منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 4 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 4 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة

مُساهمة من طرف نور اليقين في السبت 05 يونيو 2010, 17:38


د. عبدالنبي ذاكر
بعد كتاب: (اللسانيات: قضايا إبستيمولوجية)، صدر حديثا للساني المغربي د. حافظ إسماعيلي علوي كتاب: (اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة: دراسة تحليلية نقدية في قضايا التلقي وإشكالاته؛ دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ـ لبنان، 2009). وبعيدا عن أي مزايدة نظرية أو صلف منهجي، انطلقت هذه الدراسة الأكاديمية ـ التي هي في الأصل أطروحة جامعية ـ من مساءلة منهجية لواقع الدرس اللساني العربي منذ مطلع ستينيات القرن العشرين. وقد ارتهنت هذه المساءلة لدى الباحث بمعالجة صيغ وملامح تلقّي الثقافة العربية لمختلف النماذج اللسانية العربية، الشيء الذي أفضى إلى معالجة الإشكالات اللسانية العربية في ضوء واقع الثقافة العربية الحديثة وما لفها من مثبطات صورية ومادية، كانت وراء الوضع المأزوم للفكر اللساني العربي.

إن هذه الجولة ـ المراجَعة ـ التقييم تضع الأصبع على موطن الاختلال والنكوص وعدم النضج في اللسانيات العربية، كما تحاول تفسير بعض مظاهر أزمتها بربطها بشروط تلقّيها واستحضار قضاياها. ووكْدُها في ذلك الإسهام الجاد والفعال في انبثاق وعي نظري يتيح استثمارا أسلم للسانيات في الثقافة العربية في أفق تجديدها، إلى جانب الجهود الأخرى ذات المنحى النقدي والتقويمي، ككتاب د. مصطفى غلفان: (اللسانيات العربية: دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية، 1998.)

وقد أرجع الباحث حافظ إسماعيلي علوي بذور الأزمة إلى ملابسات نشأة اللسانيات في الثقافة العربية؛ لذلك صدّر دراسته بتوطئة حفرية لبوادر الحركة اللسانية في الثقافة العربية مع النهضة الفكرية العربية، ومع ما طرحته المرحلة العثمانية من مشكلات لغوية، وما أفرزته إرهاصات التغيير، وتمظهرات الإصلاح اللغوي النهضوي، وما جاءت به رياح المرحلة الاستشراقية، وسياق الإرهاصات الأولية لتشكل الخطاب اللساني الحديث باتجاهيْه: التاريخي ـ المقارن والوصفي، وكذا ظرفية الإخفاق الذي واكب تجربة التحديث في الثقافة العربية، بانشدادها إلى التراث اللغوي العربي، وتهميشها للاتجاه التاريخي ـ المقارن الذي بدت إرهاصاته جلية في كتابات رفاعة الطهطاوي وجرجي زيدان وإبراهيم مصطفى.

ولتعميق البحث في أزمة اللسانيات في الثقافة العربية، فحص الدارس خصوصيات التلقي وإشكالاته، ليشرِّح عوائقه النفسية الحضارية من خلال استقصاء صورة الغرب الفكري في المتخيل العربية، دون أن ينسى تشريح العوائق الذاتية السوسيولوجية منها والإبستيمولوجية التي جعلت اللسانيين العرب يركنون إلى تكريس الوضع القائم. كما كشفت المقاربة المجهرية لعتبات الكتابة اللسانية التمهيدية: (من عناوين ومقدمات) عن عدم التزام أغلب تلك الكتابات ـ مع استثناءات نادرة ـ بتعهداتها مع قرائها؛ فما تصرح به العناوين والمقدمات شيء، وما تقدمه المحتويات شيء آخر. ولم تخلُ “لسانيات التراث” اللاهثة وراء مسوغات القراءة: (السبق التاريخي والحضاري، العامل الديني، إلخ) من مفارقات حرّكتها أسباب نفسية بالأساس:(عقدة التراث، الصراع بين الوصفية والمعيارية، تهميش اللسانيين الغربيين للتراث اللغوي العربي…)، جعلتها لا تقيم وزنا للوضع الإبستيمولوجي للقراءة، لأنها تجمع بين خطابين متباعدين منهجا وغاية. الشيء الذي أصاب القراءة بالخلل المنهجي، فجاءت النتائج المتحصلة بعيدة كل البعد عن البحث اللساني بمعناه العلمي الدقيق. إلى جانب ما سبق، وقفت العقبات السوسيولوجية والإبستيمولجية في وجه نجاح الترجمات اللسانية في الثقافة العربية. وما ترجمة كتاب فيرديناند دي سوسور إلا وجها من الأوجه العديدة لإخفاقات الترجمة اللسانية المطبوعة بالتجزيئية والارتجال والانتقاء غير الواعي للنصوص، في غياب توحيد المصطلح والاتفاق على معاجم لسانية موحدة…

وتكمن قيمة هذه الدراسة أيضا في تتبعها لخصوصيات تلقي اللسانيات الوصفية على المستوى النظري والإجرائي، وتقييم تجربة إبراهيم أنيس وعبد الرحمن أيوب وتمام حسان، التي لم تبتعد عن حدود الأفكار التي صاحبت حركية الإحياء والتيسير في الثقافة العربية. صحيح أن أصحابها انبهروا بالمنهج الحديث، وسعوا إلى تطبيقه على معطيات اللغة العربية، غير أنهم لم يستطيعوا الفكاك من تحليلات النحاة.

وبدورها خضعت اللسانيات التوليدية في الثقافة العربية: (مع أعلامها كداود عبده وميشال زكريا ومحمد علي الخولي ومازن الوعر وعبد القادر الفاسي الفهري) لأسئلة حارقة من قبيل: هل الكتابة التوليدية العربية تراكم أم طفرة؟ وهل هي تكامل أم تجزيء؟ ليخلص إلى نتيجة مفادها أن التوليديين العرب يسلكون طرائق قددا في تحليلاتهم وطروحاتهم وآليات استدلالهم الموظفة في القضية الواحدة، فتحسّ وكأنك أمام توليديات لا أمام توليدية واحدة، مما يطرح أكثر من إشكال بالنسبة إلى نظرية تتوق إلى تحقيق الكلية والصورنة والتجريد…

وبعد الاتجاه الوصفي والاتجاه التوليدي، توقف الباحث حافظ إسماعيلي علوي عند ثالثة الأثافي في البحث اللساني المعاصر، ويتعلق الأمر بالاتجاه الوظيفي الذي يعتبر أحمد المتوكل من أهم أعلامه، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن رغبة الوظيفيين في بلوغ “النموذج الحاسوبي” يتعارض كليا مع منطلقاتهم، لأن ذلك يمكن أن ينجم عنه:

ـ عزل اللغة عن السياقات الفعلية التي تُستخدم فيها اللغة.

ـ إضفاء طابع مثالي على اللغة بتجاهل قضايا اللبس والخروج على المواضعات اللغوية.

ـ تجاهل الأصول التخاطبية المفسرة لمقاصد المتكلمين.

وبناء عليه تساءل الباحث بكل جرأة: كيف يمكن للسانيات الوظيفية أن تربط ربطا محكما بين موضوع اللغة الذي هو “القدرة التواصلية” وبين “الحوسبة والصورنة”؟

ويبقى هذا الكتاب دراسة جادة اعتبرها د. مصطفى غلفان “أهم ما أُنجز في رصد الحركة اللسانية بما لها وما عليها في الثقافة العربية الحديثة”؛ لأنها حسب د. نهاد الموسى صدرت عن “بصيرة معرفية هادية إلى مرجع معرفي مشترك أو منسجم في استثمارنا للكليات اللسانية أو محاورتها أو الإسهام فيها أو الإضافة إليها أو تجديدها”، كما أنها حسب د. حمزة بن قبلان المزيني محاولة جريئة في تدارك “غياب الرصد التاريخي لما أنجزه الباحثون السابقون…وكانت اللسانيات..ضحية لغياب مثل هذا الرصد”. ويبدو أن الوعي النقدي الذي صدرت عنه الدراسة، لا يبخس المراجعة النقدية والتقييمية دورها في إرساء دعائم فكر لساني حديث يستطيع الانخراط في المشاكل والصعوبات التي تتخبط فيها الثقافة العربية انخراطا واعيا يجيب على الكثير من الأسئلة والإشكالات العالقة طوال ردح من الزمن.
|
منقول .
avatar
نور اليقين
عضو نشط
عضو نشط

عدد المساهمات : 70
نقاط : 2887
تاريخ التسجيل : 04/05/2010
الموقع : ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

اللسانيات ...مفهومها ..موضوعها ..وتاريخها

مُساهمة من طرف نور اليقين في السبت 05 يونيو 2010, 17:51







مدخل/

"اللغات هي أحسن مرآة للفكر البشري، وإن تحليلا دقيقا لدلالة الأشياء لهو أحسن الأشياء قدرة على كشف عمليات الإدراك. ولهذا فالإنسان مضطر أمام تعقّد العالم إلى استخدام نظام من الأدلة لتمثيل الواقع، وتذكّر الأشياء والأحداث بيسر". لايبنتز.
1- اللسان معجميّا. 2- اللسانيّات اصطلاحا. 3- تاريخها. 4- منهجها. 5-أقسامها.




1-اللسان معجميا:


- للسان دلالتان: العضو من جهاز النطق LANGUE، واللغة (الأصوات والرموز) LANGUE.
- استـُخدم في القرآن الكريم لفظ اللسان بمعنى لغة في عدّة مواضع، نحو: "لسانُ الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" ( النحل/ 103 )، و"وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبينَ لهم" ( ابراهيم/04 ).
- واستُخدم في الشعر العربي بالمعنى نفسه، في قول طرفة:
وإذا تلسُنُني ألسُنُها إنني لستُ بموْهونٍ غَمِرْ ؛ أي أكلمها باللغة التي تفهمها واللسان الذي تريده.
وفي قول كثيّر : نمت لأبي بكر لسان تتابعت بعارفة منه فخصّت وعمّتِ
- ففي هذه الشواهد جميعا استُخدم اللسان مرادفا للغة.
- وفي الصياغة الصرفية :*لسانيات: نسبة إلى اللسان (مفردا)؛ وهو استخدام شائع في المغرب العربي.
* ألسُنية : نسبة الى الجمع (ألسنة)؛ وهواستخدام شائع في المشرق العربي.
- يقابله في الأجنبية: linguistics – lingustique.


2- اللسانيات اصطلاحا؛ تعريفها وموضوعها:


أ - هي الدراسة العلمية للغة. (العلم Sience هو بحث ظواهر معينة لبيان حقيقتها وعناصرها ونشأتها وتطورها ووظائفها وعلاقاتها وقوانينها).
ب- هي دراسة اللسان في ذاته ومن أجله (دي سوسير).
جـ- يمكن أن نحدد موضوع اللسانيات عموما، بعدِّها دراسة علمية للغة، قد تحققت بنشر م.ل.ع. لـِ ف.د. سوسير في 1916. وابتداء من هذا التاريخ فإن كل دراسة لسانية ستُعرّف اعتدادا بما وضعه دي سوسير. (معجم ديبوا وآخرين) Dubois et autres : Dictionnaire de linguistique.-
* موضوعها: يتضح من التعريفات السابقة، أن موضوعها هو اللغة البشرية الإنسانية، وتُعنى:

- باللغة المنطوفة، (نحو لهجات أمريكا الشمالية) والمكتوبة، (والدراسات قديما أهملت الأولى ).
- باللغات الحية (المستعملة أداة للتخاطب)، أو الميتة التي لم يعد استعمالها جاريا، نحو اللاتينية.
- باللهجات أيضا ولا تميزها عن الفصحى (كما كان سائدا).
- باللغات البدائية واللغات المتحضِّرة دون تمييز.
- تدرس اللغة من كل جوانبها دراسة شاملة، ضمن تسلسل متدرج الصوت، الصرف، النحو، الدلالة والمعجم، … (وتتعدى ذلك اليوم إلى مجالات التواصل الأخرى، الأسلوبية، التداولية...).
- تسعى إلى بناء نظرية لسانية شاملة تمكننا من دراسة جميع اللغات الإنسانية.
ويلخص فردينان دي سوسير Ferdinand de Saussurer (-1857 1913 ) مهمتَها في ثلاث نقاط:
1- تقديم وصف للغات وتاريخها وإعادة بناء اللغات الأم في كل منها.
2- البحث عن خصائص اللغات كافة، ثم استخلاص قوانينها العامة.
3- أن تحدد اللسانياتُ نفسها ويُعترَفَ بها ضمن حقل العلوم الإنسانية.


3- تاريـخـها:



ترجع بداية ظهورها علما مستقلا إلى القرن التاسع عشر، مع محاضرات ف.د.سوسير، وأسهمت في ذلك ثلاثة أسباب:
أ- إكتشاف اللغة السنسكريتية : وقد تم ذلك بوضوح مع وليام جونز (1794ت) عام 1786 م، الذي كان قاضيا في كالكتا (في آسيا). ثم مع شليجل (F.schlegel) في كتابه (حول لغة الهنود وحكمتهم عام 1808، ثم الأب بارتلمي (Barthélemy) وكان مبشرا في الهند، في كتابه (قواعد السنسكريتية). ثم توالت المؤلفات في انجلترا بعد ذلك، إلى أن صارت باريس قطب المدرسة السنسكريتية بهجرة اللسانين إليها.
ب- ظهور القواعد المقارنة: شاع في تلك الفترة أسلوب المقارنة بين اللغات ونُظُمها، ومنها كتاب Boopp (1867ت) عام 1816 (في نظام تصريف اللغة السنسكريتية ومقارنته بالأنظمة الصرفية في اللغات اليونانية واللاتينية والفارسية والجرمانية).
ونشير إلى أن أسلوب المقارنة الشائع آنذاك، كان مقتصرا على العلوم الطبيعية وعلم التشريح.
جـ- نشأة علم اللغة التاريخي :الذي يعنى بمعرفة جميع التطورات اللغوية في لغة ما، من خلال مجموع تاريخها. وقد ظهر نتيجة للقواعد المقارنة .


4- منهجها :



تعتمد على ثلاثة معايير أساسية :
- الشمول : دراسة كل ما يتعلق بالظاهرة اللسانية دون نقص أو تقصير.
- الانسجام : انعدام وجود أي تناقض في الدراسة الكلية.
- الاقتصاد : تتم الدراسة بأسلوب موجز ومركز مع تحليل دقيق .


5- أقسام اللسانيات العامة:



تتعدد أقسامها اليوم بحسب اختصاصاتها واهتماماتها، فبرزت: اللسانيات التعليمية، النفسية، الاجتماعية، الرياضية، الحاسوبية، التداولية،...الخ، وهناك تقسيم آخر بالنظر إلى منهجها، يشمل:
- اللسانيات التاريخية: هي دراسة تطور اللغات عبر الأزمنة، وأسباب حدوث التغيرات وكيفياتها.
- اللسانيات المقارنة: مقارنة لغتين أو أكثر للتوصل إلى العلاقة بينهما وبيان الأصل من الفرع.
- اللسانيات الوصفية: هي أهم قسم فيها، وتختص بدراسة وظيفة اللغة واستعمالها من طرف مجموعة من المتكلمين.

نشأة اللسانيات أو علم اللغة



يمتد نظر الإنسان إلى لغته إلى بدايات رغبته في استكناه ما حوله من ظواهر٬وإذا أرخنا للعلوم بهذه الرغبة فلا بد أنَّ علم اللغة أو اللسانيات سيكون من أول العلوم البشرية. ولا بدَّ أن أمورا عدة في اللغة قد استرعت ثمَّ شدَّت انتباه الإنسان إليها ٬أولها ارتباط الأصوات بالمعاني٬ وسبل توصيل هذه المعاني إلى الآخرين ٬و التنغيم الموسيقي الذي يرافق إنتاج مجموعات الأصوات٬ وعناصر الجمال في النتاج اللغوي فيما بعد... إلا أن هذا كله يقع ضمن باب الحدس. ذلك أننا في هذه الافتراضات نضرب في أعماق تاريخ الحضارة البشرية بل في بواكير نشوئها ٬وليس لدينا من أدوات التحقيق إلا أن ننظر في الأسطر العامة التي ترد في خواطرنا جميعا وما تزال تثار في كل مرة يجري فيها حديث بين اثنين عن اللغة .
فإذا تقدمنا شيئا ما فوصلنا إلى ما هو مسجل من النشاط الفكري البشري المنظم وجدنا النظر في اللغة يبدأ في العادة بتعلقها بنواحي أخرى في الحياة٬وليس هذا بغريب إذ لعل من أهم ما يميز اللغة – كظاهرة إنسانية – هو سعة صلتها بحياة الإنسان من جوانبها المتعددة المختلفة. وهكذا نجدنا أمام تراث فكري لغوي ثري يمتد فيشمل زوايا عديدة للنظر في هذه الظاهرة.فمن نظرَ إلى علاقة اللغة بالتفكير وكيف نعبر عن أفكارنا باللغة٬ ومن نظر إلى علاقة اللغة بالإنسان من حيث تطوره العقلي الحضاري٬ ومن نظر إلى القيم الجمالية أو – حتى الإعجازية – في التعبير اللغوي وهكذا .
والذي يبدو أنه وإن كان يُنظر إلى بدايات البحث في اللغة من حيث كونها جزءا من النشاطات الإنسانية المختلفة٬ فإن هذا البحث انتقل دوما في مراحله اللاحقة إلى النظر في اللغة لذاتها . ولعل انتقال البحث إلى اللغة موضوعا بحثيا مستقلا يؤشر مرحلة نضج في البحث اللساني٬ ولو أنه لا يعني أبدا انتهاء البحث في الصلة بين اللغة والفكر٬ واللغة والنتاج الأدبي ٬واللغة والمجتمع٬ واللغة و النمو ...فهذه الحقول ما زالت مزدهرة اليوم ومازال البحث فيها يؤلف جزءا لا يستهان به من البحث اللساني – أو البحث الإنساني على نحو أعم . الذي نقصده هنا هو أن تقدُّم البحث اللساني يرافقه مجيءُ باحثين ممن يرضيهم ويكفيهم علميا أن ينظروا في اللغة كموضوع بحث مستقل عما يتصل به من الفعاليات الأخرى. أي أنهم بعبارة أخرى يسبغون على هذا النظر المقتصر على اللغة في حد ذاتها مشروعية ًعلمية ً٬والمتتبع لتاريخ الدرس اللساني يجده غنيا بالخلافات والصراعات بين التوجهات المختلفة وأسسها وخلفياتها الفكرية والاديولوجية٬أنظر المزيد من التفاصيل في( Newmeyer 1986 ) .
في التراث اللساني الحديث يمكن أن نؤرخ لهذا الاستقلال الموضوعي – وما تلاه من استقلال في حدود الحقل العلمي – بتطور اللسانيات التاريخية منذ أواخر القرن الثامن عشر. فضمن هذه المقاربة كان موضوعُ البحث النظامُ اللغويُّ مستقلا عن الفكر والروح والأدب وما يعرض له من تغيرات. و إلى جانب هذا نجد التراث القديم من كتب القواعد التعليمية فيما عرف ب«القواعد التقليدية » والتي تناولت بتفصيل أو بإيجاز جوانب مختلفة من النظام اللغوي في هذه اللغة أو تلك كجزء أساسي من مهمتها الرئيسة – ألا وهي تعليم لغة لمن لا يعرفونها أو لمن لا يحسنون ضبط قواعدها .
ومع إطلالة القرن العشرين وجد هذا الاستقلال الموضوعي دعمه الأكبر في بروز اللسانيات البنيوية في أوربا وأمريكا٬ ففي أوربا نجد هذا الاستقلال يتجلى بأوضح صوره في البحوث اللسانية المستفيضة في مراكز علمية مثل جنيف٬ حيث عمل فيرديناند دي سوسير٬ أبو اللسانيات المعاصرة - كما يحبُّ أن يدعوه بعض المتحمسين من اللسانيين – ومثل مدرسة براغ وروادها ياكبسون وتروبتسكوي . لقد ناقش سوسير هذا الاستقلال في الدرس اللساني بإسهاب في كتابه المشهور "محاضرات في اللسانيات العامة" ويتضح توجهه هذا من تأكيده – مثلُه في ذلك مثل غيره من البنيويين – على الطبيعة المستقلة للنظام اللغوي وغير المستمدة من أسباب وعوامل خارجة عنه٬ والتي تتجلى في اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول في النظام اللغوي وفي شرعية (بل ضرورة) دراسة اللغة دون الرجوع إلى تاريخ تطورها٬ أي دراستها من حيث هي كل بنيويٍّ تعرف أجزاؤه من خلال موقعه في هذا الكل وعلاقتها بعضها ببعض.
وقد كان عمل البنيويين الأمريكيين أكثر تعزيزا لهذا التوجه الاستقلالي٬ وقد أكده هؤلاء في تركيز دراساتهم على لغات غير اللغات الكلاسيكية التي ظلت موضع البحث اللساني تقليديا. لقد اتجهوا إلى دراسة اللغات الهندية – الأمريكية ٬وهي لغات لم تكن مكتوبة ولم يكن لها أدب معروف ومنشور ومعترف به ٬ولم تكن إلى جانب ذلك مرتبطة بتاريخ العالم القديم ٬ولهذا فلم تكن لتحظى باهتمام مراكز الدرس اللساني التقليدية٬ ولا غرابة إذن في أن تنشأ هذه الدراسات في أقسام الأنثروبولوجيا في الجامعات الأمريكية.
و إذ نمعن النظر في اللسانيات البنيوية سنلاحظ أنها تمثل استمرارا للاتجاه الاستقلالي في الدرس اللساني٬ ولكنها في الوقت نفسه تمثل تحولا في مجموعة من المنطلقات النظرية فيه . ولعل تأكيدها على تساوي اللغات وعدم أفضلية واحدة على أخرى – أي لا مشروعية لإسباغ أحكام قيمية على اللغات – وتأكيدها على تزامنية البحث اللساني يأتي على رأس هذه التحولات . ويمكن أن نعد ذلك ناتجا لسعي اللسانيات البنيوية في ترسيخ علمية هذا الحقل وتأكيد حدود موضوعه ثم وضع منطلقات نظرية له - وبهذا ينفصل ويبتعد عن غيره من التوجهات لدراسة اللغة التي لن تكون علمية – وفق هذه الاعتبارات – لأنها تقع خارج الحدود التي رسمت .
وقد اتخذت اللسانيات البنيوية سندا فلسفيا لها في التجريبية (أو إنها ناتج لتأثير التجريبية كتوجه فكري على حقل علمي كاللسانيات)٬ بل لعلها وجدت هذا السند في أشد صورتين للتجريبية – أقصد الإجرائية و الظاهراتية الصارمتين. ولعل هذا التلازم يتجلى بأوضح أشكاله في اللسانيات البنيوية الأمريكية أكثر منه في أوربا٬ فقد رفضت اللسانيات الأمريكية كل ما هو ليس ظاهرا وما ليس له وجود مادي في الكلام في تحليلاتها ومقولاتها وتنظيراتها .وقصرت البحث اللساني على استنباط إجراءات لتحليل المعطيات اللغوية- أي المادة اللغوية - إلى أجزائها و مكوناتها٬ وما يتطلبه ذلك من وضع الوحدات التحليلية لكل مستوى من مستويات النظام اللغوي . ومع أن استنباط إجراءات عامة للتحليل اللساني ووضع وحدات لهذا التحليل هو عمل نظري بلا شك إلا أن قصر "التنظير اللساني"عليه كان بالتأكيد ناتجا عن التوجه الفكري التجريبي لدى البنيويين . فلِكيْ يكون ما تفعله علما لا بد له أن يقتصر على الملاحظات التجريبية بدون افتراضات مسبقة وبدون حدس٬ وأن يقتصر موضوعه على الانتظامات النسقية في المعطيات اللغوية وهي ما نسمعه من النتاج اللغوي الفعلي .
من ناحية ثانية نظر اللسانيون البنيويون إلى السلوك اللغوي نفس نظرهم إلى أنواع السلوك الأخرى؛ يتعلمه الإنسان كما يتعلم غيره من المهارات عن طريق آلية تعلم بسيطة تتمثل بالفعل ورده وتعزيزهما٬ وهي آلية التعلم الوحيدة التي تقترحها المدرسة السلوكية في علم النفس في تفسير طبيعة المعرفة . وإذن وفقا لهذه الرؤية ليست اللغة غير نظام من العادات السلوكية يتعلمها الإنسان كما يتعلم غيرها من المهارات والعادات وتحكم تعلمها نفس الآلية .اللغة ٬بهذا٬ نظام خارجي يكتسبه الإنسان بعد أن كان ذهنُه صفحة بيضاء خالية منه.
ومن ناحية ثالثة فاللسانيات البنيوية نظرت إلى اللغة كنظام بنيوي متماسك وجعلت موضوع دراستها وصف هذا النظام والمبادئ التي تسمه٬ وهي مبادئ ذاتية من النظام وليست مستقاة من حقول معرفية أخرى. وبهذا المعنى فإن اللسانيات البنيوية تمثل اتجاها لاستقلال الدرس اللساني .
إلى هذه العلامات في تاريخ اللسانيات تضاف علامة مهمة أخرى من علائم تطور الدرس اللساني وهي بروز المدرسة التوليدية أواسط هذا القرن متمثلة بشكل رئيس بأعمال نعوم شومسكي التي اعتبرت ثورة في هذا الحقل . ومع أن فصول هذا الكتاب اللاحقة ستفصل في مختلف جوانب هذه المدرسة مما سيوضح - ولو بشكل غير مباشر – مواطن اختلافها مع غيرها من المقاربات اللسانية٬ إلا أنه من المهم هنا ذكر أن هذه المدرسة لا تخرج عما اتفقت عليه تلك المقاربات والمدارس اللسانية من استقلال موضوع الدرس اللساني .

***هدف الدرس اللساني :


- المعرفة اللغوية:
قلنا في السطور السابقة إن عمل شومسكي ومن بعده مدرسة القواعد التوليدية يمثل استمرارا للاتجاه المستقل في اللسانيات٬ ولكنه يمثل ثورة في جوانب عديدة من الدرس اللساني٬ وهذا التغير "الثورة" لم يقتصر على النواحي التفصيلية الجزئية أو الفنية بل وسع قضايا جوهرية في منهج البحث٬ وقبل ذلك في أسس الدرس اللساني و منطلقاته النظرية . يصف شومسكي التغير الرئيس الذي حصل في الدرس اللساني ببساطة فيقول إنه تغير« من تركيز الاهتمام على السلوك ومنتجات السلوك إلى التركيز على نظام المعرفة الذي يكمن وراء استعمال اللغة وفهمها» (Chomsky 1986 a :24) ٬ إنه التركيز على دراسة معرفة الإنسان بلغته بدلا من وصف وتحليل ما ينطقه الناس وفق إجراءات محددة وهو ما كانت المدرسة البنيوية ترسم حدود الدرس اللساني به .
يرى شومسكي أن هدف الدرس اللساني يتمثل ببناء نظرية للغة الإنسانية٬ وهذا بالنسبة لشومسكي هو ما يجعل من هذا الدرس علما. فعنده لا يشكل درسٌ علما إذا اقتصر على وضع إجراءات تحليلية توصف وفقا لها معطيات ظاهرة معينة . فالعلم – أيُّ علم - لا بد له من أن يسعى إلى وضع نظرية "تفسر" الظاهرة التي يتصدى لدرسها. ومن هذا المنطلق يقدم شومسكي أسئلة ثلاثة أو أربعة تحدد مسار البحث العلمي وأهدافه في الدرس اللساني وهي (انظر Chomsky 1986 a -1988:3) :

1 - ما الذي تعنيه معرفة اللغة ؟
2- كيف يعرف الإنسان لغته ؟
3 - كيف يستخدم الإنسان تلك المعرفة ؟
4- ما هو الأساس المادي لتلك المعرفة ؟

ماذا يعني أن يعرف الإنسان لغة ما ؟ وكيف يكتسب الإنسان تلك اللغة ؟ وكيف يضعها موضع استعمال ؟ وما هي الآليات المادية التي تعمل أساس ماديا لهذا النظام المعرفي ؟ أي طبيعة تلك المعرفة واكتسابها واستعمالها٬ وأساسها المادي في الدماغ. تكون هذه الأسئلة برنامج بحث متكامل يفترض به أنه يصل بنا إلى بناء نظرية للغة البشرية.
لا بد أن يبدأ الجواب عن السؤال الأول بالتفريق بين جانب النظام الداخلي المستقل في اللغة - أي قواعدها وبين الجوانب الأخرى من الظاهرة اللغوية٬ تلك التي تأتي نتيجة تداخل اللغة بغيرها من مجالات المعرفة – ولنلاحظ هنا أننا نفترض مثل هذا الفرق تأسيسا على وجود نظام داخلي مستقل ومتميز ولكن كل هذا افتراض٬ إذ لم لا تعم المعرفة اللغوية كل الجوانب التي ذكرناها؟ وهل هناك نظام خاص باللغة مستقل عن غيره ؟ ولم لا يكون النظام الداخلي للغة انعكاسا للتداخل الحاصل بين اللغة وغيرها من مجالات المعرفة ؟ إن كل هذه الأسئلة عن أمور يمكن التحقق منها تجريبيا ٬ولعل من المفيد أن نخصها ببعض المناقشة لكي تسهل علينا إجابة السؤال الذي بين أيدينا وهو كما يتذكر القارئ عن طبيعة المعرفة اللغوية.


مقتبس من كتاب «مقدمة في نظرية القواعد التوليدية» للدكتور مرتضى جواد باقر ٬دار الشروق ٬عمان-الأردن ٬ طبعة 2002. ص 15-20 .
اللسانيات العربية ودورها في التنمية العلمية والثقافية



عزالدين غازي
الحوار المتمدن - العدد: 2732 - 2009 / 8 / 8
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

لقد ارتبط مفهوم التنمية بالمجال الاقتصادي والاجتماعي، لكنه ومع تطور الحياة الثقافية للإنسان أصبح هذا المفهوم يشمل قطاعات أخرى بأبعادها المختلفة فأصبح يشمل حتى الدراسات اللسانية والتاريخ الثقافي والمعرفي بشكل عام.
لقد ساهمت مجموعة من العوامل بشكل مباشر أو غير مباشر في تطوير الدراسات اللسانية على الرغم من أن الطابع الشفهي للثقافة العربية كان الغالب منذ قرون مما همش ثقافة المكتوب بشكل واضح ولو أن اللغة العربية كانت عرفت بالكتابة النبطية في أول الأمر، أما استعمالها كان ضيقا جدا إلى أن جاء الإسلام ومعه ضرورة التدوين والتوثيق والحفظ والتلقين فتحولت الكتابة العربية إلى تعدد نتج من خلال الحاجة الملحة في استعمال لغات بعض القبائل التي شكلت أهم رافد لغوي للنصوص الدينية سواء كان الكتاب المقدس "القرآن" أو "الحديث النبوي" وغيره..هذا كله دعم بشكل ملموس وواضح اللغة العربية المعيار والتي عمادها لغة قبيلة قريش التي أصبحت فيما بعد لغة الحضارة بامتياز في العصر الوسيط.
إن هذا التطور الذي شهدته اللغة العربية كلغة رسمية للثقافة والعلوم فيما بعد شكل الأبعاد والخلفيات الجديدة للثقافة عالمياً وقارياً وقطرياً. نفس ما شهدته اللغة السنسكريتية واللغة اليونانية واللغة اللاتينية واللغات الأوروبية المعاصرة لكن بدرجات مختلفة، غير أن اللغة العربية صمدت حتى القرن التاسع عشر الميلادي مع عصر النهضة كلغة معاصرة بعد جمود وثبات طال قرون عديدة. وما جعل هذا الصمود باقٍ هو الوفرة الكبيرة والإنتاج الغزير للنحاة واللغويين المتقدمين والمتأخرين أيضاً، وخاصة مع عصور الاحتجاج اللغوي إذ كان علماء اللغة يصولون ويجولون في القرى والقبائل لجمع وتدوين المتن اللغوي المناسب لتمثيل الكفاية اللغوية ودراسته لاتقاء الأجود والسليم غير اللاحن من أجل وضع القواعد والمعاجم والقواميس الجامعة للغة. نفس الأمر حصل مع علماء الموسوعات في فرنسا مثلا خلال القرن الثامن عشر واللذين حاولوا تدوين مفردات المهن التي بزغت إبان عصر الثورة الصناعية.
كل هذه الحركات التطويرية في اللغات العالمية لم تكن فقط بدافع من ذاتها بل وقعها في تنمية المعرفة والثقافة كان أكبر بكثير لتشمل التنمية المندمجة في مختلف القطاعات، وهذا ما عرفته الحضارة العربية في عهد المامون (القرن التاسع) حينما قام بإنشاء "بيت الحكمة" من أجل ترجمة ونقل عصارة ما أبدعه الفرس واليونان والسريان، نفس الشأن شهدته الحضارة الأوروبية حينما ترجمت أجود النصوص الفلسفية والعلمية العربية واليونانية التي شكلت أسس التقدم العلمي والفكري والتقني المعاصر.
وما تجدر ملاحظته هو أن مجهودات العرب في عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر لم تكلل بالنجاح كما حصل الأمر في الماضي وهذه إشكالية ظلت مطروحة إلى حد الآن ولم تجد حلا أو بالأحرى جواباً شافياً، غير أن المفارقة تكمن في أن المعرفة المترجمة سواء من قبل العرب أو من قبل الغرب على التوالي، أصبحت معرفة محصورة من حيث المتون المعتمدة في الاستغلال المعرفي والعلمي، في حين كان لابد من تجاوزه واعتماد أساليب أخرى تتمثل في النقل التكنولوجي والمعرفي والعلمي، وهذا كذلك عمل ضخم يتعدى بكثير مقدرة العرب على المواكبة والاطلاع. علاوة على ما خلفته الحقبة الاستعمارية وخاصة منها الفرنسية والانجليزية من أثر كبير على اللغة العربية وعلى الترجمة من وإليها كما كان الشأن سابقاً.أو حتى نهج القطيعة اللغوية مع الغرب كما حصل مع الهند والصين واليابان وكوريا مما لم يكن له تأثير مباشر على الهوية اللغوية الوطنية التي استقلت فعلا من براثين الهيمنة اللغوية الإفرنجية.
أما في القرن العشرين فقد نشأ نقاش حاد بين المدافعين عن اللغة العربية الفصحى وعن المؤيدين للعاميات العربية (المفرنسين منهم ومزدوجي اللغة) الذين يعتقدون أن تلك العاميات يمكنها أن تتطور كما تطورت مثيلاتها في أوروبا وتفرعت عن اللغة اللاتينية وأصبحت لغات وطنية مستقلة الذات.وهذا إن عن وعي أو عن غير وعي كان بدافع إيديولوجي سياسي يرمي من ورائه إلى تهميش النظرية الصائبة في معالجة قضايا اللغة العربية بشكل علمي وعقلاني سليم يكون في خدمة التنمية العلمية والهوية الثقافية بشكل ملموس. وكما يؤكد بعض الدارسين اللغويين في العالم العربي، أمثال الطيب البكوش وعبد القادر الفاسي الفهري وغيرهم، أن علاقة العامية بالفصحى تحتاج إلى رؤية شمولية تهدف إلى اعتبار اللغة العربية لغات عربية بصيغة الجمع ولأنها في الحقيقة تنوع لمدونة واحدة. مما يؤكد على أن التنمية الحقيقية للدراسات اللغوية ، إذا أرادت أن تكون هادفة ورامية إلى لعب دور القاطرة في التنمية العلمية والثقافية، لابد لها أن تتعامل مع جميع المكونات اللغوية الجزئية في إطار مبني على التكافؤ وليس على مبدأ الإقصاء والتهميش والتحجر في الرؤيا، مما يحول دون منح الهوية الثقافية حقها ودورها في التنمية الشمولية المندمجة التي قوامها التفاعل والمثاقفة الايجابيتين. هذا كله لن يتأتى في غياب معجم تاريخي للغة العربية وأيضاً في غياب دراسات علمية عقلانية للعاميات العربية.
إن بناء المعجم التاريخي للغة العربية مع تهيئة لغوية شاملة للعاميات المحلية واللغات الأجنبية سيكون له الوقع الكبير في بلورة رؤية كاملة في تتبع الخيوط التي تربط بين سائر هذه المكونات المعرفية، وستكون لا محالة قواماً وأُسًا متيناً ومعياراً واضحاً لتجاوز الجدالات الإيديولوجية وإرساء المقاربات العلمية الملائمة لمعالجة قضايا اللغة العربية بشتى مستوياتها، وتطويعها تكنولوجيا حتى تكون في خدمة التنمية البشرية بمكوناتها الاجتماعية والتربوية والنفسية والعلمية.
وفي هذا المضمار كرست في العالم العربي جهود كبيرة لعلماء ودارسين وباحثين أفرادا وجماعات أشغالها ومشاريعها العلمية سواء في إطار مجامع اللغة العربية والمؤسسات الرسمية أوفي إطار الجمعيات العلمية واللغوية، وانصبت برامجها على بلورة رؤية جديدة في معالجة قضايا اللغة العربية العلمية. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر ما قام به العلماء في تونس أمثال صلاح قرمدي من خلال عملهم الضخم "أطلس اللسانيات" ضمن برامج عمل الجمعية التونسية للسانيات التي تروم وصف اللغة العامية التونسية وجعلها في خدمة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ولهذا المنجز بعد استراتيجي يتمثل في إضفاء أواصر العلاقة بين مراحل التطور اللغوي مما يضمن المسار الواقعي للعمل الذي يوضح بجلاء تام نطاق الهوية التونسية التي تحفظ علاقة الفرد بلغته الأم وبهويته الثقافية الأصيلة، كما يبقى هذا العمل في خدمة اللغويين والتربيويين والمتخصصين في الاثنولوجيا والجغرافيا والسوسيولوجيا والزراعة والصناعة. وهناك تجارب أخرى تصب في صميم التنمية العلمية والمعرفية والثقافية للإنسان العربي تتعلق بتكنولوجيا اللغة العربية ودور ذلك في تطوير التعليم والتوثيق والإدارة والتجارة والصناعة والإعلام والترجمة الآلية والمحركات البحث والبحث عن المعلومات وكل ذلك هدفه تشجيع المحتوى العربي على مستوى الشابكة حتى تنافس المحتويات الأجنبية المسيطرة. و نتيجة لهذه القدرات الذكية، بدأ الحاسوب يقتحم العديد من التطبيقات العملية مما يتصل بالاقتصاد و الثقافة و الاجتماع و الخدمات و غيرها، إلى درجة يستحيل معها أن تخلو منه اليوم مؤسسة أو مكتب أو منزل في الدول المتقدمة صناعيا و تكنولوجيا، و ازدادت بشكل ملفت للنظر أهمية تكنولوجيا المعلومات المتقدمة التي تشمل كل ما يتعلق بالمعلومات على اختلاف أنواعها، و مصادرها، و تجميع المعلومات، و استقبالها، و تصنيعها، و ترتيبها، و تحليلها، و معالجتها، و تخزينها، و بعد ذلك استخراجها و استرجاعها، و بالتالي إبرازها بشكل واضح حسب الحاجة الداعية لذلك، بسرعة أكثر، و تكلفة أقل، حتى كثر الحديث عن عصر المعلومات أو ثورة المعلومات أو الثورة الرقمية .... لقد حظيت مسألة إدخال اللغة العربية إلى الحاسوب أو تعريب الحاسوب، منذ أوائل السبعينيات، باهتمام العديد من الخبراء والمهتمين بالتقانة والمعلوميات والإلكترونيات وكذا اللسانيات في مختلف بلدان الوطن العربي، بالإضافة إلى العديد من الشركات والمؤسسات الأجنبية، بغرض تمكين الحاسوب من التعامل مع اللغة العربية، إلى درجة يصبح معها قادرا على التعامل مع الحرف العربي باعتباره مدخلات ومخرجات ومعالجات. وهذه المحاولات هي على سبيل المثال لا الحصر : تجربة شركات المعلوميات والإلكترونيات والبرمجيات العربية و تجربة بناء المعاجم الآلية للغة العربية ومحركات البحث والمحللات الصرفية والتركيبية والمعالجات الاعرابية والتعرف الآلي على الكلام وتوليفه مع محمد الحناش ويحيى هلال وعلال فداغ.. و تجربة المعجمي عبد الغني أبو العزم من الغني إلى الغني/ الشامل وتجربة المرحوم بوجمعة الاخظر غزال في نظام (العممشع) وتجربة نبيل علي وقواعد المعارف المعجمية للعربية و تجربة الحاج صالح أو ما يسمى بمشروع الذخيرة اللغوية العربية وتجارب أخرى مرت واندرجت في إطار تعريب الحاسوب كخدمات الإدخال والإخراج بالحرف العربي وتعريب التطبيقات الحاسوبية أو البرمجيات عن طريق لغات برمجة تعتمد اللغة العربية أساسا أو برمجيات خدمات و تطوير تشغيلها بالحرف العربي، اعتمادا على محيط تقني يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والبيداغوجية والحضارية للأمة العربية. ثم تعريب نظم تشغيل الحواسيب حسب أحجامها المختلفة.ومهما يكن من أمر، فإن هذه المحاولات لم ترقى إلى المستوى المطلوب في الحالة التي نقارنها بالمنجزات المحققة في لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية وغيرها من اللغات، والسبب يرجع إلى عجزها عن تعريب معظم التطبيقات المستجدة في تكنولوجيا المعلومات ومواكبة ذلك،سيما وأن هذه التطبيقات تعتمد أساساً على التحليلات اللسانية الآلية.أضف إلى هذا أن البحوث العربية المندرجة ضمن مجال الهندسة اللغوية العربية والمعالجة الآلية للغة العربية تعتبر قليلة ولا تغطي جميع مستويات نظام الكفاية للغة العربية.
avatar
نور اليقين
عضو نشط
عضو نشط

عدد المساهمات : 70
نقاط : 2887
تاريخ التسجيل : 04/05/2010
الموقع : ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى