منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 3 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 3 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

آراء في فنية القصة القرآنية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

آراء في فنية القصة القرآنية

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الجمعة 01 أكتوبر 2010, 09:16


بقلم : رمضان حينوني

هل القصة القرآنية فنية أم لا يجوزوسمها بهذا الاسم ؟ سؤال نطرحه ابتداءً لأن آراء الدارسين العرب فيه اختلفت،فبعضهم ينظر إلى القرآن على أنه كتاب يختلف كلّيّة عن مؤلفات البشر في خصائصه وموضوعاته و نظمه ، و عليه فلا يجب أنتنطبق علـيه مصطلحات النقد الأدبي ، و بعضهملا يرى مانعا من النظر إلى القرآن من زاوية أدبية و فنيّة ،باعتباره المثل الأعلى للغة غاية في التميّز و الروعة ،و أنه أولى بهذه المصطلحات من غيره ، إذ لا يعدو المصطلح في النهاية أن يكون وصفا لشيءموجود و قائم، و القرآن على هذا الأساس فاق ما يمكن أن يقولهأو يستنتجه البشر .
فبكري شيخ أمين يرفض " أن يطبق علىقصة القرآن ما يطبقه النقاد على القصة الفنية " ،ثم يقول : " إن القرآن كتاب دعوة قبل كل شيء و لم يكن في قليل أو كثير كتابقصص فني … لهذا نردّ قول كل من زعم أن قصص القرآن فنيّ أو زعم أنه غير فني ."(1)
لكن الدكتور خالد أحمد أبو جندي يخالفهالرأي فيرى " أنها - القصة القرآنيةالفنّيّة - تحمل منهجا فنيّا ، لا أكمل ،لبناء القصة الفنية ، ولا ينفي كونها مشرّعة، و بانية للفرد و المجتمع أن تكون قصة فنيةسامية في أسسها و منهجها . "(2)
و الواقع أن إصباغ القصة القرآنية بصبغة" الفنية " لا تُنقص من شأنها ولا تزيد فيه ،فالقرآن غنيّ عن تثميننا له ، إنما نعمدأحيانا إلى إبراز هذه الجوانب الجمالية في النص القرآني لأن أثرها في ذوقنا كبير ،و لأننا نرى قومًا همّهم الوحيد أن يطعنوا في هذا الكتاب العظيم ،بالرّغم مما حوى من البيّنات على جميع الأصعدة . فالتعبير القرآني " يجعلالجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغةالجمال الفنية ، و الفن و الدين صنوان في أعماق النفس و قرارةالحس . " (3) و نحن عندما نشير إلى فنية القصة القرآنية ،لا نريد من ذلك أن نطبق المفاهيم الأدبية و النقدية على القرآن ،بقدر ما نريد أن نقول : إن إعجاز القرآن بمفهومه الواسع لا يستثني الجانب الفني ،و يبدو هذا الكتاب - بناء على ذلك - النموذج الأكمل للقراءة و الكتابة ،بغض النظر عن الزمان و المكان .
لهذا جاءت الدعوة إلى استبعاد نظرية (الخلق الفني ) التي تسوي بين القصة القرآنية و القصة الأدبية ،بوصفهامن إنشاء الخيال الخلاق المبدع ، مما يترتبعليه طرح سؤال حول صدقية القرآن ، في قصصه وأحداثه و موضوعاته عامة ؛ و هذا هدف صبا كثير من المستشرقين إلى الوصول إليه ،و إقناع النّاس به ، عن طريق " زعمأن في القرآن أساطير ، و أن في القرآن خلقافنيا بمعنى التخيّل الممل أو الكذب الفني . " (4)
يقول بلاشير : " من أجل الوصول إلىهدفه ، عمل القرآن على العودة إلى قصص أو أساطير كانتمعروفة في المجال العربي . " (5) و تسليم المستشرقين بوجودالأسطورة يلمِّح إلى مبلغ الخيال الذي يعتمل في ذهن راويها و ناقلها،بحيث تتعرض للزيادة و النقص, و ما شئت من ألوان التغيير ؛ مما يجعل من النبيّمجرّد مُكْتتب لأساطير الأوّلين ، فهي تُملىعليه بكرة و أصيلا ، كما ادّعى ذلكالمشركون ، و سجّله كتاب الله . و في هذا مطعن في القرآنالكريم الذي يصرّح بأن القَصَصَ ] مَا كَانَ حَدِيثًايُفْتَرَى وَ لَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍوَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون [ . ( يوسف 111 )
و قد حاول كثير من المهتمين بأدبيةالقرآن أن يُلفتوا النظر إلى الجانب الفني و الجمالي في القصة القرآنية ،و خاصة قصة يوسف عليه السلام ،بحكمورودها كاملة و مجموعة في سورة واحدة . و لعل دراسة محمد علي أبو حمدة بعنوان ( فيالتذوق الجمالي لسورة يوسف ) واحدة من المحاولات التي أرادت " الوصول إلى الفهم عن الآيات ،و مجريات الحوادث ،و فنّية السرد ،وطريقة الحوار ، و تصوير المشاهد ،و تشخيص الانفعالات . " (6)
و صرّح الكاتب بأهمية الذوق في "تبيّن مناحي " الفنّيّة " البنائية في " معمار " السورةالكريمة، و في النسق القرآني الكريم ،و في تلفّظ الحروف ، و ائتلاف الروابط واختلافها ، و في تعميق الإحساس بالمقاصد و التوجيهات الربّانية … و في ذلك كلّه سحربيانيّ يعلمه الذين يَخْبرون تذوّق النصوص الرائعة ،و يتتبعون مساقط البلاغة فيها . "(7)و هو العمل الذي ينطبق في الواقع على القرآن كلّه ،لأن القصة جزء منه .
و كان من الطبيعي أن يعالج المستشرقونالقصة القرآنية ، مثل غيرها من محاورهذا الكتاب العظيم ،لكن الملاحظة الأوليّة التي نسجلها هنا هي ،أنهم انصرفوا في غالب الأحيان في دراستهم للقصة إلى البحث عن أصولها و إلى إبرازأنواعها ، فقالوا أنها قسمان : قصص مستعارة من كتباليهود و النصارى ،و يسمونها القصص الكتابية ، و أخرى لايعدوا أن تكون أساطير الأولين ، كما قال الجاهليون ،و هي قصص الأنبياء الذين ينتمون إلى بيئة الجزيرة العربية ،مثل هود و صالح و شعيب . و قلّما نجد منهممن اهتم بجانبها الفني و الجمالي ، إلا فيالإطار العام الذي حددته تقسيمات المستشرقين ، وهكذا ظل هذا الجانب - على ما يبدو -اختصاصا عربيّا .
و قد سلّم قاموس ( لاروس الموسوعيالكبير ) بأن " سور القرآن مخلوطة بعدد من القصص المقتطفة من العهدين القديمو الجديد " (8) دون أن ينتبه إلىالاختلاف الشاسع بين ما يقصـه القرآن و ماجاء في هذه الكتب ، و كأنما يراد فقطالتشكيك في مصدر كتاب الله . لكن بلاشير ،و هو من القلائل الذين عالجوا أدبيةالقرآن ، عقد في كتابه ( تاريخ الأدب العربي ) مقارنةبين القصة القرآنية و بين القصة في بعض فصول سفر التكوين ،فلاحظ أن الثانية مثقلة باللغو و الاستطرادات بينما " ظهر القصص القرآني أعلىمرتبة بما لا يقاس ، فهو يتدرّج برشاقةدون إشـارات زائدة . " ( 9)
و ملاحظة بلاشير هذه يمكن فهمها على أنهااعتراف بفنية القصة في القرآن ، بل إنهليصرح بذلك جهرة عندما يقول معلقا على قصة إبراهيم ،الواردة في سورتي الداريات و هود : " من الخطأ أن ننسب القيمة الأدبية لمثلهذه الآيـات إلى موسيقى الكلمات وحدها .إن مزية هذه القطع مردّها أيضا إلى الفن المكون من البساطة التي أشْربتها ،و الكلمات الموضوعة في أمكنتها ، و إلىالحركة التي تركز الشخصيات . " (10)
ثمة إذن أربع مزايا فنية أشار لها بلاشيرفيما سبق : الأولى هي الإيجاز ، فقد اكتفىالقرآن بالأمور المهمة و أعرض عن الجزئيات و التفاصيل التي لا طائل منها ، و قد كانهذا حتى في قصة يوسف التي تعتبر أكبر حجما من كل قصص القرآن الكريم . و قد توقفالسيد عبد الحافظ عبد ربه عند قوله تعالى : ] أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل[ ( الفيل 2 ) و أشار إلى إيجاز القِصَر (11)فيها ، ذلك أن الله تعالى " قد طوى مراحلالحوادث و الأشخاص في ثلاث كلمات ." (12) و علة هذا الإيجاز في القصص القرآني غالبا هو إما معرفة الناس بهعن طريق الأخبار المتناقلة ، أو أن ماترك من الإخبار مما لا يكلف المرء بمعرفته ،مثل ثمن شراء يوسف عليه السلام في قوله تعالى ] وَ شَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَة [ ( يوسف 20 ) ، وغير هذا المثال كثير جدا .
أما المزيّة الثانية فهي البساطة والسهولة في أسلوب القرآن الكريم ، و هي عكسالغرابة و التعقيد ؛ و القرآن ما فتئ يردد أنه كتاب عربي مبين . يقول الرافعي في هذا الشأن ،مقارنا النص القرآني بكلام البشر : " و هل عندك أغرب من هذه السهولة التييسيل بها القرآن ، و هي في كثير منالكلام و كثير من أغراضه تقتضي الابتذال ،و في القرآن كلّه على تنوّع أغراضه لا تقتضي إلا الإعجاز ؟ " (13)
من أجل هذا حصر الإعجازيون العربالقدامى الإعجاز البياني في القرآن في عناصر التصوير ،و نفوها عن البديع ، و إن كانت وجوهه " آخذة بحظها من الحسن و البهجة ،متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلّف المستبشع ،و التعمّل المستشنع . " (14)
كما انتبه بلاشير إلى تموضع الكلمات ،و كيف ساهم في جمال القصة القرآنية ، بحيث لاترى إمكانية استبدال الكلمة بأخرى فيبقى المراد و المعنى واحدا . وقد ذكر هذا كثير من علماء اللغة,منهم أبو هلال العسكري في ( الفروق في اللغة ) ،و أبو منصور الثعالبي في ( فقه اللغة ) ، و غيرهممن الذين ذهبوا إلى نفي أن يكون الترادفهو المطابقة في المعنى . يقول الدكتور كامل سلامة الدقس : " و يتأنق أسلوب القرآن في اختيار ألفاظه ،و لما بين الألفاظ من فروق فردية دقيقة في دلالاتها ،يستخدم كلا حيث يؤدي معناه في دقة فائقة ،تكاد بها تؤمن أن هذا المكان كأنّما خلقت له تلك الكلمة بعينها ،و أن كلمة أخرى لا تستطيع أن توفيه المعنى الذي وفّت به أختها . " (15)
أما حركية الشخصيات فقد لعب التصويرالفني في القرآن الدور الكبير في إبرازها ،فليس الإخبار هو كل شيء ، إذ لا بدللأثر أن يتجسد مما يجعل أهداف القصة تتحقق كاملة في وجدان القارئ . و بناء علىذلك فإن الله تعالى جعل الشخصية في القصص القرآني " تدخل في صميم الفكرةالعامة ، و من ثَمَّ حدد للشخصية و أوصافها التيتمارسها دورا في بنية القصة ، و أدخلهاعلى التدفق الروائي كمفصل متحرك من مفاصل الحركة العامة لنموّ الفكرة . " (16)
من هذا كلّه نستنتج أن بلاشير لم يكنبعيدا عن معرفة قيمة القصة في القرآن ، علىالرّغم من أننا لا نستطيع الزعم بأنه قد وصل إلى مرتبة الدارسين العرب في ذلك .لكننا لا نستطيع - على أيّة حال - أن نطالب الرجل بما هو فوق طاقته ،فقد ظل للرجل آراءه الخاصة التي تنطلق من محيطه الأدبي و الفكري ، من ذلك اعتبارهأن " اللغة العربية تضفي على الحكاية طابعا غريبا ، بميزتها المكثفة ، وباهتمامها بالتذكير أكثر منه بالوصف. " (17)
إن الوصف الاستطرادي كالذي نجده فيالرواية الحديثة ، لا وجود له في القصة القرآنية، ذلك أن ميزة التكثيف في اللغةالعربية لا تسمح بذلك ، حتى فيبعض حالات الإطناب الملاحظة في بعض القصص . لهذا وجدنا بدلا عن ذلك خاصية التصويرالتي تترك للقارئ " فرصة استيحاء الوعي واستدراكه ، دون أن يسهب ( القصص) في التفاصيل التي تفسد على القارئمتابعة نمو الفكرة أو التطور الدرامي للحدث الفني ؛ لأنه يعتمد على التركيب اللغويفي منح القارئ إمكانية الاستنباط أو التخيل الحسي للمشاهد الروائية . " (18)و هكذا تبدو اللغة العربية مرّة أخرى ، المحور الرئيسي في فهم قضايا القرآنباختلاف أشكالها الموضوعية و الفنية ؛ في المفتاح لمن أراد الدخول إلى عالم النصالقرآني .
أما غاسطون فييت فيعتبر القصص القرآنيمجرد مقاطع لسير ناقصة و مبعثرة ، (19) لكنـه لم يعطنا تفسيرا آخر يبيّن رؤيته لهذا النقص أو هذهالبعثرة . و إذا كان من الطبيعي أن يصدر الوصفان من مستشرق بعيد عن روح القرآن ،فإن الدارس العربي لا يراهما كذلك ؛ فما يراه فييت نقصا يراه العربي انتخابا : أيأن الله تعالى ينتخب من سير الأنبياء ، و أخبارالأمم ما يحقق الغرض من كتاب دينيّ . يقول سيد قطب بأن القصة " تعرض بالقدر الذي يكفي لأداء هذا الغرض ،و من الحلقة التي تتفق معه . فمرّة تُعرض القص من أوّلها ،و مرّة من وسطها ، و مرّة من آخرها ،و تارة تُـعرض كاملة ، و تارة يُكتفى ببعضحلقاتها ، و تارة تتوسط بين هذا وذاك ، حسبما تكمن العبرة في هذا الجزء أو ذاك ."(20)
و إننا لواجدون هذا الاكتفاء في كثير منالأمثلة ، منها قوله تعالى في سورة النازعات :] هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُبِالْوَادِي الْمُقَدّسِ طُوَى اذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ إِنّهُ طَغَى فَقُلْ هَلْلَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَ أَهْدِيَكَإِلَى رَبّكَ فَتَخْشَى فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى فَكَذّبَ وَ عَصَى ثُمَّأَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [. ( 15 - 26 )
فهذه قصة كاملة تامة ،غير أنها جاءت في غير تفصيل ، فاللهتعالى " لم يذكر نشأة موسى ، و صلتهالأولى بفرعون ، و لم يحدد تاريخ الحادثة،بل لم يذكر كذلك نوع الآية الكبرى التي أراها موسى لفرعون ، ولا نوع النكال الذي أخذه الله به في الآخرة و الأولى ،و إنّما الذي عناه أن يعرض من القصة موضع العبرة دون تعلُّقٍ بتفصيل لجزئيات مماليس من جوهر الموقف . (21) و لو اطلعنا على القصة نفسها في سياق آخر و سورة أخرى ،لوجدنا تركيزا على شيء معيّن آخر ، لأنهيتناسب و ذاك السياق الجديد ، و هكذا.
إنّ رمي القصة القرآنية بالنقص مردّهبالأساس إلى المقاييس النقدية التي وضعها الغربيون للقصة و الرّواية ،هذه المقاييس التي لا يصح فرضها على كلّ الآداب ،ناهيك عن فرضها على كتاب سماويّ معجز مثل القرآن . ثم إن المنطق السليم يقتضي أنتستنبط هذه المقاييس من النصوص و تنطلق منها ،و ليس العكس . مما يعني ضرورة الانطلاق من النص لسبر أغواره ،و بيان قيمه ، ثم استنباط مقياس ينضاف إلى مقاييس أخرى ،لهذا الفن أوذاك .
لقد كان من نتائج هذا الخلل ،إنكار بعض المستشرقين و المستغربين لوجود القصة في الأدب العربي بمعناها الفني قبلالعصر الحديث ، أي قبل احتكاك العرب بالأدب الأوروبي ،مما جعل الكثير من الدارسين العرب يتصدّون لهذه الفكرة لهدمها ،و يدافعون عما يرونه تراثا أدبيّا غنيّا ؛ ليس بالضرورة أن يتطابق مع الآداب الغربية . و يكفي - في نظر السيد عبد الحافظ عبدربّه - " أن نمعن النظر في أيٍّ من القصص العربي القديم لنرى في هذه القصصروح العصر ، و مجلى الدنيا العربية في أيام لهوها و مجونها، و ليالي أنسها و أفراحها ،يتفنن فيها القصاصون ما شاء لهم التفنّن … و تأتي القصة مثالا تام الحبكة و الأداء. " (22)
أما ما يسميه فييت بَعْثَرَة فما هو إلا تكرار من ورائه حكمة ،تفنن العرب و المسلمون في إبراز دوره ،و الكشف عن مواطن الحسن فيه . و قد انطلقوا أولا من كون التكرار كغيره من الظواهرالأسلوبية تبرز قيمته من خلال كيفية استعماله ،و الهدف منه . " و قد أخبر الله عزّ و جلّ بالسبب الذي من أجله كرّر الأقاصيصو الأخبار في القرآن ، فقال سبحانه ] وَ لَقَدْ وَصّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلّهُمْيَتَذَكّرُونَ [ ( القصص 51) ،و قال تعالى ] وَصَرّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلّهُمْ يَتّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْذِكْراً[ ( طه 113 ) (23) .و بما أن وصف الإعجاز شامل لكتاب الله ، كانالتكرار فيه جزءً من ذلك الإعجاز .
و ليست كلّ القصص القرآنية مكررة فيكتاب الله ، فثمة قصص لم تذكر إلا مرة واحدة كقصة يوسف والبقرة و غيرهما ، و إذا حدث أن تكررتفلا يكون ذلك بطريقة آلية . و يرى السيّدعبد الحافظ عبد ربّه أن القصة قد تتكرر ما شاء لها الله ذلك ،و لكنّها تشتمل في كل مرّة على جديد ، إما علىمستوى المعاني ،أو الهدف أو جو الأسلوب و طريقة الأداء ؛ ثم يقول :" و في ذلك ضرب من القدرة في التلوين و التصوير ما تستطيع القصة أن تندمج بهفي سلك الإعجاز القرآني . " (24)
و يشاطره بكري شيخ أمين في هذا الطرح ،حيث يقول عن إعادة القصة : " و لكنّها في هذه الإعادة تلبس أسلوبا جديدا ،و تُخرج إخراجا جديدا يناسب السياق الذي وردت فيه ،و تهدف إلى هدف خاص ، لم يُذكر في مكان آخر، حتى لكأننا أمام قصة جديدة لم نسمع بها من قبل. " (25)
هذه النظرة الخاصة إلى التكرار في القصصالقرآني - كما نرى - لفتت أنظار الجميع ، بمن فيهم بعض المستشرقين ،يقول ريجي بلاشير : " وقد تكون القصة في مكان آخر مجرّد ذكـر بسيط ، و لاتهدف هذه القصة بصفتها المركّزة إلا إلى الإرشاد"(26) ، أي أنّها إشارات سريعة على سبيل التذكير و التنبيه .
و قد بذل الدارسون العرب المسلمون كبيرجهد في إبراز الجوانب الفنية في القصة القرآنية ، والتي لم يعرها المستشرقون كثيراهتمام ؛ ذلك أنهم انشغلوا بقضايا أخرى موضوعية و تاريخية أكثر من اهتمامهمبالتصوير و البناء فيها . و قد كان سيد قطب واحدا من الذين التفتوا إلى هذا الجانبالممتع في القصص القرآني ، و سنكتفي هنا بعرض ملاحظتين مهمّتين أشار إليهما في (التصوير الفني في القرآن ) : الأولى هي أن القصة بنيت عادة في شكل جسم متكامل ،" يبدأ بإشارة مقتضبة ، ثم تطول هذه الإشارات المقتضبة شيئا فشيئا ، ثم تعرض حلقات كبيرة تكون فيمجموعها جسم القصة … حتى إذا استوفت القصة حلقاتها ، عادت هذه الإشارات هي كلّ مايّعرض منها . " (27)
على أن هذا النظام يتغير في بعض القصص ،فلا يكون للقصة تمهيد على نمط ما نجده في قصة مريم مثلا ، و كأن في مفاجآتها ما يغني عن أيِّتمهيد .(28)
هذه الملاحظة تبدو أعمق من تلك التي أبداهابلاشير حول النظام الشكلي للقصص القرآني، فقد رأى أنه " بعد تمهيد قصير ،على العموم ، يتعلّق بالندم أو واجبان الإيمان ، تأتي قصةعن أمة أو شعب ، ضل بإغراء حياة الرخاء ، فجحد ألوهية الخالق . " (29)فهذا التمهيد ليس جزء من القصة ، بل هو سياقها الذي تدور في فكرته ، و الذي يربطهادوما بالغرض الديني الأساس .
أما الملاحظة الثانية فتتعلّق بالتصويرو التشخيص في القصة ، و هو يتجسد في ألوان لا لون واحد : " لون يبدو في قوّةالعرض و الإحياء ، و لون في تخييل العواطف و الانفعالات ، و لون في رسم الشخصيات ،و ليست هذه الألوان منفصلة ، و لكن أحدها يبرز في بعض المواقف و يظهر على اللونينالآخرين ، فيسمى باسمه . " (30)
و يحاول سيد قطب من خلال النماذجالقرآنية الكثيرة ، أن يثبت أن ما نجده من فن في أعمال البشر و كتاباتهم ، نجد له مثيلا في كتاب الله ولكن في أرقى صورة ، و أرفع درجة ، فيتجسد الإعجاز القرآني حتى في المستويات الفنيةكالتمثيل، و التشخيص ، و المشاهد المختلفة التي ترتبط عادة بالإبداع الإنساني .يقول قطب في قوله تعالى : ] وَ تَرَىالشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ، وَ إِذَاغَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَ هُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْه [ ( الكهف 17 ) ما نصه : " إن المسرح الحديثبكلّ ما فيه من طرق إضاءة ليكاد يعجز عن تصوير هذه الحركة المتماوجة ، حركةالشمس و هي تزاور عن الكهف عند مطلعها فلاتضيئه ، و تجاوزهم عند مغيبها فلا تقع عليهم ." (31)
و لايغيبنَّ عن البال - أخيرا - أن القرآنالكريم قبل كلّ شيء هو كتاب دين ،عقيدة و تشريعا ، و كلما ورد فيه من أمور العلم و الأدب و الطب و ما إليها ، إنما يدور في فلك جوهرهالديني . لهذا وجدنا هـذا الكتاب مختلفا كلّ الاختلاف عما يؤلفه البشر ،و لهذا أيضا علينا أن نتعامل معه كظاهرة فريدة ، ننطلق منها للوصول إلى فهمها ،و لا ننطلق من غيرها فنسـقطه عليها .
هوامش:
1 بكري شيخ أمين . التعبير الفني في القرآن .216-217
2 خالد أحمد أبو جندي . الجانب الفني في القصةالقرآنية . 128
3 سيد قطب . التصوير الفني في القرآن . 144
4 خالد أحمد أبو جندي . م . السابق . 76
Régis Blachère . Le Coran . 38 5
6 محمد علي أبو حمدة . في التذوّق الجماليلسورة يوسف . 6. دار الهُدى - عين مليلة -الجزائر .دت
7 م . السابق . 6
Grand Larousse encyclopédique . mat. ( Coran ) 8
9 ريجس بلاشير . تاريخ الأدب العربي . ج2. 254
10 م . السابق . 254
11 إيجاز القصر : هو تضمين العبارات القصيرة معانيكثيرة من غير حذف . انظر : عبد الفتاح لاشين . المعاني في ضوء أساليب القرآن . 304
12 السيد عبد الحافظ عبد ربه . بحوث في قصصالقرآن . 154. دار الكتاب اللبناني - بيروت . ط1 . 1972
13 مصطفى صادق الرافعي . إعجاز القرآن والبلاغة النبويّة . 205
14 الباقلاني . إعجاز القرآن . 112
15 كامل سلامة الدقس . آيات الجهاد في القرآنالكريم . 388
16 خالد أحمد أبو جندي . الجانب الفني فيالقصة القرآنية . 168
Regis Blachère . LeCoran . 39 17
18 خالد أحمد أبو جندي . . الجانب الفني فيالقصة القرآنية . 243
Gaston Wiet . Introduction à lalittérature arabe . 3 19
20 سيدقطب . التصوير الفني في القرآن . 162
21 عائشة عبد الرحمن . التفسير البياني للقرآنالكريم . 142
22 السيد عبد الحافظ عبد ربّه . بحوث في قصصالقرآن . 37
23 الخطابي . بيان إعجاز القرآن . 70. شرح: عبد الله الصديق . دار التأليف بمصر . ط 1. 1953
24 م . السابق . 181
25 بكري شيخ أمين . التعبير الفني في القرآن .220 . و انظر أيضا : الرافعي . إعجاز القرآن والبلاغة النبوية . 194
26 ريجس بلاشير . تاريخ الأدب العربي . ج1 .248
27 . سيد قطب . التصوير الفني في القرآن . 156
28 م. السابق . 182
Régis Blachère . Le Coran . 38 29
30 سيد قطب . التصوير الفني في القرآن. 190
31 م . السابق . 191

نشر في مجلة : آفاق علمية . العدد 2 سنة 2008

*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4989
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى