَّى! صناعةُ كلام، أو نظام لغة! وبذلك يجهلون، أو يتجاهلون أنَّ اللغة. في النهاية، هي مشروع من جهة، وَهَتْكٌ للظلمة التي تحجب عنا أسرار الكون والكائنات من جهة ثانية، فاللغة، كمشروع، علاقة سريّة تربط بين البشر من جهة، وبين الإنسان والاشياء من جهة ثانية.‏
نقول: إنها علاقة سريّة مثل علاقة الأنبياء بالربّ: (وما ينطق عن الهوى): وَحْيٌ وإِلهام. ومثل علاقة الصوفيّ /الإنسان الكامل/ باللّه والأشياء: تأمُّلٌ واستغراق واتّحاد حدَّ الأمّحاء بالمطلق والوجود: (ليت الفتى حَجَرُ..) إنها نوع من (ميتافيزيقا يتعذّر الدفاع عنها) حيث (يفضُّ سرُّ الحياة فضَّاً مُلْغِزاً). وهذا ما يُحقق أُمنية هَولْدَرْلنْ: (أَنْ تكون إِقامتُنا على الأرض إِقامةً شعريَّة)(11).‏
بمعنى أن الواقع/ الأشياء واللغة لا يُوجدان معاً. فأَمّا أنْ يستلب الواقعُ، اللغةَ. فتصبح نثرية تقريرية. وإمّا أَن ينصهر الواقعُ والأشياءُ في اللغة، فيصبح الكلام شعريَّاً. إنها: (كيمياء الكلمات)، وإلاّ كيف تكون: (الوردةُ والنارُ.. شيء واحد) - كما قال إليوت. أو كيف يجتمع الثلج والنار معاً، دون أَنْ تُذيبَ النارُ، الثلجَ. ولا الثلجُ يُطفىءُ النارَ - كما جاء في المعراج!‏
13- حين نستذكر كيف ينبجس الكلامُ/ الشعر عند الشاعر العربي القديم، لحظة وقوفه على طللٍ أو مَوْقدِ نارٍ مُنطفئة، أو أَيّ أثر من آثار حُبٍّ غائر في أعماق النفس.. نفهم كيف أَنَّ الشعر هو انفجار الذاكرة لحظة التقائها بالأشياء واللغة معاً، في لحظة خاطفة.. بمعنى استحضار عالمٍ مفقود، عالمٍ من الرماد، أو الدِمن، أو الحجارة.. لكن كلّ شيء فيه مُفعم بالحياة. وبمقدور مُخيّلة خلاّقة، بعثه وتركيبه من جديد. إنها لعبة الوجود والعدم هذه التي يلعبها الشاعر. وهي ما يربط الشاعر بالمكان/ الوجود. ولكنه، أي الشعرُ، إذ يرتبط بالأشياء، إنّما ليكشف ما وراء هذه الأشياء، يكشف الممحيّ - المنفيّ عن المدن الفاضلة! المنسيّ أبداً، بين الترحال والمَحْوِ ومجهول البيان. وما وراء القراءة، وخلف الاستعارة!‏
أقول: حين نستذكر كيف ينبجس الكلام الشعري عند الشاعر العربي القديم، نفهم أن القصيدة هكذا تأتي مرَّةً واحدة، وما يتبقَّى بعض الفراغات التي يجب مُلْؤُها، والاستطالات التي ينبغي قَضْمُها، وهذا يعني - الخَلْقُ لا يحتاج إلى نظرية، إنه ينطلق هكذا عفوياً، فجائياً، وكأنّ الأمر: كَنْ.. فيكون! وقد جُعلت الألفاظُ هي ما تُسمّي الأشياءَ. وأَنْ تُسمّي الأشياء يعني أن تدعها تُوجد. وبهذا يكون الشعر هو: (التسميةُ التأسيسيّة للكائن ولجوهر الأَشياء)(12) فمن خلال السيطرة المذهلة للشاعر على الكلمات، يُؤسّس ويُوجِدُ، ويستكشف "المخفيَّ" في المرئي.(13). ولكن - بالطبع - ينبغي السيطرةَ على العملية بمُجملها: (أَلم يخلق اللهُ الكون بكلمة) (وفي البدء كانت الكلمة) ثمّ وضع (القوانين المَنظِّمة والمسيطرة بعد ذلك). لأَن الشعر في كل زمان ومكان، وفي أية لغةٍ أو شكل جاء، هو هو: شعر - أو - لا شعر. أَما النظريات في الشعر، فأنما توضع لتساعد في فهم الشعر وتذوّقهِ، وفهم تحولاته ومُتغيّراته التركيبية والبنيوية والدلالية. ثم منزلته في نسق البنية الثقافية حين يكون فاعلاً في هذه البنية.‏
14- ونعود إلى حداثتنا التي تقتات بزادها اللغوي. فنقول مع هايدغر، أنّ الشعر تأسيس باللغة - اللغة التي هي أهم مُقتنيات الإنسان - بمعنى أنها ليست المُقْتنى الوحيد - لكنها ما يؤسّس "أرضيَّة حقيقية للثقافة".‏
ونقول: "ثقافة" ذاك أنّ الموضوع الفني مدينٌ بتعبيريَّته إلى كونه يُقدّم عملية تنافذ تام وشامل لمواد متصلة باللحظة المُنْقضية واللحظة الفاعلة، حيث تكون الأخيرةُ إِعادةَ تشكيل كامل للمواد المخزونة من تجربتنا السابقة..). (والنتيجةُ أَنّ التشكُّلَ في صبغةٍ، معناهُ طريقة في التصّور، وفي الإِحساس، وفي عرض المادة المستخدمة على نحو يجعل منها وسائل جاهزة وفاعلة لتشكيل تجربة مماثلة لدى مَنْ هم دون موهبة المبدع الأَصيل)(14).‏
15- وعَـوْدٌ، أيضـاً، إلـى (الأصيل) مـن الشـعر، نقول: الشعر في جوهره الإنساني، هو مواجهةٌ للموت والذُّل والبؤس والتعاسة والكراهية.. الخ. مما يحيط بالفرد والمجتمع والإنسانية كان هذا منذ بداية الخليقة، تعبيراً عن وَجَع الإِنسا المعُذّب، المحروم، المُعرّض للموت والخراب. في لغة مشرقة، جميلة، نديّة، تجمع بين قدسيّة الجمال وقدسيَّة الإنسان، هذا ما تؤكده ما جاءتنا من نصوص عن أوائل الحضارات، وما جاءت به الرُّسُلُ والأنبياء: هؤلاء الشعراء الأَفذاذ المُتعالون عن "الأَنا" ليكتشفوا ويصرعوا الشقاء الإنساني، ويرفعوا (العُقبَ الحديدية) عن أعناق البشر! لقد عاشوا في خطر. ونحن نعيش اليوم في خطر. والشعر أحد الوسائل المهمة الضرورية لمواجهة هذا الخطر. ولكن ليس شعر الشعارات والتهويمات والكلمات الجوف. إنه الشعر/ الإبداع الذي يمتلك طاقته الحقيقية في التأسيس لمفاهيم جديدة في الحياة والفكر والجمال من خلال رؤيا كونيَّة يتوحَّد فيها الشاعرُ، والنصُّ، والعالم.‏
حقاً، إنَّ ما يهمّنا القصيدة، وليس ما تقوله القصيدة، كما قال رتشاردز(15). لكن - وكما قال أيضاً، إنّ الكلمات التي تشكل القصيدة، حين تتّحد معاً، هي ما يستجلب ويُنسّق التجربة ويضبطها، فالكلمات كمفردات بحدّ ذاتها لا قيمة لها إلاّ بقدر ما تدلّ على شيء أو مكان أو زمان. لكن حين تتحّد الكلمات معاً، أي تصبح تعبيرات، تصبح شيئاً آخر مختلفاً، عالماً آخر، فمن حيث أن الخطاب الشعريّ هو ممارسة مُتميّزة لها استقلالها الخاص، لكنه من جانب آخر، جزء من التكوين‏
الاجتماعي/ الثقافي المُحدَّد تاريخياً، أي خطاب إيديولوجي، على أَنْ نفهم من هذا: أَنّ ما يجعل الشعرَ شعراً هو ما يجعل الشعر إيديولوجيَّة(16).‏
أي: إيديولوجيا من نوع ما يسميها البعض Ideology hidden تتحدَّد حالما يتحدَّد شكل الخطاب لغوياً. ويأخذ النصُّ سَمْتَهُ من الأَنظمة الشَّعْريَّة، حيث تحمل هذه الأَنظمة - كما قال بارت - في طيَّاتها اِتفاقاً ضمنيَّاً بين النص والقارىء حول الفرضيّات الأيديولوجيَّة(17).‏
وباختصار، إنّ ما نُؤكّد عليه ليس انعزاليَّة الفن، وإنما استقلاليَّة الوظيفة الجماليَّة(18). فالعمل الأدبي، كما ذهب تودوروف، تعبير عن "شيء ما" والغاية هي الوصول إلى هذا "الشيء" عبر القانون الشعري(19) فما لم تكن لقصيدةٍ دلالة، فلن تكون قصيدة، لأنّها لم تَعُدْ لغة(20).‏
الإرشادات:‏
(1) يُنظر أدونيس: (بيان الحداثة) كتاب (البيانات) 0 إصدار أُسرة الأدباء والكتاب في البحرين. 1993 - ص 56 - 57.‏
(2) ينظر مقال فوزي كريم: (المرايا الخادعة لحداثة الشكل) مجلة (نزوى) العدد 17 - يناير 1999- ص96- 97.‏
(3) ينظر مقال إيهاب حسن: (نحو مفهوم لما بعد الحداثة) مجلة (الكرمل) العدد (51) ربيع 1997 - ص 15 - 16.‏
(4) ينظر مقال فوزي كريم - مصدر سابق - ص 95.‏
(5) إيهاب حسن - مصدر سابق - ص 18 - ويمكن مراجعة الجدول الذي وضعه إيهاب حسن للتمييز بين الحداثة وما بعد الحداثة عبر فوارق تخصصيّة من علوم مختلفة: أدبية وعلمية واجتماعية ونفسيَّة ولا هوتيَّة.‏
(6) ينظر مقال صبحي حديدي: (الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة) مجلة (الكرمل) - مصدر سابق - ص 59.‏
(7) ينظر مقال فيصل درّاج: (ما بعد الحداثة في عالم بلا حداثة) مجلة الكرمل - مصدر سابق - ص 64.‏
(8) ينظر مقال محمد برادة: (الأدب وبويطيقا المجهول) مجلة (الكرمل) - مصدر سابق - ص 29.‏
(9) نشأة الفنون الإنسانية - ترجمة عبد الكريم الناشف - بيروت 1965.‏
(10) يُنظر ابن عربي في (الفتوحات المكية) وعبد الكريم الجيلي في: "الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل).‏
(11) ينظر كتاب (ليل المعنى) لصلاح ستيتيّة - حاوره جواد صيداوي: الصفحات: (210/211/208) كما جرى استيحاء ومناقشة بعض آرائه في أكثر من موضع.‏
(12) هايدغر، عن كتاب (متاهات): نصوص وحوادث في الفلسفة والأدب - ترجمة حسونة المصباحي‏
- بغداد - 1990/ص27.‏
(13) رتشاردز - عن كتاب (أُسس النقد الأدبي) ترجمة هيفاء هاشم - دمشق 1967- ص118.‏
(14) إمبرتكو إيكو - مقال: (تحليل اللغة الشعرية) مجلة (الحياة الثقافية) تونس - ع - 79/1996 - ص72.‏
(15) مصدر سابق: ص 111.‏
(16) يُنظر مقال: (الخطاب الشعري بوصفه إيديولوجيا) لأَنتوني إيستوب - ترجمة حسن البنا. مجلة (فضول) المصرية - ع3- 1985- ص99.‏
(17) يُنظر مقال: (التفسير والتفكيك والأيديولوجية) لكريستوفر بطلر - ترجمة نهاد صليحة - مجلة (فصول)‏
ع3-1985-ص85.‏
(18) جوكابسن: قضايا الشعرية - ترجمة محمد الولي ومبارك حنون - دار توبقال - المغرب 1988 - ص19.‏
(19) الشعريّة - ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة - دار توبقال - المغرب 1987- ص22.‏
(20) جان كوهين: بنية اللغة الشعرية - ترجمة محمد الولي ومحمد العمري - دار توبقال - المغرب 1986 - ص31.

انتقاء محب العلماء
avatar
محب العلماء
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 226
نقاط : 3443
تاريخ التسجيل : 07/02/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: هوامش وأسئلة حول : الشعر والحداثة وما بعد الحداثة !

مُساهمة من طرف ونشريس في السبت 23 مارس 2013, 16:37





scratch scratch scratch
study study study
avatar
ونشريس
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 393
نقاط : 2432
تاريخ التسجيل : 20/09/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى