منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
» الشاعر منتميا وملتزما
الأحد 14 أكتوبر 2018, 20:12 من طرف مدير المنتدى

» العرب وكرة القدم
الإثنين 02 يوليو 2018, 20:10 من طرف مدير المنتدى

» الخامس من يوليو (جويلية) مجددا
الإثنين 02 يوليو 2018, 19:42 من طرف مدير المنتدى

» أهلا بشهر التوبة والغفران
الأربعاء 07 يونيو 2017, 11:21 من طرف أسير القافية

» لو عثرت بغلة في العراق ...
الجمعة 03 مارس 2017, 20:17 من طرف أسير القافية

» مسابقة الدخول إلى مدرسة الدكتوراه بتامنغست
الخميس 06 أكتوبر 2016, 16:21 من طرف أسير القافية

» وما بكم من نعمة فمن الله
الخميس 06 أكتوبر 2016, 15:58 من طرف أسير القافية

» طغيان الرمز و التـأصيل عند الطوارق
السبت 24 سبتمبر 2016, 11:29 من طرف مدير المنتدى

» ذكرى عيد الفطر المبارك
الأحد 10 يوليو 2016, 09:40 من طرف أسير القافية

بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1307 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو amino-memo فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3416 مساهمة في هذا المنتدى في 1523 موضوع

التحليل السيميائي السؤدي لرواية " اللص و الكلاب " لنجيب محفوظ

اذهب الى الأسفل

التحليل السيميائي السؤدي لرواية " اللص و الكلاب " لنجيب محفوظ

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الثلاثاء 28 سبتمبر 2010, 16:35

بقلم : عبد المجيد العابد



أصبح من الشائع اعتبار السيميائيات(Sémiotique)عند المهتمينبهذا الحقل المعرفي علما موضوعه دراسة العلامات، والعلامة، كما حددها بورس( CH.S.Peirce)، كل شيء يحل محل شيء آخرويدل عليه، سواء كانت علامة لفظية أم علامة غير لفظية، طبيعية أم اصطناعية؛ هذابالرغم من أن أمبرطو إيكو(U.Eco) ذهب إلى أن موضوع السيميائيات ليسالعلامة، وإنما الوظيفة السيميائية، وهو في ذلك يستند إلى يلمسليف (Hjelmslev)في هذا التوجه.
ارتبطت السيميائيات ابتداء بالعالم الأمريكي تشارلز سندرس بورس من خلالكتابه “كتابات حول العلامة”، وهو عبارة عن محاضرات لبورس جمعت بعد وفاته؛ فقد أرسىقواعدها منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، جعلها مناط دراسةالتجربة الإنسانية عامة، منطلقا بالأساس من اعتبارها محرك باقي العلوم الأخرى،سواء كانت علوما إنسانية أم غير ذلك، وبورس إذ يراها كذلك، ينطلق من إبدالات نظريةأملتها التخصصات المتعددة التي أقام عليها نموذجه النظري السيميائي(الرياضياتوالمنطق والفيزياء…). وفي الوقت نفسه الذي كان يبني بورس فيه هذا النموذج النظري،افترض اللساني السويسري فرديناند دوسوسور(F.De Saussure) وجود علمجديد سماه السيميولوجيا(Sémiologie)، سيكون جزءا من علم النفسالعام، وسيدرس كل العلامات الدالة التي لا تدرس اللسانيات إلا اللفظية منها، حيثتعنى أساسا باللسان، وستكون اللسانيات بذلك ضمن علم أشمل هو السيميولوجيا.
وقد أدى الاختلاف في الإبدالات النظرية التي يستند إليها كلاهما إلىاختلافهما في البناء التصوري لهذا العلم الجديد استقبالا، لأن كل واحد منهما ينطلقمن أسس إبستيمولوجية مختلفة، فبورس منطقي رياضي فيزيائي، أما دوسوسور فلساني، كاناهتمامه الرئيس بلورة علم للغة متأثرا بعلم الاجتماع خصوصا، وهذا ما يبرراختلافهما في العلامة الموضوع نفسها، فهي ثلاثية عند بورس(مأثول يحيل إلى موضوععبر مؤول) ثنائية عند دوسوسور(دال أو صورة سمعية، ومدلول أو صورة ذهنية). فلا ضيرإذا في نعت هذا العلم بالسيميولوجيا وفقا للتصور السوسوري، باعتباره منتجا فرنسيا،أو وسمه بالسيميائيات استنادا إلى بورس؛ لكن يبقى هذا الاختلاف في التسمية اليومشكليا.
تعددت اتجاهات النظرية السيميائية، واختلفت نماذجها، وأطرها المرجعيةبحسب التحاقل المعرفي الذي شهده هذا العلم خصوصا في أواسط القرن الماضي، بموازاةتطور مجموعة من العلوم التي تفاعلت معها السيميائيات تأثيرا وتأثرا، إذ يمكنالحديث عن سيميائيات التواصل(بويسنس Buyssens وبرييطو PrietoومونانMounin)،وسيميولوجيا الدلالة (رولان بارت Roland Barthes)، التي أخذت على عاتقها دراسة الأنساق الدالة غير اللفظية من خلالالاستثمار المتميز للمصطلحات اللسانية (الدال، والمدلول، والتقرير، والإيحاء،والشكل، والمحتوى…)، وسيميائيات الثقافة مع الإيطالي أمبرطو إيكو (U.Eco)وغيره، ثم السيميائيات البصرية، وسيميولوجيا الأشكال الرمزية، ومدرسةباريس السيميائية (السيميائيات السردية) مع رائدها اللتواني الأصل ألجرداس جوليانغريماص(A.J.Greimas) وأتباعه: جوزيف كورتيس (J.Courtés) وجون ماري فلوش(J.M.Floch)وجاك فانطاني (J.Fantanille) وغيرهم.
تبلورت نظرية السيميائيات السردية(Sémiotique narrative) منذكتاب مؤسسها الأول غريماص”الدلالة البنيوية”(1966)، حيث أرسى أولى قواعدها، لكنتوالت النماذج السميائية بعد ذلك بدءا من: “في المعنى”(1970) وفي المعنى II(1982)، ثم المعجمين السميائييناللذين أنجزهما بالاشتراك مع تلميذه جوزيف كورتيس وغيرها.
عرف هذا الاتجاه المعرفي بالمدرسة الفرنسية (مدرسة باريس السميائية)،أسست نموذجها النظري ابتداء على الخرافة والحكاية الشعبية، مستثمرة العملالهام لفلاديمير بروب(V.Propp)في”مورفولوجية الخرافة”، ثم استدراكات ليفي ستروس (C.Levistraus) وغيرهما، لتنفتح المدرسة بعد ذلك على حقول معرفية أخرى، مثل سميائياتالأهواء مع جاك فونتاني، ونظرية الكوارث مع روني طوم (R.Thome) وجون بيتيتو كوكوردا،(J.P.Cocorda) ومفهوم التناظر(Isotopie) مع فرانسوا راسيتي(F.Rastier) وغيرهم؛ وقد أغنت هذه الإبدالات النظرية السيميائية السردية، وجعلتمنها إطارا حاضنا لنصوص ذات أبعاد مختلفة اجتماعية وسياسية ودينية.
وهذا التوجه الأخير هو الذي نتبناه في تحليل رواية “اللص والكلاب”لنجيب محفوظ، لكن هذا لا يعفي من الاستفادة من توجهات سيميائية أخرى في التحليل،وسنحاول استنادا إلى ذلك استثمار مقتضيات وإجراءات السيميائيات الغريماصية، التيتضع في صلب اهتمامها الرئيس دراسة شكل الدلالة في كل الخطابات السردية بحثا عنالمعنى، علما أن مؤسسها يرى أن السردية تحضر في كل الأفعال والخطابات الإنسانيةبكامل تمفصلاتها، سواء تعلق الأمر بالرواية أم بالقصة أم بالصورة، وهلم جرا. وبناءعلى ذلك سيتخذ تحليلنا السلمية الإجرائية الآتية:
1- في عتبات النص
ينظر إلى الغلاف في النظرية السيميائية، خصوصا مع أعمال فانتانيالأخيرة، بوصفه لوحة(Tableau) ضمن معمار النص، تشتغل باعتبارها صفحة تتميز عنالصفحات المشكلة للنص المتن بطابعها الدلالي الأيقوني، وبتنظيم العلامات البصريةبكيفية تجعلها ترسخ(Ancrage)المتن النصي بأكمله، وتبرز كيف يأتي المعنى إليه.
يخضع معمار النص (Architecture de texte) من حيثتحديده، وطريقته في التدليل والاشتغال، إلى الجهاز النظري الذي يروم دراسة النص،أي مختلف المفاهيم الإجرائية التي تحدد المنهج الذي تتبناه النظرية بوصفها جهازاواصفا، له كفاياته المخصوصة، وطريقته في الاستدلال عموما؛ ويختلف المعمار من هذاالمنظور باختلاف الإطار النظري الذي يستند إليه في التحديد، ومن تم فهو، منظوراإليه من وجهة سيميائية سردية، يحدد باعتباره تركيبا للنص، أي بوصفه لوحة تنتظمفيها المعطيات البصرية، والمعطيات اللسانية، بشكل يجعل من اندماج النسقين اللفظيوالبصري أمرا واردا ومهما في بناء النسق الدلالي العام.
إن التساؤل حول المعنى، عن طبيعته، وعن شروط إنتاجه في علاقته بالنص،هو تساؤل عن طبيعة التدليل نفسه، أي الكيفية التي يأتي بها المعنى، مادام النصيشتغل بوصفه تدلالا(Sémiosis)، ويقصد به السيرورة التييحيل من خلالها المأثول على الموضوع عبر مؤول بحسب الطرح البورسي(نسبة إلى تشارلزسندرس بورس).
تنتظم الغلاف مجموعة من العلامات البصرية الأيقونية(Iconiques) والتشكيلية(Plastiques)، والعلامات اللسانية(Linguistiques). يقع في أعلى اللوحة اسم كاتب الرواية نجيب محفوظ، وفي وسطها يدانممدودتان؛ في اليد اليمنى منهما مسدس مصوب، وأمام هذه العلامات كلبان بلون أسود،لكنهما يوجدان في خلفية الصورة أو عمقها(Fond)، وفي أسفل الصورة على اليمين امرأة تلبس لباساشفافا يكشف عن أسارير جسدها، وتضع في فمها أحمر الشفاه، كما أنها تحمل علبة تحيلإلى الهدية، ويوجد في أسفل الغلاف على اليسار عنوان النص “اللص والكلاب” كتب بلونأبيض، وبخط منحرف تماما، توجد اليدان في الأعلى، وكأنهما فوق عمارة، بينما ترزحالمرأة بحركتها الملتوية تحت هاتين اليدين.
هذا كل ما يقوله المؤول المباشر لهذه العلامات البصرية واللسانية، وهذاما لا يرتضيه الذهن السيميائي المحلل، إننا وقفنا فقط عند حدود ما تقوله هذهالعلامات في صورتها التقريرية(Dénotatif)، لكنه لا يسعف في استكناه دلالات الغلاف إلا باستدعاء مؤولدينامي، ننتقل بوساطته من المعاني المباشرة إلى المعاني الإيحائية(Connotatives)، إذ نستدعي تجربة جانبيةسابقة في الوجود والاشتغال عن ما هو متحقق نصيا، وهي الكفيلة بتناسل المعنى وطرحهلمتاهات التأويل.
فلا يمكن سبر أغوار دلالات الغلاف المائعة والدفع بمعانيها نحو ساحةالتداول إلا باستدعاء هذا المؤول، بحسب المفهوم البورسي للتأويل، هو بمثابة مؤولثان غير مباشر كفيل بالانطلاق في متاهات التأويل إلى حدود الرسوخ عند مؤول نهائيباعتباره نهائيا داخل التدلال.
يرى رولان بارت(Roland Barthes) في هذا الصدد أن الصورةتقرأ على شكل z، وهي في ذلك تتبع سيرورةالعلامات اللسانية، وبارت في ذلك يقصد اللغة الفرنسية التي تتجه في كتابتها من اليسارإلى اليمين، لكن نحن في اللغة العربية نقرأها إذا بالعكس على شكل s.
يوجد في الأعلى اسم الكاتب نجيب محفوظ، لماذا كتب بلون غير بارز، ومندون أي حلية مثل “الدكتور”؟ إن الأمر يتعلق بنمط نموذجي(Prototype)، بتعبير روش(Rosch)، فمحفوظ أكبر من أن يحلى أو يكتب بلون بارز، إذهو أشهر من تضاف إليه اللغة الكرافية(Graphique)، لذلك كتب بخط غير بارز مادام اسمه سابق لنصه.
وتمتد في وسط اللوحة يدان، في اليمنى منهما مسدس مصوب، فلماذا اختفىصاحب المسدس؟ ولماذا المسدس مصوب نحو الفراغ؟ وما علاقة الكلبين الموجودين خلفالصورة بتصويب المسدس؟
تلك أسئلة تنقدح انقداحا على الذات السيميائية القارئة للصورة، وتجعلالقارئ يربط الظاهر بالباطن والكائن بالممكن والمحال، إن غياب صاحب المسدس غيابللتبئير(Focalisation)، وغياب للتحديد أيضا، لأنالأمر مرتبط بشيء مشين ابتداء، فاللص يتخفى عن الأنظار لأنه يعي بما يفعل، وكانبإمكانه استبدال القناع بالتخفي، فغيابه رهين بغياب أهلية العامل الذات/اللص، غيابللتنظيم، وكأن هذا اللص لا يدري هدفه أو موضوع القيمة(Objet de valeur) بالنسبةإليه بوصفه عامل ذات(Sujet)، يطلق رصاصهنحو الفراغ، كما أن الرصاصة لن تصل إلى الكلبين الموجودين أمام المسدس، بقرينة أنالمسدس مصوب إلى العدم.
لماذا يحضر الكلب باللون الأسود؟ ولماذا هما اثنان وليس أكثر؟ إنالأسود في الثقافة المصرية مرتبط بالحداد والخيانة والتشاؤم، وفي ذلك نستحضر أندلالات الألوان تخضع للمعيار الأنتروبولوجي أكثر من غيره، كما وضحت ذلك دراساتسيميائية مهمة، كدراسات كاندنسكي(Kandinsky) وإيتن(Itten) وكوكيلا(Coucula) ومجموعة مو(Groupeµ)البلجيكية.
إن الكلب، استنادا إلى هذه المعطيات، سينصرف عن مدلولاته الحيوانيةالمتعلقة بالألفة والوداعة والوفاء، ليفيد الكون القيمي المرتبط بالكلب الإنساني،الذي من سماته المميزة(Traitsdistinctives)،بالتعبير الياكوبسوني(Jakobson)، العربدة والخيانة والمكر والخديعة،فمن يكون هذان الكلبان الإنسانيان إذن؟
إذا كان اللص الذي يرمي بالمسدس نحو الفراغ هو “سعيد مهران” العاملالذات بلا شك، فالكون القيمي للكلب الإنساني لا ينطبق إلا على شخصيتيناثنتين/عاملين اثنين في الرواية، هما “رؤف علوان”، و”عليش سدرة”، لأنهما خانا معا“سعيد مهران” مع زوجه “نبوية”، إنه إذن يصوب نحوهما لقتلهما انتقاما لشرفه،واعتدادا بكرامته، وإكبارا لمروءته؛ فغيابه عن الأنظار مرتبط إذا بعدم تحقيقالرغبة، مما يحيل تلقائيا إلى فشل البرنامج السردي(Programme narratif)، وعدم حصول العامل الذات على موضوع القيمةنهاية: القتل.
تدل صورة المرأة الموجودة أسفل الغلاف من خلال شكلها الخارجي (شفاهحمراء، قد ممشوق، لباس كاشف كلبسة المتفضل…)، وكذلك الشيء الذي تحمله، والزمان الليلي، تدل كل هذه البديهياتالمزيفة، حسب بارت، على كون نسائي مخصوص مرتبط ببائعات الهوى، تمثله في النص “نور” خليلة“سعيد مهران”، وهي وإن كانت تمثل الرذيلة، فقد وجد فيها البطل المأساوي سعيدملاذه. فكيف يتغير مجتمع تختفي فيه المروءة حتى تغدو فيه المومسات حاضنات،وكريمات، وصانعات للخير؟
إن هذه التناقضات التي حبلت بها نتائج ثورة يوليوز1952 في أم الدنيا،الثورة التي كانت أقوالها أقوى لها وأفعالها أفعى لها، تختزلها الرواية في البناءالرمزي للنص، سواء من خلال التداعيات أم من خلال علاقات العوامل(Actants) فيما بينها.
فشل صاحب المسدس في درء الخيانة واسترجاع ابنته، ومن ثم أصبح بطلامأساويا بامتياز، لأنه اختار الحل الفردي في ذلك، وأصبح ينظر إلى الناس جميعهمبوصفهم خونة إلا ابنته “سناء”، وهذه سبيل غير مجدية في مجتمع متناقض.
يرزح في أسفل الغلاف على يسار اللوحة” اللص والكلاب” عنوانالرواية، والمشة التي تقدم للقارئ حتى يزدرد النص، هي علامة بصرية تشكل النسقاللساني الذي يحد من تعدد دلالات (Polysémie) الصورة، وهذه العلامةاللغوية هي بمثابة ترسيخ(Encrage)للنص بأكمله.
إن الأمر يتعلق إذا بلص “سعيد مهران”، وكلاب تدل أحيانا على الكون القيمي الإنساني فتحيل إلى الكلابالإنسانية التي تحبل بها الرواية (رؤوف علوان، عليش سدرة، المخبر، بياظة….)،وأحيانا تدل على الكلب الحيواني، فتتعلق بكلاب البوليس التي طاردت سعيد مهران بعد خروجهمن السجن، وقتله لشخصين بالخطأ عندما أراد في الأولى قتل “عليش” وفي الثانية قتل“رؤوف”.
2- تقطيع النص الروائي
يعد تقطيع النص عملية إجرائية مهمة بحسب مقتضيات المنهج السيميائيالسردي، فالتقطيع هو السبيل الوحيدة في فهم النص والأخذ بتلابيب تشكل دلالاته، وكلمقطع سردي قادر أن يكون لوحده حكاية مستقلة بذاتها، كما يمكنه أن يدخل ضمن حكايةأوسع؛ يرتبط تقطيع النص، حسب غريماص، بمعايير أهمها: الفضاءات النصية، والثيماتالمتتالية في تناسل خطاب النص، والمكونات الخطابية المختلفة مثل: التزمين،والتفضيء، وبنية الممثلين، وكل ما من شأنه أن يضيء دلالة الخطاب، ويخلق آثار معنىيسهم متضافرا في بناء دلالة النص.
نشير من خلال المحددات السالفة للمقطع إلى وجود ثلاثة مقاطع رئيسة فيالنص مناط التحليل، يمكن تقسيمها وفق ما يلي:
- المقطع الاستهلالي: يرتبط بخروج “سعيد مهران”من السجن عفوا بمناسبة عيد الثورة الرابع إلى رجوعه من البيت ذي الأدوار الثلاثةبـ”عطفة الصيرفي”، حيث كان يريد استرجاع ابنته “سناء” وكتبه والانتقام من غريمه“عليش سدرة” وزوجه “نبوية” اللذين خاناه بعد دخوله إلى السجن. وهو مقطع يتضمنبرنامجا سرديا فاشلا، حيث لم يسترجع مهران ابنته التي نفرت منه، ونكرته وأوجست منهخيفة؛ وقد حاول سعيد تبديد فشله باستعادة كتبه رغم تفاهتها لكي يبين للحاضرين بأنهليس، كما يحسبونه، لصا؛ إن هذا المقطع الاستهلالي يشكل بداية لإخفاقات سعيد مهرانالمتتالية.
- المقطع الوسطي: تتخلل هذا المقطع مجموعة منتداعيات “سعيد مهران” كسرت الترتيب المنطقي للأحداث، كتذكره، وهو في مقام الشيخ“علي الجنيدي”، لطفولته وللطريقة التي مات بها والداه، وتذكره للأيام الخوالي مع“نبوية”، وتقديره السابق لـ”رؤوف علوان” الذي كان بمثابة أستاذ له”علي أن أبدأالحياة يا أستاذ علوان” ص27.
تعرف “سعيد” من خلال جريدة الزهرة أن “علوان” صحافي بها، لكنبعدما نكره أيضا أصبح يفكر في سرقته ثم قتله، مادام تخلى عن أستاذيته، وكل المبادئالتي كان يؤمن بها، ويشبعها سعيد مهران، فقد أصبح من المستفيدين من ثورة الضباطالأحرار” قمة النجاح أن يقتلا معا، نبوية وعليش. وما فوق ذلك يصفى الحساب مع رؤوفعلوان، ثم الهرب، الهرب إلى الخارج إن أمكن” ص59.
وبعد ذلك أصبح سعيد مهران متسللا في بيت “نور” المومس التي حضتنه،وأخفته، لا يخرج إلا ليلا لابسا بذلة بوليسية، كانت قد أخاطتها له بنفسها قناعا،وأصبح رهين مطاردة البوليس وكلابهم، بعدما فشل في قتل عليش سدرة وعلوان، ففي المرةالأولى أصاب “شعبان”(بالمسدس الذي اقتناه من “المهرب” بمقهى طرزان) الذي سكنبيت عليش بعدما غادره خوفا من اقتفاء سعيد مهران له، وفي المرة الثانية قتل حارسينلرؤوف.
- المقطع النهائي: يرتبط باختفاء سعيد مهران فيبيت “نور”، فبعد أن خرج يوما إلى مقهى “المعلم طرزان”، رجع لتوه ولم يجد نورا،جاءت صاحبة البيت تطلب تسديد الإيجار، فاضطر سعيد إلى مغادرة البيت في منتصف الليلخائفا يترقب، قاصدا الشيخ “علي الجنيدي”، ليتبين له أنه نسي البذلة في بيت نور،فكر راجعا إليها، وإذا به يجد صاحب البيت، ثم رجع هاربا إلى مقام “الشيخ عليالجنيدي، لا يعقب ولا يلوي على شيء، كانت الليلة ليلة ذكر، وفجرا سمع بخبر حصارالحي، ليخرج هاربا نحو المقابر، فتمت مطاردته، حاول المقاومة، لكنه انتهى إلىالاستسلام.
3- المسار التوليدي للنص
إن ضبط المسار التوليدي لكل نص بغية البحث في تشييد دلالاته، والكيفيةالتي يأتي بها المعنى إلى النص استنادا إلى البناء النظري السيميائي الغريماصييخضع ضرورة لتتبع المسار التوليدي السيميائيات السردية، بدءا بالبنيةالخطابية التي تعد، كما يراها غريماص وأتباعه من المدرسة الفرنسية، بنية متجليةمتمظهرة، وهي بذلك البنية الأخيرة في سلمية المسار التوليدي عينه. ثم ننتقل إلىتحليل الرواية استنادا إلى البنية البينية بين المحايثة والتجلي، يتعلق الأمربالبنية العاملية، وهي أساسا تحليل للحالات والتحولات في المسار السردي عموما؛ وأخيراالبنية الموغلة في التجريد المرتبطة ابتداء بالمربع السيميائي الذي يعد بنيةمنطقية أولية للدلالة.
إن هذه السلمية المنتقاة في التحليل إجرائية، تفرضها طبيعة النص، فنحنلا ننتقل إلى ما هو موغل في التجريد إلا قبل المرور أولا عبر ما هو متجل متمظهرمؤنسن(Anthropomorphe)، وثانيا إلى ما هو بين التمظهر من جهة، والتجريدمن جهة ثانية وفق المسار الآتي:
3-1- البنية الخطابية
تقوم البنية الخطابية على مكونين اثنين: المكون التركيبي والمكونالدلالي، إذ تعد هذه البنية بالأساس تجل للبنية السيميائية السردية وتحويلها إلىبنية خطابية بوساطة عملية التخطيب (Discursivation)؛ إن الخطاب نتيجة تحويل للأشكال المجردة. وتستند عملية التخطيب،في الانتقال من المجرد إلى المحسوس، إلى ثلاثة مستويات: مستوى صوغ الممثلين،ومستوى التفضيء، ومستوى التزمين.
3-1-1- بنية الممثلين
إذا كان العامل يتميز ببنيته التركيبية، فإن الممثل يتميز ببنيتهالدلالية بالأساس، بوصفه وحدة معجمية منتمية إلى الخطاب، وهو قادر أن يقوم بدورأومجموعة أدوار من خلال موقعه. إن الممثل على المستوى الخطابي هو بؤرة التحليل،لأن في برنامجه الخطابي2 (الذي يزين البرنامج السردي) يؤثر في انتقاء الأفضية (السجن، والبيت ذوالأدوار الثلاث، وعطفة الصيرفي، ومقهى المعلم طرزان، وقصر رؤوف علوان، ومقام الشيخعلي الجنيدي، وبيت نور، والمستشفى، والقرافة…) والأزمنة (فترة الطفولة، والشباب،وثورة الضباط الأحرار في يوليوز1952 وما بعدها، وأربع سنوات في السجن، والخروج من السجن…).وعموما يقوم الممثلون، (سعيد مهران، ونبوية، وعليش، ورؤوف علوان، ونور، وسناء،والكتب، وعلي الجنيدي، والمخبر، وطرزان، والمهرب، والكلاب، والبوليس، والبذلة،والمسدس…) بدورين هامين على المستوى الخطابي:
- دور ثيماتي (Thématique)
- دور تصويري (Figuratif)
وللتمييز يرى جوزيف كورتيس (J.Courtés)3 أن البعد التصويري يعود إلى الحواس، أي إلى كل ما يدرك مباشرة من خلالالمدركات الخمس، وهو بذلك قابل للمعاينة في العالم الخارجي؛ ويتحدد البعد الثيميبوصفه كونا مجردا، أي: بصفته مضمونا لا رابط بينه والعالم الخارجي، وبعبارة أخرىلا وجود للشيء إلا من خلال النسخ المتولدة عنه. وينظر إلى البعد الثيمي بوصفهوجودا معايشا لقيم تولد ثيمات، لتتحول هذه الثيمات إلى سلوك، أي إلى معطى تصويري.
أ- الدور التصويري: يقوم التصويريعلى سلمية محددة في التحليل:مسار سيمي صور مسارات تصويرية تشكلات خطابية


- الصورة (Figure) : تعد الصورة وحدة قارة تعرف من قبل نواتها الدائمة، والتي من خلالهاتحقق الإمكانات بطرق مختلفة بصدد السياقات عبر مسارات سيمية (Parcours sémique). والصورة هي المعنى الذي يقدمه المدخل المعجمي(4. نجدبين أيدينا في النص صورا متعددة يمكن أن نجملها في كل العناصر التي لعبت أدواراعاملية مخصوصة (سنشير إليها لاحقا)، ويمكن النظر إلى الصورة من خلال الذخيرة المتعلقة بحدودالإمكان، أي بمختلف الدلالات الممكنة لأي صورة قبل استعمالها، ثم من حيثالاستعمال، الذي يتعلق بتحقق هذه العوالم، أو بجزء منها؛ وعند تداخل هذه الكلمات،وارتباطها بعلاقات داخل تتابع الجمل، أمكننا دمجها في حقول:
الحقل المعجمي: هو المجموع المكون من خلال الكلمات (اللكسيمات)،تصنفها لغة معينة من أجل تعيين التمظهرات المختلفة لفكرة أو موضوع أو تقنية ما:يمكن للحقل أن يتطابق مع اختبار التمظهر المحتمل للصور؛ إن الحقل المهيمن هنا هوالانتقام والمطاردة.
- الحقل الدلالي: وهو مجموع استعمال كلمةفي نص معطى، يقدم لهذه الكلمة حمولة دلالية: يمكن للحقل الدلالي أن يتعلق باختبارالمسارات السيمية لصورة أو لتمظهر محقق لصورة، مثل الانتقام الذي قد يفيد في حدودالإمكان كل المعاني الواردة الدالة عليه، وعلى المطاردة سواء كانت حقيقية أممتخيلة، وذلك ما تبرره الصورة (الكلاب) إذ تفيد حينا الكلاب الحيوانيةالبوليسية، وتفيد حينا آخر الكلاب الإنسانية وغير ذلك.
نلاحظ إذا أن اختبار الصور في ذاتها ولذاتها يظل قاصرا في التحليلالسيميائي، لأن أي نص لا يتضمن صورا منعزلة، بل يشمل تعالقا بينها، يسمح بالانتقالمن المعجم إلى التركيب، أي من الصور بوصفها وحدات معجمية إلى المسارات التصويرية (Parcours figuratifs) باعتبارهاعلاقات تركيبية جامعة بين هذه الصور، ومن تم الانتقال من البسيط إلى المركب منخلال البعد التحليلي للمستوى التصويري.
- المسار التصويري: إن ترابط هذهالصور فيما بينها بشكل منسجم، وديناميتها بصفة متناظرة5 يولد مسارات تصويرية متجلية في المقاطع السردية التي أشرنا إليها سالفا. إننا هنا أمام برنامجمنتظم ومنسجم، مما يخول لنا القول إن المسارات التصويرية تلبس وتزين البرامجالسردية على المستوى السطحي، وتبين كيف تتجلى البرامج السردية على مستوى الخطاب6.
رأينا سالفا أن المسارات السيمية تولد الصور، والصور في تعالقهاالمتناظر تولد مسارات تصويرية، ومنه توجد عناصر ربط واضحة داخل النص بين هذهالمسارات، تبدأ بخروج سعيد مهران من السجن وتتوسط بالجرائم والمطاردة وتنتهيبالاستسلام.- التشكلات الخطابية: نجد بين هذه المسارات الواردة في النص نقطالتقاء مشتركة، يمكن أن نجمعها في تشكلات خطابية، حيث تظهر التشكلات الخطابية(Configurations discursives) بوصفها مجموع دلالات محتملة قابلة لأن تكون محققةعبر مسارات تصويرية متمثلة في الانتقام والمطاردة والاستسلام . نجمل إذا ما قلناهعن البعد التصويري في ما يلي:


مستوى خطابي
مستوى لكسيمي


جهة الإمكان

تشكلات خطابية واردة من قبل قاموس الخطاب

صور لكسيمية واردة من قبل قاموس جملي

جهة التحقق

مسارات تصورية محققة في الخطاب

مسارات سيمية محققة في جمل

يمكن من خلال الجدول تقسيم البعد التصويري إلى مستويين اثنين: مستوىلكسيمي يقوم على الوحدات المعجمية التي تتكفل بها الحقول الدلالية والحقولالمعجمية، نميز فيها بين جهة للإمكان، أي ما يمكن أن يتحقق، وجهة للتحقق، أي ماندركه متحققا فعلا عبر المسارات السيمية، والصور والمسارات التصويرية؛ ثم مستوىخطابي يتعلق بجماع المسارات التصويرية الناظمة للتشكلات الخطابية، من خلال الإمكانأولا، ثم من خلال التحقق ثانيا.
ب- الدور الثيماتي
يقوم تحليل جماع ما هو محقق نصيا من خلال المسارات التصويرية إلى أنواعمن الأدوار الخطابية يمكن تسميتها بالأدوار الثيماتية، فإذا كنا نرى أن الأدوارالعاملية التي يقوم بها عامل في المستوى السردي السطحي، تختزل إلى دور عاملي محدد،فإن المسارات التصويرية التي يتفاعل معها الممثل يمكن أن تختزل وتستثمر دلاليا فيأدوار ثيماتية. والثيمات الثلاث المهيمنة، كما أشير إلى ذلك، هي الانتقام والمطاردة والاستسلامالمرتبطة بالخيانة، والنكران، والحرية المسترجعة، وتطبيق القانون الزجري.
نلاحظ أنه إلى حد الآن نتحدث عن مسارات غير محددة بتخوم، مما يفرضعلينا إجرائيا الحديث عن التفضية والتزمين المرتبطين إلى جانب الممثل بالتركيبالخطابي.
3-1-2- التفضية والتزمين في النص
يرتبط التزمين التفضيء(Spatialisation et temporalisation)في النص من خلال إجراءين أساسين هما: الاندماج واللااندماج(Débrayage/Embrayage)
يمكن النظر إلى اللاندماج بوصفه عملية تسند انطلاقا من انحلال محفلالتلفظ، الذي يحدد في “الأنا والهنا والآن”.7 والاندماجهو العملية التي تعود بنا إلى محفل التلفظ. ومنه نتحدث عن لاندماج ممثلي (أنا، لاأنا)ويمكن أن نلاحظه عبر إشاريات حضور السارد أو غيابه عند تداعيات “سعيدمهران”، حيث ينحل محفل التلفظ، فنكون أمام لااندماج ممثلي، حيث يتكفل الساردبالحديث عن الشخصية، وهذا النوع هو المهيمن في النص، فالسارد ذو معرفة كلية، يسردبضمير الغائب، مطلع على كل شيء، بما في ذلك بواطن الشخصيات مثل البطل المأساوي“سعيد مهران”.
أ- اللاندماج الفضائي – الزماني
يبعد هذا اللاندماج الفضاء والزمان خارج محفل التلفظ، ونعبر عنهبـ(هنا، لا هنا) حيث يتوارى، ويحل محله الزمان – الفضاء الآخر. ومفاد ذلكأن الذات المتلفظة، تتحين داخل فضاء وزمان مخصوصين، وتتحدث عن وقائع خارج محفلالتلفظ، تمثل هذا الانحلال في محفل التلفظ تداعيات سعيد، حيث إن زمن الحكاية يبدأمع خروجه من السجن، لكن السارد يستبطن الشخصية الرئيسة لسرد أحداث وقعت قبل السجنعن طريق الاسترجاع والتداعي، باعتماد الفعل الدال على المضي “وعقب شهرمن الحادث ماتتالأم في قصر العيني. وطيلة احتضارها ظلت قابضة على يدك وتأبى أن تحول عنك عينيها.غير أنك في غضون شهر المرض سرقت…”ص90
وداخل الفضاءات والأزمنة نتحدث عن المحلاتية(localisation)والتضمين (Emboîtement)، كما هو الحال في إدخال فضاءاتجزئية في أخرى كلية.
ب- توزيع الفضاءات والأزمنة
إن المسار الذي يعتري تسلسل الأحداث التي يقوم بها الممثل، والتي تحدددينامية الخطاب عبر مسارات، توازيه سلمية في تحديد الفضاءات والأزمنة، حيث يبتدئبالزمان-الفضاء المنبع(Espacetemps source)، الذي يعد نقطة انطلاق البحث عن موضوع القيمة،وهو هنا السجن في السنة الرابعة من ذكرى عيد الثورة في مصر، ثم الزمان-الفضاء الهدف (Espace- temps cible)، أي الزمان- الفضاء الذييحصل فيه البطل على موضوع القيمة، أو لا يحصل عليها، وهو هنا في الرواية “القرافة”التي استسلم فيها “سعيد مهران” في مقابرها، فلم يحصل على موضوع القيمة نهاية.
غير أن الانتقال من الأول إلى الثاني لا يتم إلا عبر فضاء-زمان وسيط (Espace tempsmédiateur)، وهو فضاء-زمان الفعل الإنجازي (بين السجن والقرافة 1956). ويشمل فضاءاتوأزمنة مساعدة، فالفضاءات والأزمنة المساعدة كانت هي: بيت نور، ومقام الشيخ عليالجنيدي، والبيت ذو الأدوار الثلاثة، ومقهى المعلم طرزان، والليل… ثم فضاءاتوأزمنة معاكسة كفضاء السجن، والقرافة، والمقابر، والفجر… ويمكن صورنتها وفق ما يلي:9
فضاء مساعد
فضاءمنبع فضاء وسيط فضاء هدف
( الاستهلال) ( الإنجاز) ( النصر)فضاء معاكس


3- 2- البنيات السيميائية السردية
3 -2-1- المكونالسردي السطحي
إن الانتقال من البنية المتجلية خطابيا إلى مابين المحايثة والتجلييتطلب إجراء يحدد هذا التمفصل بين الخطابي والسردي؛ وهذا الإجراء يمر عبر الدورينالمختلفين اللذين يلعبهما الممثل، وهما: الدور العاملي بوصفه عاملا على المستوىالسردي السطحي، والدور الثيماتي في علاقته بالبنية الخطابية، في الأولى ينظر إليهبوصفه عاملا، وفي الثانية ينظر إليه باعتباره ممثلا؛ إن موقعه إذا بين بين.
يقدم النص على مستوى البنية العاملية بوصفه سلسلة من الحالات ((Etats والتحولات(Transformations)،جعلت غريماص يقر أن السردية (Narrativité) توجد في كل الأنساقالدالة؛ تتعلق الحالات بالكينونة(Etre) وتعود التحولات إلى الفعل والظهور((Paraître.
يفرض هذا الاختلاف وجود ملفوظين مختلفين: ملفوظ حالة (Enonce d’état) يتعلق بالعلاقة بين الذات(Sujet) والموضوع(Objet)، ونرمز له ب (ذ-م) وملفوظ الفعل (Enonce de faire)، يرتبط بالتحول في هذهالعلاقة إما اتصالا أو انفصالا، يلزم من ذلك ملفوظين للحالة:
- ملفوظ حالة اتصال(Conjonction): يكون العاملالذات متصلا بالعامل الموضوع، نرمز للاتصال بالرمز ∩ حيث ع ذ ∩ ع م.
- ملفوظ حالة انفصال (Disjonction): يكون العاملالذات منفصلا عن العامل الموضوع، نرمز للانفصال بالرمز U حيث ع ذ U ع م.
أما ملفوظ الفعل أو التحول فيرتبط بالانتقال من حالة إلى حالة أخرى،حيث نجد شكلين من التحول:
- تحول الاتصال: يتم الانتقال من حالة الانفصالإلى حالة الاتصال.
ونرمز له بالصياغة الصورية الآتية:
ع ذ U ع م ع ذ ∩ ع م
يشير السهم إلى التحول من حالة انفصال إلى حالة اتصال.
- تحول الانفصال: يتم الانتقال من حالة اتصال إلىحالة انفصال، نمثل له بـ:
ع ذ ∩ ع م ع ذ U ع م
يشير السهم إلى الانتقال من حالة اتصال إلى حالة انفصال.
يسمي غريماص تتابع الحالات والتحولات برنامجا سردياnarratif) Programme (، يرتبط بالعلاقة (ع ذ-ع م)، وتحولاتها الاتصالية أو الانفصالية،وهذا التحول، أي القيام بالبرنامج السردي، يتطلب فاعلا إجرائيا (Sujet opérateur) مؤنسنا(Anthropomorphe) ومادام هناك حالة وتحول، فالفاعلالإجرائي إما أن يكون:
فاعل الحالة: يكون في علاقة اتصال أو انفصال بموضوعالقيمة (Objet-valeur) فالعلاقة (ع ذ-ع م) تحدد ملفوظ الحالة، أوفاعل الحالة.
فاعل الفعل: التحول في العلاقة إما بالاتصال أوبالانفصال، نرمز لفاعل الفعل بالترسيمة العامة (Schéma générale) الآتية:
فاف [( ع ذU ع م ) (ع ذ ∩ ع م )]
يرمز (فا ف) إلى فاعل الفعل و(ع ذ) إلى العامل الذات والسهم إلىالتحول، و(∩) إلى الاتصال و( U) إلى الانفصال.
يتطلب هذا التحول انجازا (Performance)، إن تحقيق التحول من قبل الفاعل الإجرائي يفترض أن يكون هذاالأخير محفزا من قبل عامل آخر مرسل (Destinateur) يقنعه فيقتنع بالإنجاز،نسمي هذه العملية تحفيزا(Manipulation).ولابد بعد ذلك للعامل الذات/الفاعل الإجرائي أن يملكالشروط الضرورية لإنجاز الفعل، وفق قيم جيهية (Modalités)أجملها غريماصفي أربع: وجوب الفعل(Devoirfaire) والقدرة على الفعل(Pouvoir faire) ومعرفةالفعل (Savoirfaire وإرادة الفعل(Vouloir faire)، نسمي هذه الشروط والقيم الجيهية القدرة.(Compétence)
تعد القدرة موضوعا يمكن أن يكون الفاعل الإجرائي ممتلكا له أو لا، وهذاالموضوع بوصفه كذلك، ليس المطلوب الرئيس للإنجاز، لكنه شرط ضروري له، لذلك سميموضوعا استعماليا أوموضوعا جيهيا (Objet modal) لأنه مرتبط بتحقيق للقيمالجيهية السالفة، أما الموضوع الرئيس فيسمى موضوع القيمة، لأنه مرتبط بالإنجازوبالعلاقة (ع ذ- ع م)، أي بمجموع الحالات والتحولات (البرامج السردية) التي يقومبها العامل الذات في بحثه عن موضوع القيمة.
سنحاول في البدء تقديم النموذج العاملي بوصفه نسقا في البداية، ثم نجريإجراءه فيما بعد.
أ- النموذج العاملي باعتياره نسقا(10
المرسل الموضوع المرسل إليه
(الحرية) (الانتقام) ( المروءة)
المساعد الذات المعاكس
(نور، طرزان،الجنيدي (سعيدمهران) (غياب التنظيم، عليش،علوان، المخبر،
الليل، البذلة، المسدس… الكلاب، البوليس، البذلة…)
ويمكن النظر إلى هذا النموذج باعتباره أزواجا:
-المرسل / المرسل إليه (أو محور الإبلاغ): دور المرسل (الحرية) هو إقناع العامل الذات، أماالمرسل إليه (المروءة) فهو يشكل العامل المستفيد من الموضوع (الانتقام)، ولهذا فإنمحفله يكون في النهاية.
-الذات / الموضوع (أو محورالرغبة):يشكل هذا الزوج قطب الرحى في النموذج العاملي، فالذات (سعيد مهران) ترغب في موضوعالقيمة (الانتقام)، ويكون هذا بعد إقناع العامل الذات من قبل العامل المرسل.
-المساعد/ المعاكس (أو ما يشكل مقولة الصراع): نلاحظ أن العوامل المعاكسة أعظم من العوامل المساعدةفي النص، فهي تقوم ببرامج مضادة للبرنامج السردي الأساس الذي يقوم به العاملالذات(سعيد مهران)، تعرقل بذلك مسار بحثه عن موضوع القيمة، ومادام العامل الذاتيحمل في نفسه عاملا معاكسا لنقصان أهليته (غياب التنظيم)، فإن المسار السرديبأكمله سيكون فاشلا، ولن يحصل العامل الذات على موضوع القيمة نهاية بالضرورة “أناروحك التي ضحيت بها ولكن ينقصني التنظيم على حد تعبيرك..ومأساتي الحقيقية أنني رغمتأييد الملايين أجدني ملقى في وحدة بلا نصير، ضيع غير معقول”ص110.
ب- النموذج العاملي بوصفه إجراء
إن النموذج العاملي باعتباره نسقا بنية ساكنة، ولا يمكن تحريكها إلاعبر الانطلاق من النسق إلى الإجراء عبر ترسيمة سردية من أربعة مواقع.
- التحفيز: (Manipulation)(أو فعل الفعل): حيث قام المرسل (الحرية) بإقناع معنوي للعاملالذات(سعيد مهران) ب البحث عن موضوع القيمة (الانتقام)، غير أن الإقناع في هذاالنموذج معنوي، لأن العامل المرسل عامل معنوي أصلا(الحرية)، ومادام الأمر مرتبط بالأنفةوالكرامة والمروءة فالعمل الذات محفز ابتداء.
- القدرة : (Compétence)(أوكينونة الفعل): إن الإقناعوالاقتناع ليسا كافيين لتحقيقالرغبة، بل لابد من تحقق القدرةالتي تعني الشروط الضرورية لتحقيق الإنجاز، وتتلخص في:
ü إرادة الفعل : العامل الذات طامعا إلى الانتقام لأن الأمريتعلق به لذاته.
ü القدرة على الفعل: العامل الذات ينقصهالتنظيم، وهذا ما سينعكس على المسار السردي بالفشل استقبالا.
ü معرفة الفعل: العامل الذات عارف بطرق، وكيفيات الانتقامنظرا لصوصيته السالفة فحدوده القيمية تجعله عارفا.
ü وجوب الفعل: أساسه الفعل اعتداد بالكرامة والأنفة لأنالأمر مرتبط بالخيانة والنكران.
هذه الشروط تتطلب برنامجا استعماليا يتوخى منم خلاله العامل الذاتالحصول على الموضوع الجيهي المشتمل للقيم الجيهية، إنه يرتبط بالبعد الذريعي،مادام هو أس البرنامج الأساس، غير أن سعيد مهران عجز ابتداء في الحصول على الموضوعالجهي، إذ تنقصه أهلية القدرة على الفعل.
-الإنجاز : (Performance)(أو فعل الكينونة):ويشكل المرحلة الثالثة في الترسيمة السردية؛ والإنجاز هو كل عملية تحقق تحولالحالة، وهذه العملية تقتضي عاملا (Agent)هو الفاعل الإجرائي (Sujet opérateur).إننا ننتقل مما هو محين إلى ما هو محقق،11) والتحقيق يتطلب برنامجا أساسا هدفه الحصول على موضوع القيمة، غير أنتحقيق الرغبة ما يكون مفروشا بالورود، بل إنه خاضع للبنية الجدلية التي تحكمالنموذج العاملي، إذ نجد برنامجا مضادا يقوم به فاعل إجرائي مضاد. ولعل ذلك ما جعلسعيد مهران يعيش المطاردة طيلة فصول الرواية، لأن العوامل المعاكسة أكبر من أنيضاهيها، وهو الذي يغيب عنه التنظيم منذ البداية، فرغم وجود بعض العوامل المساعدة،التي أشرنا إليها، إلا أن ذلك لم يجد نفعا، وبالتالي فمنذ الوهلة الأولى يمكنالحكم على البرنامج السردي بالفشل.
- الجزاء (Sanction)(أوكينونات الكينونة): إنه الحكم على الإنجاز، فإذا كان المرسل هو الذييحكم على نجاح البرنامج السردي أو فشله، فإنه هنا في النص مغيب، مادامت معرفة فشل البرنامجالسردي أمرا مفروغا منها، لأن الفاعل الإجرائي حين هم بالبحث عن الموضوع كان ناقصالأهلية؛ فكان الجزاء والتحفيز سيان. ومنه عاد البطل المأساوي إلى نقطة الصفر، حيثابتدأ منفصلا عن موضوع القيمة في المقطع الاستهلالي للرواية ليختم بالانفصال أيضافي مقطعها الختامي، بل انتهى سعيد مهران إلى الاستسلام؛ ويمكن التعبير عن ذلكصوريا بـ:
فاف [( ع ذ U ع م ) (ع ذ U ع م )]
ويمكن التأشير إلى هذه المراحل من خلال الجدول الآتي:

تحفيز

قدرة

إنجاز

جزاء

فعل الفعل
علاقة مرسل
فاعل إجرائي
(إقناع-تأويل)

كينونة الفعل
علاقة فاعل إجرائي
برنامج استعمال
(مواضيع جيهية)

فعل الكينونة
علاقة فاعل
إجرائي-برنامج أساس
(مواضيع قيمية)

كينونات الكينونة
علاقة مرسل
فاعل إجرائي
(تقويم)

3-2-2- المكون العميق
إن الانتقال من العمليات إلى التركيب السردي السطحي يتم عبر الفعلالتركيبي، وهو يدمج مفهوم الفعل المؤنسن، مادام الفعل يتم من خلال انتقال منعمليات عميقة ذات حمولة دلالية بالأساس إلى فعل يفترض وجود فاعل من سماته (+إنساني)، كما أن إدخال الفعل التركيبي يفرض مفهوما آخر، هو الملفوظ السردي الذيأشرنا إليه سالفا.
يفترض أن يفهم ما قلناه أعلاه بطريقة ارتدادية، حيث تنسجم القراءةوالبعد الإجرائي الذي حددناه ابتداء، إذ منه سنتحدث عن البنية الأولية للدلالة،حيث يشكل الخيط الناظم للكرامة, وهي بنية اختلافية تضادية، يمكن أن نجسدها بصرياعبر المربع السيميائي، الذي يمثل الوحدات الدلالية من أجل توليد كون دلالي قابلللتجلي، ويمكن صورنته كالآتي:
المقاومة تضاد الاستسلام
اقتضاء تناقض اقتضاء
لا مقاومة شبه تضاد لا استسلام
تعد البنية الدلالية عبارة عن علاقات، فانطلاقا من تحريك المربعالسيميائي ننتقل من العلاقات الدلالية إلى العمليات التركيبية، التي من خصائصهاأنها موجهة، فلا يمكن الانتقال من المقاومة إلى الاستسلام إلا عبر اللااستسلام منخلال الصورة الآتية:
المقاومة الاستسلام
نفي إثبات
لااستسلام
على سبيل الختام
ينتظم هذا العمل ضمن إطار للتحليل يهم دراسة النص العربي، متخذا لهنموذجا مخصوصا، نص”اللص والكلاب” للمؤلف»نجيب محفوظ» الذي تعد نصوصه مختلفةباختلاف طرقها في التدليل، وأنماطها في الاشتغال، وقد تم الاعتماد في تحليل هذاالنموذج على مرجعية نظرية تمثلت في نظرية السيميائيات السردية، بناء علىجماع المفاهيم التي تستند إليها هذه النظرية، سواء تلك المرتبطة بها ابتداء، أوتلك التي استعارتها من نظريات أخرى. تشكل هذه المفاهيم المنهج المتبنى في الدراسة،إلا أن هذا لم يمنعنا من الاستفادة من كل المناهج الواردة (Pertinentes) في التحليل.وقد كان هدفنا استثمار المنهج السيميائي في التحليل آملين أن تحذو الدراساتالنقدية هذا الحذو لما تقدمه السيميائيات من فوائد جمة للدرس النقدي العربي الحديث.
مرجع المتـن :
محفوظ، نجيب: اللص والكلاب، مكتبة مصر، (د ت)
بيبليوغرافيا
1-CHADILI (EL.Mustapha), Le traitement de la spatialité dans le contepopulaire,in Recherche Linguistique et Sémiotique Publicationde la faculté de lettre, Rabat, série débats N 6 1981.
2- COUTES (J), Introduction à la sémiotique narrative, etdiscursive, Ed Hachette, Paris 1976.
3- COUTES (J), Analyse sémiotique de discours, de l’énoncer àl’énonciation, Ed Hachette, Paris 1991.
4- GROUPE, D’ ENTREVENES, Analyse sémiotique des textes,Ed Toubkal 1987.
5- GREIMAS (AJ), Du Sens, Ed Seuil, Paris 1970.
6- GREIMAS (AJ), COUTES (J), Sémiotique dictionnaire raisonnéde la théorie du langage, Ed Hachette, Paris, T1 1979.
7 –GREIMAS (AJ), Du Sens II, Ed Seuil, Paris 1983.8-GREIMAS (AJ), COUTES (J), Sémiotique dictionnaire raisonné de lathéorie du langage, Ed Hachette, Paris T2 1986.

2 – GREIMAS (AJ), DuSens, Ed Seuil, Paris 1970, p : 259
3 – COUTES (J), Analysesémiotique de discours, de l’énoncé à l’énonciation, Ed Hachette,Paris 1991 p : 163
4 – GROUPE, D’ENTREVENES, Analyse sémiotique des textes, Ed Toubkal 1987, p:91
5 GREIMAS (AJ), COUTES(J), Sémiotique dictionnaire raisonné de la théorie du langage,Ed Hachette, Paris, T1 1979 p : 146
6- GROUPE, D’ ENTREVENES,Analyse sémiotique des textes, op. cit. p:94.
7 – GREIMAS (AJ), COUTES(J), Sémiotique dictionnaire raisonné de la théorie du langage,Op. Cit. P : 71.
9 – CHADILI(EL.Mustapha), Le traitement de la spatialité dans le conte populaireinrecherche linguistique et sémiotique, Publication de laFaculté des lettres, Rabat, 5, 1981 P: 441.et GREIMAS (AJ) Du Sens II, EdSeuil, Paris 1983 P:142
10 – COUTES (J), Introductionà la sémiotique narrative et discursive, Ed Hachette, Paris 1976 PP :64-68.
11 COUTES (J), Introductionà la sémiotique narrative et discursive, op.cit: P : 120

*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 888
نقاط : 5335
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: التحليل السيميائي السؤدي لرواية " اللص و الكلاب " لنجيب محفوظ

مُساهمة من طرف ونشريس في الأحد 09 ديسمبر 2012, 18:01

جزاكم الله خيرا على هذا المسعى
الشكر موصول..
avatar
ونشريس
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 393
نقاط : 2768
تاريخ التسجيل : 20/09/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى