منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 5 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 5 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

واقع الثقافية في ظل الاحتلال الفرنسي للجزائر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

20032011

مُساهمة 

واقع الثقافية في ظل الاحتلال الفرنسي للجزائر






واقع الثقافية في ظل الاحتلال الفرنسي للجزائر

بقلم: د. رمضان حينوني

مقدمة:
إذا كانت جرائم الاستعمار قضية سياسية وقانونية في ظاهرها، فإنها قضية اجتماعية وثقافية في الأساس؛ ذلك أن انعكاساتها لا يمكن أن تكون إلا اجتماعية بالدرجة الأولى، لأنها تمس الإنسان في ذاته وثقافته ومحيطه. والاستعمار مهما كان نوعه يعرف أن الإنسان هو جوهر الحياة ومحورها والفاعل فيها، لذا يجب أن يتعرض الشعب المستعمر لقدر كاف من المضايقات والاضطهاد، ليتخلى عن حقه في العزة والدفاع عن وجوده ككائن حر في وطنه وبين ذويه  وأبناء جلدته.
ولعله من المسلمات أن نقول إن الاستعمار الفرنسي قد مارس واحدا من أبشع أنواع الاضطهاد والاحتلال في العصر الحديث، لبلد لا يمت إلى فرنسا بأية صلة فكرية أوثقافية أوعرقية، وكان طبيعيا أن ينجر عن ذلك جرائم مختلفة، أخطرها في المنظور البعيد هو الجرائم الثقافية والفكرية بوصفها المعبر عن هوية المجتمع وقيمه وتراثه وكل مخزونه المعنوي. والاضطهاد في منظور القانون الدولي هو" حرمان مجموعة محددة من السكان أو مجموع السكان حرمانا متعمدا وشديدا من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع، ومن شروط الاضطهاد: حرمان الجماعة من الحقوق الأساسية والانتماء العرقي أو الديني."
لهذا نجد القانون الدولي يجرم كل فعل من شأنه أن يمس الحقوق الطبيعية للفرد أو الجماعة في أي ميدان من ميادين الحياة الأساسية، والثقافة بكل أبعادها التعليمية والفكرية والسلوكية جزء لا يتجزأ من تلك الحقوق التي نصت الفقرة (1/ح) من المادة (7) من النظام الأساسي على أنه " يعد جريمة ضد الإنسانية أي اضطهاد لجماعة محددة أو مجموعة محددة من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو أثنية أو ثقافية أو دينية، أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعروف في الفقرة(3)، أو لأسباب أخرى من المسلم عالميا بأن القانون الدولي لا يجيزها." 1
الاستشراق والتخريب الثقافي:
وبما أن الشأن الثقافي من اختصاص الأكاديميين غالبا، فإن الاستعمار الفرنسي لم يذخر جهدا في الاستعانة بالمستشرقين الفرنسيين في تحقيق غاياته في البلدان التي يحتلها، خاصة في الجزائر التي عدت على الدوام بقعة جغرافية استراتيجية بالنسبة لفرنسا. ولقد كان لهذه الفئة من العلماء والدارسين الدور الأكبر في نجاح أغلب الحملات الغربية على العالم العربي والإسلامي منذ الحروب الصليبية على الشرق، وربما قبل ذلك أيضا. ولطالما غطى الاستشراق الفرنسي على الاحتلال العسكري وما انجر عنه من مآس بادعاء زائف مفاده أن فرنسا تهدف إلى نشر رسالة حضارية في الوسط الجزائري، وتعليمه اللغة الفرنسية ليكون أقرب إلى منابع الحضارة الغربية، متناسيا أنه" لا توجد ولا يمكن أن توجد حضارة عالمية بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن الحضارة تفترض تواجد ثقافات متنوعة للغاية، بل هي تتمثل في هذا التواجد نفسه. ولا يمكن للحضارة العالمية أن تكون إلا تحالفًا، على الصعيد العالمي، بين ثقافات تحافظ كل واحدة منها على طابعها الخاص''. 2
لكن ادعاءهم لم يصمد طويلا، وكشف الزمن بطلانه، من خلال التمييز العنصري، والاضطهاد غير الأخلاقي الذي تعرض له الجزائريون، حتى أولئك الذين صدقوه في بداية الأمر عن حسن نية، وأرسلوا أبناءهم إلى المدارس الفرنسية .
ولعل الكاتب الفرنسي أوغست برنارد كان أوضح عندما أبان عن الهدف الحقيقي للاستعمار الفرنسي في الجزائر إذ يقول" إننا لم نحضر إلى الجزائر لإقرار الأمن، بل لنشر الحضارة واللغة والأفكار الفرنسية.. وليست الجزائر مستعمرة كالهند الصينية.. ولكنها جزء من فرنسا كما كانت أيام روما.. إننا نريد أن نجعل هناك جنسا يندمج فينا عن طريق اللغة والعادات.. وسيتم هذا بعد نشر لغة فيكتور هوغو".3
هذا القول وغيره - في الواقع -  يكشف عن حقيقة السياسة الثقافية الفرنسية في الجزائر كشفا واضحا، وهي تغيير معالم الثقافة الجزائرية من خلال محاربة مقومات الشخصية المحلة، بأبعادها المختلفة .  
مبدأ إفريقيا اللاتينية :
لم تكن المناداة بـ" إفريقيا اللاتينية " سوى وسيلة لتبرير الاحتلال الفرنسي للجزائر، ومنه إلى طمس الهوية القومية لهذا الشعب العربي الأمازيغي. وقد حركت فرنسا هذا الوتر ظنا منها أنها ستخدع الجزائريين، وتوهمهم أن أصولهم رومانية لاتينية ، وعليه فإن فرنسا وريثة الإمبراطورية القديمة هي حاضنتهم الطبيعية .
ولقد كانت منطقة القبائل الكبرى هي المستهدفة بالدرجة الأولى بهذا الشعار، لأن سكانها يتميزون في اللغة والثقافة عن العرب، كما أنها استغلت شعورهم بأنهم أضحوا أقلية في المنطقة، فأخذت تدعوهم إلى الحماية الفرنسية، والاندماج في الوطن الفرنسي كبديل عن الاحتلال (العربي الإسلامي) لبلادهم.
هذا التسلل عبر مسألة الهوية والانتماء كان واضحا أن الهدف منه هو استمالة الجزائريين لاستبدال الحماية العثمانية بالاحتلال الفرنسي، خاصة بعد أن أصبحت الخلافة العثمانية ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن مناطق نفوذها الشاسعة.
وانطلاقا من هذا المبدأ ظهر شعار الجزائر فرنسية الذي حاول الاحتلال تسويقه إلى العالم، وإقناعه به. وترتب عنه حركة استيطانية واسعة، وبناء المدارس الفرنسية في أطوارها المختلفة لتكون الأداة الفعالة في تغيير الطابع العمراني والثقافي للشعب الجزائري. وقد ترتب عن ذلك ازدواجية لغوية تجمع لغة فرنسية قوية وأخرى عربية ضعيفة بفعل التضييق على الناس في استعمالها، وتشجيع اللغة العامية كلغة منافسة وواسعة الانتشار، مما أدى في النهاية إلى "ازدواج شعبي"، وليس لغويا فقط، كان من آثاره أن "خلق في مجتمعنا تمزقا في الثقافة والتفكير والأخلاق وفي الحياة الاجتماعية نفسها" على حد قول عبد الله شريط. 4
تلك الحالة التي أجبرت الجزائريين بعد الاستقلال إلى طرح مسألة الهوية كنتيجة طبيعية لذلك التمزق الاجتماعي والثقافي الذي أحدثه الاحتلال، مما حذا بالرئيس بوتفليقة في أحد تصريحاته إلى القول:" لقد نفذ الاستعمار عملية إبادة لهويتنا وتاريخنا ولغتنا وتقاليدنا، فلم نعد نعلم ما إذا كنا أمازيغ أم عربا، أم أوروبيين، أم فرنسيين؟ ! 5
نشر اللغة الفرنسية :
لا شك أن فرنسا كانت في بداية عهدها في الجزائر تسعى إلى نشر اللغة الفرنسية كبديل للغة العربية الواسعة الانتشار في البلاد؛ فبقاء اللغة العربية لا يمكنه إلا أن يثبت شرائح المجتمع المختلفة على المطالبة بجلاء المحتل، أو محاربته حتى يغادر، خاصة أنها لغة القرآن الذي يشكل الجهاد ضد الظالمين أساسا مهما في تعاليمه السمحة. لكن فرنسة المجتمع الجزائري أيضا طرْحٌ فيه خطر على فرنسا؛ لأن خلق مجتمع متعلم أو مثقف في هذه البلاد لا يضمن أن يكون مواليا لفرنسا، لهذا تفطن بعض المفكرين الفرنسيين إلى ذلك، و مارسوا نوعا من التمييز حتى في تعليم الفرنسية لأبناء الشعب الجزائري، إن من منطلقات عنصرية ، أو من منطلق الخوف من المستقبل.
يعبر عن ذلك بيير مورلان بقوله:" لا يجب أن ننظر إلى المواطن الجزائري وكأنه ذو عقل شبيه بعقلنا, وإذا فكرنا في أن التعليم يستطيع أن يغيره تغييرا كاملا, فإننا نخالف بذلك بل نتجاهل قانون التطور الثابت ." 6
هذا منطلق عنصري واضح، يرسم الجزائري مخلوقا متخلفا أصلا، وغير قابل للتفكير مثل الفرنسي، أما المعمرون فقد كانوا يرفضون إنشاء أي تعليم لفائدة أبناء الجزائريين، لأنهم كانوا يرون أن التعليم من العوامل التي تدفع السكان للمطالبة بحقوقهم الشرعية، وأنه من أقوى الأسلحة لمقاومة الاستعمار, بالإضافة إلى انعدام ثقة الجزائريين بكل ما يصدر من السلطات الاستعمارية ." 7
وفي مظهر آخر من مظاهر الظلم الذي تعرض له أبناء هذا الوطن ثقافيا، ذهب المستشرقون الفرنسيون في الاستهانة باللغة العربية إلى حد كتابتها للجزائريين بالحرف اللاتيني، بدعوى وصولها السريع إلى الأفهام، وإذا كتبوها بالحرف العربي فهي بعيدة عن العربية الأصيلة، إذ يبدو فيها الضعف وسوء التركيب واضحين، ناهيك عن الأخطاء التي تعمدوا إدراجها رغم معرفتهم الجيدة للغة العربية، وقسموا العربية بناء على ذلك إلى قسمين هما: اللغة الكلاسيكية، ويعنون بها الفصحى، واللغة الحديثة التي يعنون بها المستحدثة والمختلطة بالعامية.
وكان من نتائج هذا الوضع، أن ضُيق مجال التعليم أصلا أمام الجزائريين، وإذا سُمح لبعضهم به فإما لأنه مطلوب للخدمة في الإدارة الفرنسية، فيساعد بذلك في تعامل المحتل مع أبناء شعبه، وإما لأنه من أبناء الطبقة المتعاملة مع فرنسا على حساب شعبها. أما الغالبية من الجزائريين فقد رأى المستعمر أن الجهل والتخلف أنسب لها، فتموت فيها جذوة النشاط والتفكير، ويركن إلى التمسك بالخرافات والبدع التي هي أقرب إلى المخدر الذي يوهم صاحبة بأنه كائن اجتماعي بينما هو أبعد ما يكون عن ذلك.
هذا أسوأ حل لجأت إليه فرنسا الاستعمارية على مستوى التعليم، فلا هي علمت الجزائريين اللغة الفرنسية حتى يتمكنوا منها علميا وثقافيا، ولا هي تركتهم يتعلمون لغتهم العربية، ويتعاملون بها كما كان الحال قبل احتلالها لبلادهم. وقد عبر عن ذلك أحد الفرنسيين بقوله:" أردنا أن نجعل من إخواننا المسلمين شعبا من الأميين... وقد كان الأمر يهون لو أننا لم نحرم عليهم إلا استعمال لغتنا، ولكن الواقع أن من متطلبات النظام الاستعماري أن يحاول سد طريق التاريخ عليهم، ولما كانت المطالب القومية في أوروبا تعتمد دائما على وحدة اللغة، فقد حرم على المسلمين استعمال لغتهم بالذات.8
وقد عملت جهات فرنسية على فرض واقع لغوي هو أقرب إلى نموذج جزر أمريكا الوسطى، الذي يعرف بلغة الكريول 9 ، تلك اللغة الفرنسية المبسطة إلى أقصى درجاتها مع اختلاطها باللغة أو اللغات المحلية، فتفقد بذلك قوة التعبير عن الفكر والثقافية، وتكون مجرد وسيلة اتصال بين الأفراد، فترسخ بذلك نوعا من التخلف لدى الشعوب التي تتحدث بها، وتميزهم عن الشعب الفرنسي وإن كانوا خاضعين لسيطرته.
الغزو الثقافي و التنصير :
إن الغزو الثقافي في مرحلة تاريخية مثل التي مر الشعب الجزائري في فترة الاحتلال ليس شعارا ولا ادعاء، بقدر ما هو حقيقة ثابتة لم يكن للجزائريين القدرة الكافية لصدها، بل إنها انتقلت من الغزو الثقافي إلى غزو الثقافة، والعلاقة بينهما كما يرى الطيب بن إبراهيم" موجودة ودقيقة ومرتبة ترتيبا أوليا ومرحليا ونوعيا، من ثقافة عامة ذات طابع غربي إلى ثقافة خاصة ذات طابع غزويّ استعماري فرنسي، هدفها بالدرجة الأولى خدمة الغزو الفرنسي الخاص ومصالحه الاستعمارية وخصوصيته الثقافية." 10
وهكذا وجدنا الفرنسة الطريق الأول إلى هذا الغزو، الذي تزامن مع التضييق على اللغة العربية بغلق المدارس العربية، خاصة تلك التي أنشأتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتي بدا واضحا أن الإقبال عليها من الطلبة كان واسعا جدا، ومنع المدرسين من تلقينها إلا بمراقبة فرنسية، وعلى نطاق محدود. وقد أشار العلامة ابن باديس إلى قانون الثامن من مارس 1939 الذي أصدرته السلطات الفرنسية قائلا: " أيها الإخوان هاهو هذا العزيز المفدى قد كشف في محاربته القناع، وأحيط به من كل جانب، وأديرت فيه الآراء، ودبرت له المكائد، ثم رمي عن قوس واحدة بالسهم المسموم: بقانون الثامن مارس المشئوم، ذلكم القانون الذي شاهدتم أثره في المدارس والمكاتب المغلقة، وأفواج الصبيان والصبيات المشردة، وفي وقفات المحاكم التي وقفتموها والمغارم التي دفعتموها، والسجون التي دخلتموها، وما لقيتم وتلقون من جهد وعنت، أشهد أنه لم ترم الجزائر المسلمة بمثل هذا السهم على كثرة الرمي وتفنن الرماة، فقد كان كل ما أصابها هو في بدنها، وفي غير معقد البقاء منها، أما هذا السهم فهو في روحها، في صميم فؤادها، في مصدر حياتها."
ولم تكتف فرنسا بذلك بل لجأت إلى وسيلة غاية في الهمجية، من خلال هدم المؤسسات الدينية والثقافية، وحرمان الجزائري الذي كان يحظى بقدر وافر من التعليم قبل الاحتلال من مصادر الوعي والمعرفة. ومن الغريب أن نجد الفرنسيين أنفسهم يعترفون أن نسبة الأمية في الوسط الجزائري قبل الاحتلال كانت ضعيفة جدا فالجنرال "فاليزي" في العام  1834 يقر بأن وضعية التعليم في الجزائر كانت جيدة قبل التواجد الفرنسي، إذ إن كل العرب (الجزائريين) تقريبا يعرفون القراءة والكتابة، بفضل انتشار المدارس في أغلبية القرى والدواوير. " 11
وقد مس التدمير المدارس والمساجد والزوايا، وقد كانت مؤسسات ثقافية مهمة بالنسبة للشعب الجزائري؛ فقد كانت الجزائر العاصمة وحدها تضم " قرابة 176 مؤسسة دينية سنة 1930 بين مسجد جامع ومسجد صغير وزاوية، ولم يبق منها سنة 1862 إلا 67 مؤسسة ثلثاها معطل لا دور له، أما الأخرى فقد " مسحت أو هدمت أو تم الاستيلاء عليها أو حولت وظيفتها لأغراض غير الأغراض التي بنيت من أجلها ." 12
فكيف – و الحال هذه – لا ينتشر الجهل والأمية، وتصاب الثقافة في مقتل؟ وكيف لا يكون نتيجة ذلك كله حدوث موجات هجرة واسعة إلى المشرق العربي والدول المجاورة، بحثا عن الحرية في التعبير والحفاظ على ما يمكن من آثار الثقافة الجزائرية ليعاد تكوينها في المهجر؟ وكيف لا تنتشر ثقافة المحتل الفرنسي الموجهة بمعونة دراسات نفسية واجتماعية إلى محاربة الإنسان في شخصيته ومبادئه، دون أن تستقبله كلية في رحابها كبديل عما فقده؟ وكأن المحتلين كانوا يريدون الوصول بهذا الإنسان إلى حالة من التمزق القفافي والاجتماعي، بحيث لا يشعر أنه عربي أو أمازيغي مسلم ولا أنه فرنسي يتمتع بما يتمتع به الفرنسي من مستوى معيشي وثقافي يرفعه إلى مصاف الكرامة الإنسانية.
وفي تزامن مع هذا الخراب الثقافي، تواصلت موجات التبشير المسيحي، في محاولة لاستغلال الأوضاع المأساوية للشعب الفقير المقهور، وفي هذا الصدد يرى أبو القاسم سعد الله أنه" في عقد الستينيات وبخاصة بعد كارثة المجاعة التي أصابت الحرث والنسل، قام الكاردينال لافيجري بتأسيس جمعية ( الآباء البيض ) التي انتشرت في شمالي إفريقيا، تفتح المدارس والمصحات ومراكز التكوين المهني للتوغل بين السكان, في محاولة لتقريبهم من النصرانية إن لم تستطع تنصيرهم كليا، وقد جذبت إليها أعداداً هامة من الأطفال في المدار، واهتمت بالبنات في مراكز التكوين المهني، وقدمت الدواء للمرضى والمشردين والعجزة، تحت ستار المساعدة والأعمال الخيرية، بينما كان الهدف تنصير الجزائريين بالتعليم ذي البرنامج التمسيحي الصريح، أو برنامج لهدم العقيدة والأخلاق الإسلامية، وبث التقديس للأمة الفاتحة، ولحضارتها وثقافتها." 13
أما الصحافة التي حاول كثير من المفكرين الجزائريين الاستعانة بها لنشر الوعي، فقد تعرضت هي الأخرى إلى حملات توقيف ومصادرة كلما أحست السلطات الاستعمارية أنها تشكل خطرا عليها، وقد رأينا كيف أن صحفا لم تتعد العدد الأول أو الثاني في صدورها، مثل جريدة( الميزاب ) في الجنوب، التي صدر عددها الأول والوحيد في 25/01/1930، و(الجزائر) التي أصدرها عمر راسم عام 1908 وقد أغلقتها الحكومة الفرنسية بعد أن صدر منها عددان فقط ، ثم صدرت عام 1911 م، وبعدها أصدر( الحق) في مدينة وهران، ولم تعش هي الأخرى إلا مدة قصيرة ثم أغلقتها الحكومة الفرنسية، وفي أفريل من سنة 1913 م صدرت جريدة (الفاروق)  للشيخ عمر بن قدور، الذي يعتبر من أتباع المدرسة الإصلاحية الإسلامية المتأثرة بالشيخ محمد عبده ومجلة المنار للشيخ رشيد رضا، فأراد أن يقلده في مكافحة البدع والخرافات، لكن الحكومة الفرنسية أغلقتها وقامت بنفي صاحبها إلى واحة الأغواط ولم يفرج عنه حتى نهاية الحرب العالميـة الأولى 14
وثمة عدد آخر كثير من الجرائد والصحف التي توالى صدورها، وسرعان ما ووجهت بقرارات التوقيف ومعاقبة أصحابها بعقوبات مادية أو معنوية، خاصة تلك التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مثل (ميزاب) عدد واحد 25/01/1930م؛ و(المغرب) 38 عددا من 29/05/1930 إلى 09/03/1931م؛ و(النور) 78 عددا من 15/09/1931 إلى 02/05/1933م؛ و(البستان) 10 أعداد من 27/04/1933 إلى 13/07/1933؛ و(النبراس) 6 أعداد من 21/07/1933 إلى 22/08/1933؛ (الأمة) 170 عددا من 08/09/1933 إلى 06/06/1938. 15
وهكذا تحالف الاستعمار الفرنسي والاستشراق والتنصير والغزو الثقافي والفكري ضد هذه الأمة لتفتيتها والقضاء على هويتها وثقافتها، لتسهل السيطرة عليها في المنظور المتوسط والبعيد.
موقف النخبة المثقفة من جرائم الاحتلال الفرنسي :
على الرغم من أن جرائم الاحتلال الفرنسي الثقافية كانت غاية في القسوة، إلا أنه من مجانبة الصواب القول بأن النخبة المثقفة لم تستطع فعل شيء أمام هذا الواقع المأساوي، بل إنها حاولت بكل الطرق في سبيل الحفاظ على هوية ومقومات هذا الشعب المحتل؛ ففي مجال الإصلاح الديني رأينا كيف تصدت جمعية العلماء لكثير من المخططات الاستعمارية، رغم ضعف حيلتها أمام القرارات التعسفية التي تعرضت لها؛ فقد ابتدعت طرقا ووسائل مختلفة لإيصال الوعي إلى الناس، بما في ذلك الرحلات والجولات الداخلية للبوادي والقرى، والتي ظهر لاحقا أنها آتت أكلها.
وعلى أصعدة التعليم والثقافة، استطاعت النخب الجزائرية أن تبرهن عن وطنيتها، وتثبت ذاتها رغم الأسلوب الهادئ والمراوغ أحيانا الذي انتهجته في تعاملها مع سلطات الاحتلال، وإننا لنقف على أسماء كبيرة كان لها عظيم الأثر في التاريخ الثقافي للجزائر الحديثة.، ويمكن تصنيفها في نخبتين أساسيتين هما:
1 - نخبة مسترجعة للتراث الثقافي الأصيل مثل محمد بن أبي شنب (1869-1929) الذي كان له دور بارز في مجال التعليم بالمدارس والجامعات المتوفرة آنذاك، وعبد الحليم بن سماوة (1866-1933)، ومصطفى لشرف (1917-2006)، وعبد القادر مجاوي(1848-1913)، ومبارك الميلي (1987-1945)، وأحمد توفيق المدني (1899-1983)، والإمام طفيش (1818-1914)، والشيخ إبراهيم بيوض (1899-1981).
2 - نخبة داعية للتفتح والتثقيف مثل: الحكيم محمد نقاش(1854-1942)، وفاتح بن إبراهيم (1850-1928)، ومحند تازروت (1893-1973)، وعبد القادر مقيدش (1914-1998)، وجلول بن قلفاط (1903-1989)، ومحمد بن عمر جباري (1918-). 16
إن هاتين النخبتين عاشتا ظروفا ثقافية صعبة، في ظل سياسة استعمارية مدعومة بآلة عسكرية رهيبة، لهذا كله وجدناها تطالب- إن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- بضرورة تحرير البلاد والعباد من الغبن الاجتماعي والثقافي الذي يسببه الاحتلال بدعم من الاستشراق الفرنسي الذي تكاد تجمع الدراسات الثقافية على أنه أكثر قسوة على الثقافة والفكر العربيين الإسلاميين في الجزائر من نظيره الإنجليزي لمصر مثلا؛ ذلك أن الضرر في مصر اقتصر على النخب العلمية العليا كطلبة وأساتذة الجامعات، والمجامع اللغوية والثقافية، بينما في الجزائر فقد امتد الأثر إلى شرائح المجتمع البسيطة التي حرمها حتى من مصادر التنوير والتعلم، وهو حق من حقوق الإنسان المشروعة.
نتائج السياسة الثقافية للاحتلال الفرنسي:
لقد كان للسياسة الثقافية التي انتهجها الاحتلال الفرنسي للجزائر نتائج أهمها:
1- انتشار الجهل والأمية بشكل لا مثيل له، بحيث ورثت الحكومات الجزائرية المتعاقبة وضعا ثقافيا مزريا، ففي مجال محو الأمية وحده، بذلت جهود كبيرة للقضاء على الظاهرة، لكن توغلها في المجتمع حال دون القضاء عليها نهائيا.
2- التشكيك في هوية الشعب الجزائري، من خلال ازدواجية الشخصية الثقافية تبعا لازدواجية اللغة المتحدث بها. وقد ترتب عن هذا سؤال غريب يطرحه العرب المشارقة خاصة وهو: هل الجزائر حقا بلد عربي؟ بالنظر إلى انتشار اللغة الفرنسية بين المثقفين واللغة الدارجة المليئة بالمفردات الفرنسية بين العامة.
3- هجرة المثقفين إلى الخارج، خاصة إلى المشرق العربي أين كانت الضغوط على الثقافة العربية أقل مما هي عليه في الجزائر، ورغم أن الهجرة العلمية مفيدة في بعض جوانبها إلا أنها تترك فراغا رهيبا على المستوى التعليمي والثقافي، مما يشعر الشعب أنه مطالب بالحفاظ على حياته فقط ، وليس التفكير في بناء مجتمعه على أسس علمية متينة.
4- ضياع الكثير من مصادر المعرفة كالمخطوطات والتحف الفنية التي استولى عليها المستشرقون وغيرهم إما بغرض دراستها أو بغرض إبعادها عن الوعي العام، لأن أغلبها كان دينيا أو لغويا.
5- تشجيع البدع والخرافات لتكون بديلا عن التفكير العلمي الواعي الذي عملت النخب الثقافية الجزائرية على زرعه من خلال المدارس والجمعيات، وقد رأينا كيف نجحت فرنسا في إذكاء الحرب بين جمعية العلماء المسلمين وبين بعض الفئات الطرقية التي استسلمت للأمر الواقع، وتقوقعت حول الأحلام والأماني والأوهام، هروبا من الواقع المأساوي العام الذي تعانيه البلاد.



*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4988
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى