منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

التردد والتكرار.

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التردد والتكرار.

مُساهمة من طرف حبيب مونسي في الجمعة 23 أبريل 2010, 10:05

التردد والتكرار.
إشكالية التردد والتكرار بين العرض البلاغي والغرض التواصلي..
الحلقة الثانية
أ.د. حبيب مونسي

4-التكرار، الأسلوب والتبليغ:
من الواضح جدا أن حديث النحاة والبلاغيين عن التوكيد والتكرار لم يفارق اللفظ والعبارة التي تتردد في الخطاب بمعناها الأول الذي وردت فيه. ومن ثم يكون عرضنا للتكرار والتوكيد لا يلامس القضية من وجهها المعياري، بل نلتقط منها ما يتصل بالمعطى النفسي الاجتماعي. ذلك لاعتقادنا أن الأسلوب وإن كان ظاهرة لغوية في أساسه، فإنه -زيادة على ذلك- ظاهرة نفسية فيما يتصل بالمبدع والمتلقي، وظاهرة اجتماعية فيما يتصل بالتواصل عموما إذا اشترط السياق والمقام.
ومن ثم يكون الحديث عن التكرار المتصل بالنصوص، غير واقع في دائرة التوكيد. فإذا خرج منها فليس بتكرار مطلقا. الأمر الذي سيحتم علينا إيجاد اصطلاح يعيِّن ويحدِّد الظاهرة التي تتصل فيما نبحث فيه في هذا الكتاب. ذلك أننا حين نقف أمام القصص القرآني، ونجد القصص "تتردّد" في مواضع مختلفة، بأساليب مختلفة، ولأغراض مختلفة، فلا يجوز لنا وسمها بالتكرار، ولا اصطلاح التكرار يفي بحقيقتها ما دام يشير إلى المعاودة في الهيئة ذاتها من غير زيادة ولا نقصان. ونصوص السرد القرآني لا تعود بجملتها، لا لغة ولا مضمونا. وكأننا كل حين أمام قصة جديدة.
إننا نطمئن الساعة إلى اصطلاح "التردّد" "fréquence" ونحن نعلم أن المصطلح يحبل بخلفية استعمالية تجنح به نحو الحيرة والتردد الذي يجدها المتحدث والسالك فيما يقبل عليه. كما نجد فيه فيزيائيا ذلك العود المماثل للذبذبة في شدتها وتمددها. غير أننا نريد منه ذلك المعنى الذي يمكن أن نستقيه من الهيئات التي تكون في المتردد. إنه في كل حالة من أحواله يغير من هيئته الأولى. فهو لا يبقى على حال واحد أبدا. فالذي يسكنه من قلق وحيرة، يجبرانه على التلون في المظهر والمخبر ليشاكل بهما الموقف الذي لا يعرف كيف يقبض عليه. فحركته تلك تجعلنا نلحظ فيه الهيئات المختلفة التي تمليها عليه المواقف التي يظن أنها ماثلة أمامه. فهو إن حدد طبيعة الموقف الذي يباشر لبس لبوسه الخاص، فإذا تين له الخطل فيما تصور أو توهم، تراجع سريعا إلى موقف آخر.
إن التردد بهذا المعنى سلبي في أساسه. ناتج عن سوء فهم وتقدير. بيد أنه يقدم لنا الهيئات المختلفات التي لا يكون فيها الشخص شبيها لذاته في لحظات القلق الأخرى. ففي كل مرة يكتسب من تردده خبرة تنضاف إلى خبراته السابقة، فتزحزحه عن أفقه الذي كان فيه من قبل. بيد أن للتردد وجه إيجابي نستقي منه الدلالة التي نريد. فإذا قلنا أن فلانا يتردد على الشيخ الفلاني، فقولنا ذاك يفصح عن حركة يقوم بها الطالب باستمرار، يعود فيها إلى مجلس الشيخ يغترف منه علما. فهو في كل عودة مغاير ومفارق للوضعية التي كانت له من قبل، لزيادة العلم، والاستفادة من الصحبة. حتى وإن كانت الأحوال في التردد متشابهة ظاهريا، فإنها في تقاربها تختلف كما يختلف اللفظ المكرر في الجملة للتوكيد، إذ لسنا نسمعه في الثانية بنفس النبرة التي تكون له في النبرة الأولى، ولا بنفس الشدة. لأن الغرض فيه قائم على مطلب نفسي يقتضي تحميله توترا خاصا ينتهي به إلى التقرير. وقد وجد السلف في لفظ "التردد" غايتهم لنعت هذا الحال في القرآن الكريم. فقد روى ابن كثير في تفسيره عن مجاهد، في قوله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني قوله:« هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم … كله متشابه مثاني. وقال قتادة الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف. وقال الضحاك: مثاني ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى... وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مثاني مردد، ردد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة.» ( ) وكأنهم استعاضوا عن التكرار بالتردد لما في الأول من شبهة يركبها الزنادقة المشككون، ولما في الثاني من تجدد في كل هيئة وموضع.
كما أننا نجد للتردد صفة أخرى يمكن أن نستفيد منها. ذلك أن التردد في النص يمكن أن يتأرجح بين الإجمال والخصوص. والنص المجمل خلاف النص المخصص. وكأن الأول يقتصر على الإحاطة بينما يضرب الثاني في كبد الحقائق الدقيقة. تلك هي الإشارة التي نستقيها من أبي السعود حين يقول:« إن النص إذا تردد بين الإجمال والتخصيص يحمل على الثاني لأن العالم المخصوص حجة في غير محل التخصيص والمجمل ليس بحجة.» ( ) فالنص في هيئة الإجمال مغاير لهيئته في التخصيص، وتنسحب المغايرة إلى ما يستفاد منه من حكم. فالحجة فيه للخصوص، وكأن الهيئة الجديدة فيه تحمل من الزيادة ما يجعلها أكثر تمكينا وقوة من هيئة الإجمال. ومن ثم يغدو التردد اصطلاحا أكثر دلالة وفائدة لتعيين التكرار في القصص القرآني.
فإذا كان السلف قد جروا على اصطلاح واحد في تعيين تردد القصص القرآني بالتكرار، فإن بعضهم يحذر من مغبة التمادي في استعمال هذا المصطلح لما فيه من مغمز. فالغزّي يجهر بذلك صراحة قائلا:« وعلى المفسر أن يتجنب ادعاء التكرار ما أمكنه.» ( ) لأن الفهم السليم لطبيعة القص القرآني مفارقة لطبيعة التكرار من جهة، ولأن المواجهة الفكرية والعقائدية بين المؤمنين والمنكرين تتخذ من الاصطلاح حجتها في غمز القرآن وأساليبه. فإذا تقرر عند المنكر أنه لا يواجه ظاهرة يسمها بالتكرار، فإنه سيسعى عندئذ إلى تلمس الجديد في كل صياغة تعيد عليه الموقف ذاته في أثواب مختلفة من الصياغة والعرض. فإذا بالموضوع الواحد يلبس أمام ناظريه أثوابا يقتضيها السياق، ويتطلبها الغرض الذي من أجله تردد الموضوع في هذا الموضع دون غيره.
إنها الفكرة التي تقيمنا أمام نص القصة في شكله المثالي الكامل، ونص السرد في هيئته التي يقتضيها السياق والموقف والغرض. وكأن نص القصة نص قائم دائما بعيدا عن متناول السرد، وليس أمام السرد سوى أن يقتطع منه القسط الذي يخدم غرضه. حتى وإن استعاد المقطعَ ذاتَه، فإنه في مطلب السياق والغرض يجدد له نصه السردي لتجدد الدواعي التي تمليه.
إننا حين نفطن إلى هذه الحقيقة في طبيعة السرد القرآني، نتمثل السارد –الله - عالما بالقصة، محيط بها من جميع جوانبها، يشملها علمه المطلق اشتمالا كليا. غير أن الغرض العقائدي والتربوي الذي يدرجه في كتابه العزيز، يميل إلى مداواة السياق الإسلامي الدعوي، وإمداده بما يحتاج إليه من خبر، ومثل، وإشارة. فنص السرد ليس هو القصة، ولا هو نصها أبدا، وإنما هو وجه من وجوهها المتعددة التي يحيط بها علم الله  وحده.
فإذا كنا قد استأنسنا لمثل هذا الفهم، أمكننا الساعة التدرج قليلا مع الزركشي لمناقشة العلل والفوائد في التردد. فنلفاه يقول:« وإنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر. وهي أمور أحدها: أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا. ألا ترى أنه ذكر الحية في عصا موسى  وذكرها في موضع آخر ثعبانا. ففائدته أن ليس كل حية ثعبانا. وهذه عادة البلغاء أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة لصفة زائدة. الثانية: أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن، ثم يعود إلى أهله، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون عنه ما نزل بعد صدور الأولين. وكان أكثر من آمن به مهاجريا. فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى آخرين. وكذلك سائر القصص. فأراد الله سبحانه وتعالى اشتراك الجميع فيها، فيكون فيه إفادة القوم وزيادة تأكيد وتبصرة لآخرين، وهم الحاضرون. الثالثة: تسليته لقلب النبي  مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم. قال تعالى: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك الرابعة: أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة، وأساليب مختلفة، لا يخفى ما فيه من الفصاحة. الخامسة: أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام. فلهذا كررت القصص دون الأحكام. السادسة: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية لصحة نبوة محمد  ثم بين وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع، إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله. بأي نظم جاءوا، بأي عبارة عبروا. قال ابن فارس: وهذا هو الصحيح. السابعة: أنه لما سخر العرب بالقرآن قال: فأتوا بسورة من مثله وقال في موضع آخر: فأتوا بعشر سور فلو ذكر قصة آدم مثلا في موضع واحد واكتفى بها، لقال العربي بما قال الله تعالى: فأتوا بسورة من مثله إيتونا أنتم بسورة من مثله. فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه. الثامنة: أن القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون، وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان، وتقديم وتأخير. وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ. فإن كل واحدة لا بد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد فيه لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها فكأن الله تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء، ثم قسم تلك الأجزاء على تارات التكرار لتوجد متفرقة فيها. ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة من انفراد كل قصة منها بموضع، كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف عليه السلام خاصة» ( ) وهو الفهم الذي يجلي لنا صورة نص القصة "المثالي" الذي يحيط به الله  إحاطة كاملة، والذي يتولاه نص السرد أجزاء يرددها في هيئات أسلوبية مختلفة يتجلى فيها إعجاز النظم والعرض. فما كان من مبررات "التكرار" التي ساقها الزركشي ليس سوى التعليل الخارجي للتردد في ارتباطه بالمناسبة والهدف العقائدي. وهي مبررات تستمد أحقيتها من الفقه الذي يتولى نص السرد في بنيته وشكله وتساوقه مع الموقف العام للسورة من جهة، وتشاكله مع المطلب الدعوي من جهة ثانية.
ويلتفت الزركشي إلى خاصية أخرى في التردد النصي والتكرار اللفظي، يستشف منها طبيعة النظم، وجماليات الأسلوب، فيقول:« فاجتمعت في هذه الخاصية من نظم القرآن عدة معان عجيبة: منها: أن التكرار فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع في اللفظ هجنة، ولا أحدث مللا، فباين بذلك كلام المخلوقين. ومنها أنه ألبسها زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا، ليخرج بذلك الكلام أن تكون ألفاظه واحدة بأعيانها فيكون شيئا معادا، فنزهه عن ذلك بهذه التغييرات. ومنها: أن المعاني التي اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص صارت متفرقة في تارات التكرير. فيجد البليغ لما فيها من التغيير ميلا إلى سماعها، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة. ومنها: ظهور الأمر العجيب في إخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد. وقد كان المشركون في عصر النبي  يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء، مع تغاير أنواع النظم وبيان وجوه التأليف. فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا تلحقه نهاية، ولا يقع على كلامه عدد، لقوله تعالى: قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا » ( ) فإذا كنا قد وجدنا المبررات ذات صبغة خارجية تستمد قوتها من الأثر السياقي الاجتماعي، فإن خواص النظم داخلية نسقية ترتكز في جمالياتها على المعطى اللغوي تركيبا وأسلوبا. وكأنها في صنيعها ذاك تتحول بالمعجز في القرآن الكريم من الأثر الخارجي إلى الأثر الداخلي الذي يكون له حظا نفسيا في تقرير الصدق.
وحاسة الزركشي البلاغية تملي عليه أن يتتبع هذه الخواص في خطوات ثلاث. تتدرج من اللفظ إلى النص إلى المعنى. وكأنه يدرك أن بين هذه الأطراف الثلاثة تراسلا سريا يفضي إلى حقيقة الجمال في النص القرآني جملة. لذلك ينصرف عن الشروط التي حددها النقاد والبلاغيون لفصاحة اللفظ إلى شرط الجمال في التلقي أساسا. فإذا اللفظ تحاشى الهجنة في مادته الصوتية، وتلافى الملل في محموله الدلالي والرمزي فقد استحصد شروط جمال التلقي كلها بما يضمن له القرار في النفس لذة وحسنا. فكأن المتلقي كلما ورد عليه اللفظ في حلته الجديدة يفاجئه بطعم يصب في ذائقته ألوانا من المتع، ترتفع به من حقيقة اللغة إلى حقيقة المعاينة الشاخصة. إن اللغة في مثل هذه الألفاظ لتنسحب متراجعة، فاسحة المجال أمام المعاينة التي تنفتح على الحركة الحية للموضوع. وكأن اللغة من الشفافية والخفة ما يرفع عنها ثقل القراءة والتلاوة، سريعا ما ترفع ستائرها لتكشف عن المشاهد المتحركة خلفها.
ذلك هو شأن اللفظ، أما شأن النص فأوسع لاشتماله على الزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير. فالموضوع الواحد قار ثابت في جميع الأحوال. بينما المتغير يتناوبه الزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير. وكأن نص السرد في تراوحه بين هذه التارات يلبي المطالب الخارجية سياقا، والداخلية نسقا من غير أن يخل بأحدها. وهذه المراوحة تنزه النص من تهمة التكرار. ولسنا نجد من تعبير أبلغ في نفي التكرار في النصوص من لفظ التنزيه الذي اختاره الزركشي. وكأنه وجد في التراوح بين الزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير ما ينفي عن القرآن الكريم مغمز التكرار في النص.
وأشد من هذا الفتح، التفات الباحث إلى المعنى المتجدد مع كل حركة. فهو لا يلتمس للجدة فصاحتها من اللفظ والتركيب، بل من أثرها في التلقي. فيرصد في الجبلة رغبة التجديد وتطلعها إليه. وكأنها تجدد بجدته عهدها بالحياة ذاتها. وقوله: "ما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة" يحيلنا على لذة النص.. بل لذة القراءة في النصوص، حين يكون النص مجالا عجيب المسالك، غريب المناظر، متجدد العناصر، ينسينا مشاق الرحلة، ويخرجنا من سيطرة الزمان والمكان القاهرة. وكأننا في فعلنا ذاك نملك الزمان والمكان على النحو الذي نصنع به لأنفسنا عالمنا الخاص المتحرر من كافة الإكراهات التي ألفناها في غيره. أليست القراءة ضرب من الرحلة التي تقتطع مشاقها من المجال الذي تذرعه. فإذا كان المجال هيِّنا، عامرا بالمناظر الجملية، كانت الرحلة من جنسه. أما إذا كان المجال خشن الطبيعة، متكسر الأديم، وعر المسالك، حزين الدروب، كانت الرحلة قطعة من العذاب.
إننا حين نعود إلى نصوص القدامى، نفحصها بأناة، نكتشف فيها ضربا من الذائقة الجمالية التي يشقيها أن تظل حبيسة النص لغة وتركيبا، بل ديدنها أن تشاكل بين اللغة والحياة. لا فرق عندها بين اللغة نظاما وبين نظام الحياة ذاتها. فما يجري على هذه جار على تلك. وما يستشف من حكمة وجمال هذه، يستشف من تلك. وكأن الذائقة العربية القديمة لم تكن لتفصل في الذات الواحدة بين حاسة الجمال الفني، وحاسة الجمال المطلق. إنها تتنقل في المتجدد فنا كان أو طبيعة تنقلا واحدا. فليس فيها ما يجعلها تسد هذه الذائقة لتفتح أخرى. وإنما تتشرب الجمال من جميع مساماتها دفعة واحدة.
وكثيرا ما يُرجع الدارسون إلى النقد الحديث اكتشاف مسألتي اللذة والمتعة في تعاطي النصوص. ويسندون ذلك الأمر إلى "رولان بارت" في حين أن المفسرين وعلماء الإعجاز قد خاضوا في ذلك خوضا بليغا. وليس يدفعنا إلى هذا التذكير شوفينية متجددة. بل لنقول أن مرادنا من "اللذة والمتعة" غير مرادهم. وأن فقهنا فيها يخالف فقههم. ذلك أن اللذة حسية ترتسم على الحواس بما تجنيه من ملامسة ومباشرة. وكأن الملتذ بالجمال –معنويا كان أو ماديا- لابد له من الاقتراب من الموضوع اقتراب المباشرة، يمتزج به امتزاج المخالطة والتماهي. وكأن المتذوق الملتذ عنصر من الموضوع الجمالي ذاته، تغيب كافة الأبعاد بينهما، فلا خارج خارج الموضوع، ولا داخل إلا داخل الموضوع. بينما المتعة تستمد حقيقتها مما يقدمه المتمتع لموضوع متعته مقابل ما جنى. وكأن الفعل فيه زيادة يقدمها فهما وفقها. وكأننا في اللذة نستشعر ضربا من الاستسلام التام للموضوع. أما في المتعة فنجد كثيرا من المشاركة والتقاطع بين ذات الموضوع وذات المتلقي.
إن الزرقاني –مثلا- يلتفت إلى معمار السورة ليتحدث عن اللذة والمتعة، فيقول:« فأنت تجد في الغالب كل سورة من سور القرآن جامعة لمزيج من مقاصد وموضوعات، يشعر الناظر فيها بمتعة ولذة كلما تنقل بين هذه المقاصد في السورة الواحدة. كما يشعر الآكل باللذة والمتعة كلما وجد ألوانا شتى من الأطعمة على المائدة الواحدة. وإذن ففي هذا النمط الذي اختاره القرآن فائدتان: دفع السأم والملل عن الناظر في هذا الكتاب. وانقياد النفوس إلى هدايته بلباقة من حيث لا تحس بغضاضة. يضاف إلى هذا ما نلمحه من الوحدة الفنية في السورة أو القطعة الواحدة. ومن وفاء القرآن بجميع الاصطلاحات البشرية» ( )
ليس التردد مرهونا لوحده بظاهرة التكرار، بل التردد خاصية أسلوبية ذات هم تبليغي تلتقي وهندسة السورة أخيرا. وكأننا أمام لوحة تتعدد فيها العناصر وتتباين ألوانها وأحجامها، إلا أنها في حيز اللوحة تحتل من المواقع ما يؤهل العنصر منها لاشتغال الحيز والحجم الذي يناسبه أصلا قبل أن يناسب المعمار الذي يتموقع فيه. هذه الهيئة في السورة تمليها المقاصد التي أودعها فيها الله  لتكون الروح الساري في أجزائها. ومثال اللوحة الذي اخترناه يكفل لنا ما تكفله اللوحة للعين التي ترمقها فتتنقل بين عناصرها متجولة في جميع الاتجاهات: ارتفاعا ونزولا، يمينا وشمالا. وكأنها في تنقلها ذاك تحاول أن تستجمع جميع العلاقات الممكنة بينها للخلوص إلى وحدتها الكبرى.
هذا الوعي فيها، يقيمنا أمام وحدتين على أقل تقدير وحدة المقاطع فيما يخصها من بناء ومقاصد، ووحدة السورة في تجميع المقاطع كلها تحت عنوان واحد. فإذا أقبل الدارس على المقطع الواحد كان له من تمامه ما يجعله يستقل بعالم خاص، لا تشوشه عليه عوالم المقاطع الأخرى، ولا تربك فيه فهمه. بل يتحول المقطع بين يديه، لما فيه من اكتمال واستقلالية نسبية، إلى كيان نابض بالحياة، يضج حركة ومشاعر وألوانا. كذلك الشأن في القصص التي ترددت في السور القرآنية، تأتي مقاطعها في مواطن خاصة من السورة لترتفع، كما ترتفع الصورة الأدبية في النسيج الإبداعي، معلنة عن توتر خاص، تنشعب بالدلالة في اتجاهات مختلفة، قبل أن تتراجع وقد تجاوزتها القراءة فاسحة المجال أمام فيض السورة المتجدد.
إن حركة الارتفاع والانخفاض في التردد القصصي في السور، يفسره المعمار المتصل بالمقاصد جملة. وليس يفهم التنوع في القصص داخل السورة الواحدة إلا على هذا النحو من التوالي بين الغرض العام للسورة وبين المثال الذي يقدمه المقطع القصصي فيها. من ثم لم يعد لفكرة التكرار من وجود يبررها. بل إن الذي :« يبدو أنه تكرار في القرآن – وأنه شيء ممل- غير صحيح. ولو كان كذلك لكانت الصور واحدة، ولكررت القصص كما تكرر الجمل المؤكدة، والأخبار المرددة لمجرد استقرارها في نفس السامع» ( ) والذي يفحص المقاطع القصصية فحصا أسلوبيا تبليغيا في ضوء المقصد العام الذي يقدمه المعمار في السورة، يكتشف أن المقطع القصصي –في شكله المعروض- لم يقدم إلا وجها واحدا من حقيقته القصصية والدلالية، وأن فيه من الوجوه الأخرى التي يجب أن تتحول فيها الصياغة الأسلوبية تحولا تكشف فيه عن الوجوه الأخرى تباعا. وكأن نص السرد عبارة عن مرآة ذات أوجه متعددة، إذا حولناها قليلا كشف لنا وجهها التالي عن دلالة لم تكن في الوجه السابق. وهذا التحول يقتضي أن تتحول معه الهيئة الأسلوبية التي تكتنفه. إنه الأمر الذي يجعلنا نرى المقطع الواحد في ثوب التكثيف والإيجاز، وفي ثوب البسط والاسترسال، وبين بين.. وكأنه يلبس لكل حال لبوسها فيقدم ويؤخر، ويزيد وينقص.. يذكر أحداثا في موطن، ويغيبها في موطن آخر. والقراءة التي تراقب فيه هذا الصنيع تقف في كل نص من نصوصه على الجديد المستجد. إنها تقنية :« إبراز جوانب لا يمكن أداؤها على وجه واحد من وجوه التعبير. بل لابد أن تعاد العبارة أكثر من مرة، لكي تحمل في كل مرة بعضا من مشخصات المشهد.. وإن كانت كل عبارة منها تعطي صورة مقاربة للمشهد كله » ( ) فالمشهد في نص القصة "المثال" شاخص بعيدا عن نص السرد، يقتطف منه هذا الأخير الهيئة التي تناسب المعمار العام للسورة وأجواءها. وقد يعود إليه ثانية وثالثة ليقتطف منه الموضوع عينه، ولكن في أثواب تتلون وتتمايز طولا وقصرا، بسطا وانقباضا. وصنيع اللغة في كل ذلك يراوح بين الجو المشاع داخليا في السرد وبين الجو العام للسورة. وكأننا إذ نقف على هذه الحقيقة في النص القرآني نقف على بناء ونظم لا يلتفت إلى الجزئي، بل همه في التكاملية التي ينشئها بين جميع عناصر المعمار مادية ومعنوية.
إن الذي يجنيه القارئ من هذه الميزة المتفردة للمعمار يجد قوته في الوحدة والتعدد: وحدة السورة من جهة، وتعدد مقاصدها من جهة ثانية. فالمقطع المتردد الذي صادفناه في سور سابقة أو لاحقة، يعود بين أيدينا مرة أخرى، ولكن عودته تفاجئنا دوما. وعنصر المفاجأة فيه تأتيه من التباعد بينه وبين صنوه في السور الأخرى، كما تأتيه من الشكل الذي يتمظهر فيه بين أيدينا جديدا في عرضه، جديدا في لغته، جديدا في عناصره. إنها الخاصية الجمالية في العرض القرآني التي تنقل المَشَاهد :« بجميع أبعادها وبأمانة وصدق، ولكن على دفعات ولقطات، وليس في معرض واحد حتى لا تتراكب وتتراكم. إنما يوزعها ويباعد بين مواضعها بحيث يمكن أن تستقل كل لقطة منها بذاتها، مستغنية عن كل التفاصيل. مثل اللحن الموسيقي المؤلف من أنغام متجانسة » ( ) فالعرض في السرد القرآني يتخير في الحادثة ما يكون ألصق دلالة بالموقف الخاص قصا، وبالسياق الدعوي العام علاجا وتمثيلا. فهو إن ركز على جانب في هذه السورة، التفت إلى جانب آخر في سورة أخرى.
5-نص السرد ولغة القص:
نقصد من وراء استعمال "نص السرد" ذلك المقطع القصصي الذي تعرضه السورة محاطا بمواضيعها المختلفة. أي ذلك الجزء من القصة الذي قد يكون مقتصرا على مشهد واحد، أو متضمنا لعدد من المشاهد التي تشكل وحدة المقطع القصصية والدلالية. بينما ينصرف استعمالنا للغة القص إلى ذلك النسيج اللغوي الذي يرفع إلينا المقطع. فلا نلتفت فيه إلى السرد بقدر ما نلتفت إلى حركية اللغة وهي تطاوع السرد محددة زاوية العرض، مشيعة فيها الظلال والإيحاءات، شاحنة جوها بالمشاعر والأحاسيس، مفعمة نطاقها بألوان من الموسيقى المتجاوبة بين ألفاظها وفاصلتها، المتحركة بين تراكيبها طولا وقصرا. إن صنيعها ذاك بيِّن يكاد يشغل الدارس عن المحمول فيها.
فالفصل الذي نقيمه الساعة بينها ليس إلا فصل منهجي يتيح لنا تملي العلاقات التي تتنافذ بينها، وكأن نص السرد هو العمق الذي تحجبه عنا لغة القص، فلا نصل إليه إلا إذا اجتهدنا في فك أقفال الغلالة التي تستره عنا. إنه الوعي الذي يحيلنا على ضرب من التفكير الجمالي فيما يتعلق بالآثار الفنية عموما. حين يكون الأثر الفني مادة ودلالة. وكأن الآثار الفنية لن تكون -أول الأمر- إلا مادة صيغت على نحو معين لإبراز دلالة معينة. فإذا وعينا عنها هذا التركيب أغرتنا حقيقته باعتبار المادة مجرد وسيط لا قيمة له قياسا بالقيمة التي يمتلكها القصد في الأثر الفني. إذ لكل أثر فني مادته التي تمثل الجانب الحسي منه:« بيد أننا نستطيع تمييزه عنها، فمادة الموسيقى هي الصوت، وليست الآلة التي تنتج الأصوات، ومادة الشعر هي الكلمات، وليس صوت المنشد الذي يرفع القصيدة… نعم في كثير من الأحايين لا يُخفي الفن المادة التي يستعملها، إنه يدمجها في المشهد شريطة تحييدها. أي لا تُدرك لذاتها، بل تُدرك باعتبارها حاملا ومتمما للحسي» ( )
تناط مسألة التحييد عادة بالاقتدار الفني الذي يمتلكه الفنان في عبقرية جعل المادة تشف عن الأثر دون أن تفقد فعاليتها البنيوية. وكلما استطاعت المادة أن تكون شفافة، استطاع الأثر الفني استيعاب المتلقي في عالمه الخاص. وكأن المادة –بذلك الشكل- بوابة الأثر، ومنفذه العجيب. وإذا حققت المادة في ذاتها هذه الخاصية، حققت لذاتها شرطها الجمالي. ويضيف "ميكال ديفرين" "Mikel Dufrenne" قائلا:« جماليا، ليست المادة في الأثر مادة بناء وحسب، مثلما هو الشأن بالنسبة للحرفي، ولكنها حامل للحسي. إنها هنا للظهور وتكوين موضوع للتأمل، لا موضوع للاستعمال.» ( ) فظهور المادة شرط وجودي للأثر، كما أنه شرط التلقي الحسي الذي يباشر الموضوع الجمالي.
فإذا أسقطنا هذا التصور على نص السرد ولغة القص، أمكننا تمييز المادة من الموضوع الجمالي. فيكون لنا من نص السرد ذلك الموضوع المحمول، ويكون لنا من لغة القص ذلك الحامل الذي يشف ويتجلى في آن واحد، مانحا الأثر قدرته على التجلي والتأثير. ولا يمكن تصور الواحد منهما منفصلا عن الثاني إلا بمقدار الوعي الذي يمكننا من إدراك شبكة الترابط التي تجمع بينهما في وحدة واحدة. فإذا شئنا تقريب هذه الصورة لجأنا إلى مشهد قصير من مشاهد النشأة في قصة سيدنا موسى  حين يقول الله  في سورة طه : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى(37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38) أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى(40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي(41)  فإذا كان نص السرد يرفع إلينا شطرا معتبرا من حياة سيدنا موسى  من المولد إلى الرسالة، وقابلنا بينه وبين الفسحة الزمانية والمكانية التي يغطيها أيقنا أن لغة السرد تتحمل عبء طي الزمان والمكان على نحو معجز. فيه كثير من التكثيف، وكثير من الشحن الدلالي الذي يتخير ذروة الأحداث لتعيينها دون غيرها من التفاصيل.
وإذا حاولنا استعادة السياق الخاص بالمشهد، أدركنا حقيقة التصرف في لغة القص على ذلك النحو من التكثيف في العرض. إذا ليس المراد في نص السرد قص حكاية النشأة رواية، وليس المكان مكانها، ولا الزمن زمانها. بل يقدم لنا السياق وقفة في جبل الطور، يشخص فيها بصر سيدنا موسى نحو السماء، يتلقى عنها كلام الله ، ويأتي خبر النشأة في ذلك الموقف تذكيرا بالمنن التي أسداها الله  لسيدنا موسى . إنه السياق الذي يفرض على لغة القص أن تتخير من المنن ما يتوافق مع طبيعة التذكير ومقاصده من جهة، ومع الحيثيات التي احتوت تلك المنن. لذلك نشهد في لغة القص جنوحا إلى التركيز على أجواء الخوف والعنف والترقب التي صاحبت النشأة.
إن لغة القص وهي تكرر فعل "اقذفيه" مرتين: مرة في التابوت، ومرة أخرى في اليم، يبرز لنا طبيعة الحركة العنيفة التي كانت تصنع وتيرة الأحداث في ظل الخوف والترقب. وعناية الله  تأخذ بعدها الرحيم من هذا الإطار الذي يلقى فيه صبي أعزل، لا يقدر على شيء في تابوت ثم في يمّ.. ومنُّ الله  آت من هذا التعارض البيِّن بين سياق الأحداث الدامي، وسياق الرحمة التي تتجاوز الأسباب والعلل. فنص السرد يروي لنا قمم الأحداث التي أثثت النشأة، ولكن لغة القص ترفع إلينا الأجواء والمشاعر والأحاسيس التي صاحبت النشأة، وخامرت النفوس في لكل لحظة من لحظاتها، خوفا وأملا، ترقبا ورجاء. كما أنها تقدم في خطابها التعارض الصارخ بين إرادة الله  وإرادة البشر الذي يحسبون أنهم قادرون على صنع الأحداث وتوجيهها. وكل قراءة لا تلتفت إلى التباين بين نص السرد ولغة القص، لا على أساس المفارقة والانفصال، بل على أساس التعاضد بين الحسي والجمالي تفوِّت على نفسها فرصة تملي الأبعاد الحقيقة لسحر السرد في القرآن الكريم. وحين نقرأ قوله تعالى : إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38) أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39) (طه) نعجب من حشد أسباب الخوف والهلاك فيما يحيط بالصبي وأمه. إنها تتلقى وحيا.. هاتفا.. يستحثها على أن تقذف بابنها وفلذة كبدها في تابوت، ثم تقذف بالتابوت في اليم. وإلى غاية هذا الحد قد تقبل الأم بداعي الهاتف، وتذعن له. بيد أن الهاتف يضيف أن اليم سيلقيه بالساحل، وفيه بشارة بنجاة الصبي من الغرق. غير أن الذي يلتقطه هو عدو له، وعدو لله . فالذي كانت تخشاه الأم، وتحاذر من أن يتناهى إليه خبر الصبي هو الذي سيلتقطه أخيرا. ستوصله العناية إلى يديه من غير أن تبحث عنه زبانيته، ولا عيونه وجواسيسه.. سيطرق عليه باب قصره. وكأن لغة القص لا تريد أن تخلف وهما فيما يمكن أن يضاف إلى الأحداث من تبريرات. إنها تريد أن تقطع أمام التخمين كل السبل. فالراعي الجديد للصبي هو محبة يلقيها الله  في قلب العدو وزوجته. وكأن التعارض الجديد الذي تقدمه لغة القص يقوم بين المحبة والحقد.. بين الحياة والموت. فتتلاشى الدواعي التي أسس عليها فرعون وهمه، وما أملاه عليه كهنته من حلول لمعضلته. إن المشهد في سورة طه، غير المشهد في سورة القصص. ففي الأولى يقص الله  الخبر على موسى  تذكيرا. وفي الثانية يقص الله  الخبر على محمد  لمقاصد متعددة. فزمن القص في الأولى مختلف عن زمنه في الثانية. واختلاف زمن القص كفيل بتحميل لغة القص شكلها الذي يخدم المقاصد في العرض القرآني الكريم. هذا الأمر وحده كفيل بدرء مقولة التكرار التي رددها أهل التفسير كثيرا، والتمسوا لها مبرراتها من الفهم اللغوي القائم على التوكيد وترسيخ الأفكار في أذهان المتلقين. بيد أننا حين نوكلها إلى التردد والترديد، نريد لها أن تطل على القارئ جديدة في كل ثوب، مبتدعة في كل عرض. يقدمها سياقها الخاص في نص سردها ولغة قصها، جديدة لا تماثل غيرها أبدا
.
avatar
حبيب مونسي

عدد المساهمات : 4
نقاط : 2794
تاريخ التسجيل : 09/04/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: التردد والتكرار.

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الجمعة 23 أبريل 2010, 17:19

مرحبا أستاذنا الفاضل ،
إن المتأمل في كتابات علماء الإعجاز القرآني قديما وحديثا ، يجدهم قد وقفوا على كثير من المصطلحات البلاغية و النقدية التي أسقطت على النص القرآني ، منها مثلا : السجع ، و التكرار ، والمجاز و الفنية ، وغيرها . لكننا نجدهم ثلاثة فرق : الأول يستخدمها بلا تحقفظ ، وكأن النص القرآني لا يختلف عن النص البشري ، وفريق آخر يرفضها تماما لأن القرآن ليس نصا أدبيا حتى يحتمل مثل تلك المصطلحات ، وجاء فريق آخر واستخدمها ولكن ببيان طبيعتها الخاصة في القرآن الكريم التي تجعلها تتميز عن تلك المستخدمة من الأدباء.
للعلم فقط أستاذي الكريم أنني عالجت هذه المسألة في الجزء الأخير من مذكرة الماجستير ، والخاص بالبنية الأسلوبية للنص الفرآني عند المستشرقين خاصة أن المستشرقين من الفريق الأول الذي لا فرق عنده بين القرآن و النص البشري ، ويتعمدون دراسة ألول كما لو أنه الثاني .
.
.


*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4990
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: التردد والتكرار.

مُساهمة من طرف الأصيل في السبت 24 أبريل 2010, 14:08

[center]



استفدنا من النص .. شكرا أستاذنا



avatar
الأصيل
عضو فعال
عضو فعال

عدد المساهمات : 104
نقاط : 2997
تاريخ التسجيل : 12/02/2010
العمر : 50
الموقع : جزائرنا يا بلاد الجدود ** نهضنا نحطم عنك القيود

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى