منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 5 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 5 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

التردد والتكرار.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التردد والتكرار.

مُساهمة من طرف حبيب مونسي في الجمعة 23 أبريل 2010, 10:03

التردد والتكرار.
إشكالية التردد والتكرار بين العرض البلاغي والغرض التواصلي..
الحلقة الأولى
أ.د. حبيب مونسي
1-تقديم:
يتوجب علينا منذ البدء تقرير حقيقة نصية، نبني عليها تصورنا للنص مهما كان انتماءه الجنسي: شعرا أو نثرا، قصة أو مسرحية.. ذلك أننا نعتقد أن النص الأدبي على وجه الخصوص، والنص الفني على العموم، إنما هو التجسيد المكتمل لتجربة عاناها المبدع، وخامرت مشكِّلاته النفسية والمعرفية. فكان لها من المخامرة لبوسها اللغوي المناسب لطاقتها الدلالية. وأن النص أخيرا، هو ذلك الثوب الذي إن أضفنا إليه شيئا، أو انتقصنا منه غيره، اعتراه العيب في الإضافة والنقص معا.
إنها الصورة المثالية للنص المكتمل، ومعنى الاكتمال هنا، أننا أمام الشكل الذي كانت التجربة تقتضيه وتطلبه من دون سائر الأشكال الممكنة. فالاكتمال هو الموافقة التي نجدها بين شدة التوترات التي تشحن الذات المبدعة وشكل النص الذي تتمظهر فيه أخيرا. فليس الاكتمال وهم مثالي وحسب، وإنما الاكتمال درجة من العقد بين التجربة والشكل المجلِّي لها في الصنيع الفني. فكل إضافة، أو تحوير في النسيج الشكلي، سيفسد الصنيع أيّما إفساد. فإذا تقرر لدينا هذا الفهم، أمكننا الساعة أن نضيف أمرا آخر يتصل بالمجال الذي ننوي السير فيه. فإذا قرر المبدع أن يضيف إلى اللوحة المنتهية، أو القصيدة، أو التركيبة الموسيقية، لمسة لونية، أو كلمة، أو صوتا جديدا. فالنص الذي يتجسد بين يديه -إثر الزيادة- ليس هو النص الأول البتة، مهما كانت الزيادة ضئيلة. بل إننا نقابل بعدها نصا آخر، يختلف عن النص الأول، وإن اشترك معه في كثير من السمات.
ذلك أننا نجد أن الزيادة التي تطرأ على النص –بعد الاكتمال الأولي- زيادة ليست من صميم التجربة، ومواد اختمارها الأساسية، ولا من وتيرتها الشاحنة لأحاسيسها المؤسِّسة. وإنما هي من قبيل الزيادات التي يمليها وعي مُغاير، كثير الشُّخوص، بارد الحساسية، فاتر الدفق. إنه الاعتلال الذي يلحق النص الأصلي، فينسحب به إلى وجهة غير وجهته.
إنها حقيقة نجد أبعادها النفسية في التركيبة العجيبة للذات المبدعة نفسها. ذلك أننا نلاحظ في المبدع –أثناء عمليات الإبداع- كثير من التحولات الداخلية والخارجية، تجنح به بعيدا عن "السوِّية" التي نزعم أنها في العامة من الناس. فمزاجه الخاص في ذلك "الآن" يرتقي به إلى مدارات، تتجرد فيها الذات مما يُلابسها من ثقل وكدارة، وتتخفّف من كل عبء، سوى عبء الهاجس الذي يؤرقها. وطبيعة النص الذي يمليه "الطبع" –في عرف الأقدمين- من هذه الطينة التي تشكل الإبداع أساسا. بيد أن "الإضافة" تأتي من معدن مغاير، يكون فيه المبدع قد استحال إلى ذات لا تختلف عن سائر الذوات الأخرى. فما يأتي منها في "آنها" الحاضر، لا يمكن أن يشاكل ما أتاها من آنها الغائب. بل ستكون الإضافة أمرا نشازا، يُدخل في الدفق الإبداعي صوتا غريبا طارئا، يشوش صفاء الدفق، ويقطع فيه وتيرته الشاحنة لحساسياته المختلفة.
إن النص "الملوث" نص آخر! تلك حقيقة تنطق بها طبيعة العمليات الإبداعية، وتكشفها الأمزجة المتقلبة للذات المبدعة بين الآنين. فإذا وعينا عن الإبداع هذه الوضعية الغريبة التي أرجعها النقد –قديمه وحديثه- إلى التنقيح، والتجويد، والتحكيك.. فإننا لا نلتمس "صدق" الإبداع إلا في الهيئة الأولى التي عرفها النص قبل أن تطاله يد المراقبة التي قد تجتهد في التماس الإجادة، ولكنها –حتما- ستفشل في المسك بالعبقرية الفطرية في الإبداعية ذاتها. وقولنا أن النص المحكك نص ثان.. نص منافق.. يرضي الرقابة قبل أن يرضي الفن، يسعفنا في درء مقولة أخرى: هي مقولة التكرار.
كيف سنسمي النص المحكّك؟ هل هو النص الأول؟ أم أنه نص جديد؟ أم أنه نص مكرّر؟ لقد كان في التجربة التي أنجزها مصطفى سويف -منذ نصف قرن تقريبا- في موازنته بين نصي المخطوط والمطبوع، ورصده للكلمات المشطّبة، ومحاولة قراءتها للخلوص إلى النص الأصل في آنه الأول، تلمُّسا عميقا لقضية النص، والإضافة، أو النقصان. بيد أنه ظل يعترف بالنص المنقح أخيرا على أنه نص الإبداع. وتلك هي المفارقة التي يرفضها المنهج الذي اتبعه أساسا في استناده إلى المعطيات النفسية التي صاحبت الإبداع، وأمدته بالغياب الذي أثث معانيه وصوره. ونحن إذ نفطن اليوم إلى أن العملية الإبداعية تتجسد من خلال توالي الأقنعة، ومناسبتها للتشنُّجات المصاحبة للدفق الإبداعي، نعلم أن "الآن" يحمل سياقاته الخاصة التي يستحيل استعادتها في "آن" المراجعة. ومن ثم نرفض اعتبار النص المنقح نصا مكرِّرا للنص الأول، أو هو أسمى منه درجة. بل هو نص مغاير كل المغايرة، مختلف كل الاختلاف.
هذه الحقيقة نستمد أصولها من النص القرآني. فما اعتبرته كتب التفسير، وعلوم القرآن، والإعجاز، تكرارا في المتشابه من الآيات والقصص، ليس كذلك. بل هي نصوص أخرى اشتركت في المضمون فقط، ولها في وجودها الجديد –إضافة، ونقصا، وتحويرا- حظا من الجدة، والجمال، والدلالة. وليس في ورودها على تلك الهيئات، ما يسمح لنا بنعتها تكرارا محضا. بل إن لها في أشكالها المستجدة وجودا جديدا يقيمها في مقام التفرد المطلق. قد يقصّ أحدنا قصة لسامع، فيختار لها أسلوبا خاصا، وقد يعيد مضمونها مرة أخرى في أسلوب مغاير، ويكرر ذلك مرات، وستكون نصوصه مختلفة وإن ظل المضمون واحدا. وحقيقة هذا الاختلاف تنشأ من عاملين: اختلاف المواقف والسياقات التي تملي السرد، واختلاف "الآن" الذي يتم فيه تشكيل النص ذاته.
2-التكرار والتوكيد التواصلي:
يذهب الزركشي إلى أن: « التكرار على وجه التأكيد، وهو مصدر كرر إذا ردّد وأعاد، هو تَفعال بفتح التاء، وليس بقياس بخلاف التفعيل. وقال الكوفيون هو مصدر فعل والألف عوض من الياء في التفعيل. والأول مذهب سيبويه. وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنا أنه لا فائدة له. وليس كذلك، بل هو من محاسنها لاسيما إذا تعلق بعضه ببعض.» ( ) وإذا نحن تجاوزنا المعطى اللغوي في التكرار، استقبلتنا إشارة الزركشي إلى انقسام الدارسين –في مسألة التكرار- إلى قسمين: قسم يعده من أساليب الفصاحة، وقسم يرى فيه العي والحصر الذين يفضيان بصاحبهما إلى تكرار القول عيّا أمام الانطلاق والاسترسال. وهي مسألة تجد حجتها في كلا الموقفين من المعاينة لأحوال التواصل والمتواصلين في الخطابات العادية والرسمية. وكأن المتكأ الذي تقام عليه الحجة في التقرير والنفي، إنما يقوم على الهيئة التي يتلبَّسها المتحدث أثناء الحديث في السياق الذي يُجري فيه تواصله، وفي الظرف النفسي الذي يرفد كل ذلك في اتجاه المتلقي.
ساعتها نكون أمام شبكة محكمة التعقيد، لا يمكن النظر من خلالها إلى المسألة من جانب دون الالتفات إلى الجوانب الأخرى، كأنْ نرصد شبكة العواطف التي تربط المتحدث بالمتلقي من جهة، وشبكة العلاقات العاطفية بينه وبين الموضوع الذي يعالج. إذ كلما بلغت المشاعر درجة من الحدة والتوتر، أملت على المتحدث ضربا من "الترجيع" الذي ينتهي به سريعا إلى التكرار، سواء في شكله المحمود أو المذموم. فيكون "التقرير" شكلا للأول، ويكون الاحتباس صفة للثاني. وقد فطن الأوائل إلى هذه المسألة التواصلية، فراموا تفسيرها في الهيئات التي يرصدونها في الخطباء والشعراء ابتداء. يقول الزركشي متابعا حديثه:« وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذ أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، كررته توكيدا. وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه، أو الاجتهاد في الدعاء عليه، حيث تقصد الدعاء. وإنما نزل القرآن بلسانهم، وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض. وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة. وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد، لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة، وكلها داعية إلى الشهوات. ولا يقمع ذلك إلا تكرار المواعظ والقوارع.» ( ) ففصاحة التكرار آتية من التوكيد والتقرير وإحكام الحجة على المتلقي من خلال ضرب من "القرع" الذي يؤديه اللفظ المكرر، أو العبارة المرددة. إنها في تواليها تقع على النفس أول الأمر موقع التنبيه، ثم تعود لتحتفر معناها عميقا في النفس، محدثة لونا من التعالق بين صوتها ودلالتها التي حددها السياق والهيئة التي كستها من انفعال الباث وتوتره. ولسنا في التكرار نتلقى اللفظ في وتيرة واحدة أول الإلقاء وبعده، بل لنا في كل تردّد نبر خاص ووتيرة خاصة. وكأن اللفظ لا يكرر حقيقة، وإنما يعاد إخراجه مرة أخرى في ثوب جديد. إذ ليست مهمته –حين التردد- التنبيه، أو الإخبار، بل مهمته حفر الاعتقاد الجديد في عمق النفس، وتمكين الأثر المتوخى فيها.
إنها الحقيقة التي يتوقف عندها الزركشي حينما يباشر الظاهرة في القرآن الكريم، فيبدأها بقوله:« وفائدته العظمى التقرير. وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر. وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن، فقال:  ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون وقال: وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى خشية تناسي الأول لطول العهد به.» ( ) فإذا كان التقرير هو الفائدة العظمى التي يجنيها المتلقي من التكرار، فإننا نستشف من آي القرآن الكريم فوائد أخرى ألصق بالتواصلية في بعديها النفسي والاجتماعي. ذلك أن الله  يصرح بلفظ التوصيل الذي يتضمن الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب. بيد أن للتوصيل مرام أخرى غير التقرير الذي جعله الزركشي فائدة عظمى. إنها في "التذكر" و"التقوى" و"الذكر" وكأن كل لفظ من هذه الألفاظ يطوي مجالا شاسعا من مجالات النفس البشرية في تعاملها مع الغيب، والدين، والله . فالتذكر مقرون بالماضي، يختص بالأخبار التي ترفعها القصص والأمثال بما فيها من عبر وعظات. والتقوى ترتبط بالسلوك اليومي الذي يتوخى المزالق والسقطات. فالذي عاين أحوال الغابرين، وعرف مساقطهم وأسبابها، يتوقى في معاشه ما يكون مثيلا لها، شبيها بوقائعها، فيبتعد عنها كما يتوقى السائر أشواك الطريق. وينصرف الذكر إلى الله  لمعرفة قدره وجلاله.
وحين نرى في التكرار هذه المرامي التي تغطي الماضي والحاضر والمستقبل، وتربط الذات بالخالق  ندرك أن المراد فيه ليس مطلبا تقتضيه الفصاحة وحدها، وإنما هو مطلب تواصلي يتأسس على معطيات النفس والاجتماع معا. كل ذلك ونحن مع اللفظ يُردّد مرتين أو أكثر. ومع العبارة تُستعاد في وتيرة معينة. فإذا تغير هذا الشأن وتحوّل فلسنا أمام الظاهرة التي تسمى تكرارا. وما يُحمد للزركشي –في هذا المقام- التفاته إلى ما يؤسس اليوم في الفهم الحديث حقيقة التوتر النفسي الذي يجد في المكتوب والمنطوق آثاره الدالة عليه. فهو يقول:« فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه. كقوله تعالى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه فأعاد قوله: قل الله أعبد مخلصا له ديني بعد قوله: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين لا لتقرير الأول، بل لغرض آخر. لأن معنى الأول الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها. ومعنى الثاني أنه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص. ولذلك قدم المفعول على فعل العبادة في الثاني وأخر في الأول لأن الكلام أولا في الفعل وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل» ( ) لأن تحول المراد من هدف إلى آخر لا يبقي تواتر اللفظ والعبارة في دائرة التكرار، بل ينصرف بها إلى حال أخرى تجعل العبارة الثانية "نصا" جديدا كل الجدة. نقابل فيه دلالة مستجدة تطرأ على الملفوظ.
3-التكرار بين النحو والبلاغة:
يقسم مصطفى الصاوي الجويني اهتمام النحاة والبلاغيين بالتكرار إلى قسمين. فيجعل من نصيب النحاة الاهتمام بأثر العوامل، والالتفات إلى المتلقي ومقامات الخطاب من شغل البلاغيين. ذلك حين يرى أن التكرار:« ظاهرة لغوية يتبينون فيها أثر العوامل، بينما يرعى البلاغيون مقام الخطاب، أو نفسية السامع شكا وإنكارا أو تكذيبا.» ( ) فإذا كان انشغال النحاة ينصب على النسق الذي يرد فيه التكرار بنية، فإن البلاغيين يتحرون الصلة التي تمتد بين الباث والمتلقي في ظرفها النفسي: شكا وإنكارا وتكذيبا. وإلى السياق الذي يتأسس فيه الخطاب، أو ما يسمونه بالمقام. وكأننا حين نتدبر هذه العلاقات في إنشاء التكرار أسلوبا، نفتح أمام أنفسنا دائرتين على أقل تقدير. دائرة المشاعر المتبادلة بين الباث والمتلقي، وكأننا نجد فيها -على الرغم من تباينها- قياس التوترات التي يحملها الخطاب وهو يحاول إقناع المتلقي، أو زحزحته عن اقتناع سابق، أو تصحيح اعتقاد فاسد.. أو غير ذلك من الوضعيات التي يناسبها التكرار تأكيدا وإصرارا. وهي الدائرة التي يحدثنا عنها علم النفس الاجتماعي في رصده لمثل هذه التقاطعات بين المشاعر، والتي من شأنها تحوير الخطاب والعدول به عن القصد المؤسس له أولا.
وحين نقسم دائرة التواصل بين المقام والمعطى النفسي المتبادل بين الباث والمتلقي، فإننا نقيم لظاهرة التكرار بعدها الثقافي المعرفي. فكل خطاب يلجأ إلى التكرار، إنما يصنع ذلك استجابة إلى الداعيين: داعي المقام، أو داعي النفس. ولكننا قد نقبل هذا الفهم فيما يتصل بالحديث العادي الذي يتقابل فيه الطرفان، فكيف بنا نقبل به إذا كان التواصل قائما على المكتوب؟ إن المشاعر تأخذ حدتها من المشافهة والمقابلة، ولكنها لا تملك أن تفعل ذلك من المكتوب. هنا يعيد التفكير القائم على الوعي النفسي إعادة طرح مشكلة "المخاطَب" "القارئ" في النصوص. ذلك الشخص الافتراضي الذي حاول كثير من النقاد إقصاءه من الدائرة الإبداعية، مدعين أن لا وجود له. وأنه إن وجد، فوجوده يؤرق المبدع، ويفرض عليه ضربا من الرقابة التي تحول دون انطلاق الإبداع في مسارب التجديد. غير أن التفكير فيه –مرة أخرى- ومن زاوية تقنية التكرار الأسلوبية، يفتح فيه وظيفة أخرى. إن وجوده ليس للمراقبة، ولا للتنغيص على المبدع، بل وجوده محك لأساليب الإقناع التي يتذرّعها المبدع في عمله وأساليبه. إنه يجرب عليه فعاليتها وقوة حجتها. إنه يتحسس فيه جميع الردود التي يمكن أن يصادفها في غيره من القراء. لذلك فهو يتخير له مستوى ثقافيا معينا يلبي من خلاله جميع المستويات. إننا نتخيل قارئا ضمنيا.. افتراضيا.. وما شئنا له من مسميات.. لا ليكون أنيسنا في رحلة الإبداع، بل ليكون المحك الذي نشحذ عليه جميع أدواتنا الأسلوبية، وحججنا الإقناعية.. نرقب فيه التوتر والانفعال.. ونتحسس الشك والريبة.. والإقبال والإدبار.. فنكرر.. ونؤكد.. لأننا نريد زحزحته عن اعتقاده القديم.. وليس من مقياس لنجاح صنيعنا إلا مقدار الزحزحة التي نجريها في ذاته ومواقفه.
وإذا نحن عدنا إلى حفيف اللغة نتصنّت إلى معانيها الحافة التي تشيعها ألفاظها في طيف الاستعمالات المتعددة، رأينا كيف تكتسب اللفظة ذاتها دقتها الإشارية لتأكيد هذا الفهم. فالراغب الإصبهاني يعدد معاني "وكّد" "وكّدت":« القول والفعل أكدته: أحكمته. والسير يشد به القرموس يسمى التأكيد، ويقال توكيد. والوكاد حبل يشد به البقر عند الحلب. قال الخليل: أكدت في عقد الإيمان أجود، وكّدت في القول أجود. تقول إذا عقدت أكدت، وإذا حلفت وكّدت» ( ) وكأن المعاني الحافة التي يشيعها التوكيد تنصرف كلها إلى لون من التعامل الشديد مع الموضوع قصد شده وتوثيقه. والأسلبة في الإبداع والكتابة عموما، عمل فيه من القوة التي تتولى المتلقي لشدِّه إلى فكرة الإقناع والتأثير. وكأننا حين نكرر اللفظ والعبارة، إنما نعمد إلى ليِّ الوثاق مرة بعد مرة على القصد الذي نتوخى. وحضور القارئ في مخيلتنا حين العملية الإبداعية يعاني ما في اللفظ من شد وإحكام. ذلك أن التأكيد تمكين. يقول يحي بن حمزة العلوي في "الطراز":« واعلم أن التوكيد تمكين الشيء من النفس، وإماطة الشبهات عما أنت بصدده.» ( ) غير أن هذه العملية الدقيقة التي تتوخى في المتلقي حالات القبول والإذعان، أو حالات الشك والإنكار، تتطلب من المبدع الكثير من الحيطة والدقة في إجراء التكرار توكيدا، وابتغائه أسلوبا وفصاحة. إنها الفكرة التي نصادفها عند الخطيب القزويني حين يوكل العملية إلى ضرب من المقادير تُصَبُّ في المكتوب قدر الحاجة إليها، لئلا تكون محض حشو ينقلب سحره على الساحر، فيكون عيّا وحصرا. وكأنها التركيبة الصيدلانية التي تسعى لأن تكون دواء ناجعا إذا هي احترمت المقادير، قبل أن تنقلب إلى سم ناقع إذا هي تجاوزتها وأفرطت فيها. فهو يقول:« ينبغي أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة، فإن كان خالي الذهن من الحكم أو التردد فيه استغني عن مؤكدات الحكم. وإذا كان مترددا فيه طالبا له، حسُن تقويته بمؤكد. وإن كان منكرا وجب توكيده بحسب الإنكار.» ( ) والجديد في عبارة الخطيب مشاكلته بين الحسن والوجوب. يكون الأول مع الطلب، ويكون الثاني مع الإنكار. وكأننا ونحن نراقب قارئنا نتحسس فيه مواطن الطلب فنقدم له فيها التكرار استحسانا لطلبه، ونقدمه وجوبا أمام إنكاره. ولسنا نرى في التفكير النقدي أدق من هذا الالتفات إلى القارئ والمتلقي أثناء الإنشاء الأسلوبي لنص المرسلة ذاتها. وكأن البلاغي العربي القديم لم يكن يصدر في تعامله مع اللغة أسلوبا عن معيارية جاهزة تملي عليه القواعد والقوالب، وإنما كان محط اعتماده على العملية التواصلية أثناء سريانها الإبداعي الأول. ففيها وحدها يتقرر المقدار والدرجة التي سيصيبها الصنيع من نفس المتلقي. وهي وحدها التي تفصح لنا عن مواطن الحسن في التكرار، ومواطن الهجنة فيه.
وإذا نحن سايرنا هذا الفهم عند البلاغيين القدامى، وجدناهم يمضون فيه إلى غايات متقاربة، تصب كلها في الاحتفال القوي بالمتلقي. وكأن الهاجس الذي كان يسكن الباث يتجاوز الصنيع الفني إلى الإفصاح والإبانة والوضوح. يقول الزمخشري:« إن جدوى التأكيد أنك إذا كررت فقد قررت المؤكد ما علق في نفس السامع، ومكنته من قلبه، وأمطت شبهة بما خالجته أو توهمت غفلته عما أنت بصدده فأزلته.» ( ) وفي حديث الزمخشري إشارات تتصل بالعامل النفسي اتصالا يفتح في الدرس البلاغي نافذة تجاوز المعيار إلى الاستعمال، وقياس الفوز بالقصد والإبانة بدرجات المُكنة التي يحدثها الأسلوب في المتلقي. فهو يتحرك من "الذهن" إلى "القلب" وكأن الفكرة التي يقبلها الذهن ويذعن لحجتها ومنطقها الخاص، تستقر أخيرا في القلب اعتقادا. وكأننا بذلك نلحظ في الفهم العربي تدرجا في أساليب الإقناع، لا يريد للفكرة أن تظل حبيسة العقل وحده، بل يريد لها أن تنزل إلى قرار آمن.. قرار القلب، ففيه تماط الشبهات، وتمحي الغفلة
.
avatar
حبيب مونسي

عدد المساهمات : 4
نقاط : 2794
تاريخ التسجيل : 09/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى