منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 5 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 5 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1301 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو الوافي فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

الحوارية أو تفجير الخطاب الموحد “رؤية في نصية الخطاب الروائي” الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحوارية أو تفجير الخطاب الموحد “رؤية في نصية الخطاب الروائي” الجزء الثاني

مُساهمة من طرف مدير المنتدى في الخميس 26 مايو 2011, 21:57


بقلم: د.لبوخ بوجملين : أكاديمي وباحث . من الجزائر .


إنه انطلاقا من هذه الأحداث، تنفتح نافذة أخرى على وقائع العشرية السوداء، التي عصفت بالجزائر، جرّاء الأحداث التي تلت توقيف المسار الانتخابي سنة 1991، وهو ما تضمنته رواية “عابر سرير” على لسان الصحفي المصوّر، الذي أرادته الكاتبة أن يكون عينا وناقلا لتلك الوقائع.إن هذا النوع من التناص، يوضّح بأن النص الأدبي يعكس تاريخا محادثيا في إطار الحوار بين الشخصيات، كما يشير إلى إمكانية توسيع المفهوم إلى التواصل بين الفعاليات السردية؛ بمعنى على المستوى الكلي لبنية الروايات، لنصل بذلك إلى مفهوم “التناص الداخلي Intratextualité “، الذي يؤكد التواصل الحاصل بين الروايات، واكتمال المشروع الروائي للكاتبة الذي كان جزؤه الأول “ذاكرة الجسد”، وبطلها الرسام خالد بن طوبال “الراوي” وحياة هي المروي-له، وجزؤه الثاني “فوضى الحواس” بطلها الروائية ممثَّلة في الراوي الضمني حياة والمروي-له الصحفي الذي انتحل اسم الرسام خالد بن طوبال، وجزؤه الثالث “عابر سرير” أين نصغي إلى صوت رجل يخاطب امرأة، هي نفسها حياة. إن لعبة التماثلات قد أتاحت للروائية أن تولّد الرواية من الرواية، وبما أن الرواية الأولى مثّلت صورة لعالم روائي مكتمل أُنجز سابقا، فهو يطرح فرصة سانحة إذا ما أُعتمد كمستند أو مرجع أو مصدر تخييل لعالم روائي جديد. وتتنزّل العملية على صعيد سرد مغامرة كتابة الرواية مع دعوة ضمنية للقارئ للفرجة على براعة الرواية في تحريك دواليب نص روائي مركّب وللإطّلاع على ما يدور في هذه الحضيرة الإبداعية، على أن يستفيد مما قد تعرضه عليه من وصْفات روائية:«أن تعيش مأخوذا بلغز غامض حدّ الإغراء وحدّ الإزعاج أحيانا…قد تكون فرصتك في كتابة رواية جميلة هذا ما إذا كنت روائيا»[1].
إن هذا المنهج قد وسم “ذاكرة الجسد” وتواصل في “فوضى الحواس”، و”عابر سرير”، مما يعني أن الروائية لم تتخل عن أبطالها الذين صنعتهم[2].
ويبلغ التناص الداخلي منتهاه عندما نقف على العديد من مظاهر التكرار بين الروايات، وكأنها إحالات ضمنية، تشكّل رخصة للعبور من رواية إلى أخرى، كما نلاحظ في هذا المقطع:
كان يختصر لي حياته من خلال السيرة الذاتية ليد أصبحت ليتمها “ذاكرة الجسد”. إنه يتم الأعضاء.[3] يبيّن هذا المقطع إلى أي مدى يمكن للرواية أن تصبح تأريخا محادثيا بين القارئ والروائي، حين تفتح الرواية أبوابها فاسحة المجال لولوج القارئ إلى مكمن أسرارها، ورغم أن النص قد يجسد فعلا الأعراف والقيم الاجتماعية لقرائه المحتملين، فإن وظيفته لا تقوم فقط بعرض مثل هذه المعطيات، بل في الحقيقة باستعمالها لكي تضمن فهم النص[4] ويلعب تكرار اللوحات الروائية بين رواية وأخرى دورا فعّالا في إدخال القارئ معترك الأحداث، ليصبح شخصية مشارِكة، كما في هذا المثال:
الذين قالوا: وحدها الجبال لا تلتقي أخطأوا، والذين بنوا بينها جسورا لتتصافح من دون أن تنحني، لا يفهمون شيئا في قوانين الطبيعة.
الجبال لا تلتقي إلا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى، وعندها لا تتصافح إنما تتحول إلى تراب واحد.[5]
إنه المقطع نفسه يتكرر في الصفحة 181 من “عابر سرير”، مما يؤكد التواصل بين الروايات، ومنه بين الشخصيات، ويبرز التناص الداخلي أكثر عندما يصبح في النص الواحد، كما في “فوضى الحواس”، أين يتكرر هذا المقطع من الصفحة 9، في الصفحة 180 من نفس الرواية:
تمرّان بمحاذاة شفتيها، دون أن تقبّلاهما تماما. تنزلقان نحو عنقها، دون أن تلامساه حقا، ثم تعاودان صعودهما بالبطء المتعمّد نفسه. وكأنه كان يقبلها بأنفاسه، لا غير.[6]
إلا أنه في هذه المرة يتكرر بضمير المخاطِب (أنا). وبهذا فإن التناص الداخلي عند مستغانمي، يصبح آلية دقيقة تخلق “تقليدا قرائيا” بين الروائي وقارئه، في حال أن النص، وبغرض إبراز دلائليته، يقوم ببرمجة قارئ يقرأ العمل كله، وهنا يصبح للتمفصل بين “المتعاليات النصية” والتواصل مؤلف/قارئ منخرط، شكلا جديدا من الملاءمة والتناسب، وهو ما نقف عليه من خلال هذه الإحالة المباشرة من طرف الكاتبة:
ما يدهشني هو كون هذا الرجل، يواصل معي قصة بدأت في رواية سابقة، وكأنه يعيد إصدارها في طبعة واقعية. من نسخة واحدة.
حتى أنه يوم قبلني أول مرة، أمام مكتبته، قال “نحن نواصل قبلة..بدأناها في الصفحة 172 من ذلك الكتاب..في هذا المكان نفسه”.
وعدت إلى كتبي، بحثا في رواياتي عن الصفحة 172 في كل كتاب. وعثرت على تلك القبلة، مطوّلة، مفصّلة، مرتجلة، كما حدثت ذات يوم بين الرسام، وتلك الكاتبة.[7]
1.4.النص اللاحق:
والمقصود بالنص اللاحق هو نوع من التماهي الحاصل بين نصين، إما بواسطة تحويل وتغيير نص سابق عبر نص بديل أو الاكتفاء بتقليد نص لنص سابق، وتنتمي لهذا الصنف كل أنواع المعارضات والمحاكاة الساخرة، كما نلاحظ في هذا المقطع الذي يحمل نوعا من السخرية الممزوجة بالألم:
كانوا سلاطين ووزراء ماتوا وقبلنا عزاهمْ
نالـوا من المال كثرة لا عزّهم..لا غناهم
قالــوا العرب قالوا ما نعطيوْ صالح ولا مالو..
أتذكر وأنا أستمع لهذه الكلمات، أغنية عصرية أخرى وصلتني كلماتها من مذياع بموسيقى راقصة..تتغزل بصالح آخر “صالح..يا صالح..وعينيك عجبوني..”.
إيه قسنطينة، لكل زمن “صالحه”..ولكن ليس كل “صالح” بايًا..وليس كل حاكم صالحا![8]
إنه توظيف للثقافة الشعبية في التعبير عن أبعاد فكرية عميقة، في إشارة إلى التحولات السلبية للمجتمع، فبعد أن كان التغني بالشخصيات التاريخية ومآثرها وذكر مثالبها، أصبح التغني بشخصيات خيالية مفرغة من أي بعد تاريخي.
وقد يتحقق هذا النوع في إطار ما يسميه جينت ﺒ “Transmodalisation“، وهو شكل من أشكال تحويل النص الأصلي إلى شكل جديد، كما هو الأمر بالنسبة لمشروع تحويل ذاكرة الجسد إلى سيناريو لمسلسل تلفزيوني.
1.5.الميتانصية:
«أي أن يكون التناص متعلقا بوصف أو دراسة نص آخر، ويدخل النقد الأدبي باعتباره نصا واصفا في هذا المجال كما يُعدُّ مثالا نموذجيا»[9].
وهذا المستوى من المتعاليات النصية، يأخذ شكلين عند أحلام مستغانمي: شكل خارجي، يتمثل فيما قالته الكاتبة عن رواياتها أثناء الندوات، أو اللقاءات الأدبية المختلفة، وشكل داخلي، يتمثل في التعليقات التي قد نجدها داخل الروايات، في شكل شروحات أو تفسيرات لآلية الكتابة، أو وجهات نظر نقدية مبثوثة في رواياتها، وهو ما نلاحظه في هذا المقطع من رواية “فوضى الحواس” عندما تبدأ الكاتبة في منح القارئ فرصة الإطّلاع على بعضٍ من آرائها النقدية تجاه الرواية:
كيف لي بعد الآن، أن أكون الراوية والروائية لقصة هي قصتي. والروائيُّ لا يروي فقط. لا يستطيع أن يروي فقط. إنه يزوّر أيضا. بل إنه يزوّر فقط. ويلبس الحقيقة ثوبا لائقا من الكلام.
لذا فإن كل روائي يشبه أكاذيبه، تماما كما يشبه كل امرئ بيته.
وصلت إلى هذه الفكرة وأنا أتذكر ما قرأته عن الكاتب الأرجنتيني بورخيس الذي أصبح أعمى تدريجيا، والذي كان عندما يصل إلى مكان، يطلب من مرافقه، أن يصف له لون الأريكة، وشكل الطاولة فقط. أما الباقي، فكان بالنسبة إليه “مجرد أدب”. أي بإمكانه أن يؤثّثه في عتمته..كيفما شاء.
عندما تعمّقت في منطقه، اكتشفت أن كل رواية ليست سوى شقة مفروشة بأكاذيب الديكور الصغيرة، وتفاصيله الخادعة، قصد إخفاء الحقيقة، تلك التي لا تتجاوز، في كتاب، مساحة أريكة أو طاولة. نفرش حولها بيتا من الكلمات، منتقاة بنوايا تضليلية، حدّ اختيار لون السجاد..ورسوم الستائر..وشكل المزهرية.
ولذا تعلمت أن أحذر الروائيين الذين يكثرون من التفاصيل: إنهم يُخفون دائما أمرا ما!
تماما، كما يحلو لي أن أتسلى بقرّاء يقعون في خدعتها، بحيث لا ينتبهون لتلك الأريكة التي يجلسون فوقها طوال قراءتهم لذلك الكتاب، متربعين على الحقيقة.
منذ الأزل.. وأنا أبحث عن قارئ يتحداني، ويدلني أين توجد “الطاولة” و”الأريكة” في كل كتاب![10]. إن هذا النوع من التعليقات لا يحيل فقط إلى الرواية في ذاتها، أو إلى قصة الحب بين الراوية-الروائية-الشخصية وحبيبها، ولكنه يحيل أيضا إلى مفهوم الكتابة عند أحلام مستغانمي، منظور إليها على أنها لعبة أكاذيب ومراوغة في غياب قارئ جاد ومتفهّم.
ويتكرر هذا النوع من التعليقات في روايات مستغانمي، مانحا للقارئ فرصة اكتشاف أسرار الكتابة ومعاناتها.
1.6. جواريه النص:
لقد تحاورت أحلام مستغانمي، خلال حياتها، مع قراء من محيطها الخاص: سهيل إدريس، واسيني الأعرج، نزار قباني… فبعض هؤلاء أصدقاؤها، والبعض الآخر معجبون، فهذه الحوارات هي من صميم حياتها الخاصة، فالكلام عن لقاءات أحلام مستغانمي بأصدقائها، سواء أكانوا كتّابا، أم صحفيين، أم مثقفين، قد يوحي لأي متتبع لحياة الكاتبة بأنها لم تنفصل يوما عن كونها كاتبة تمارس الاستمرار حتى خلال حياتها اليومية، أين تلتبس اليوميات العادية للكاتبة بالمتخيل المطلق، فلا يُنظر إليها إلا عبر كتاباتها، لتمتزج أحلام مستغانمي الكاتبة المبدعة، بأحلام مستغانمي الإنسانة التي تمارس طقوس حياتها كغيرها من الناس، تحمل الهم العربي، والحلم العربي، في لغة عربية جميلة تأبى الاستسلام والمداهنة، إنها تحيا زمن الخيال المبدع، مفتونة بحياتها، مفتونة برواياتها، إنها تقدم نفسها كائنا حبريا قويا بما كتبت، وبما ستكتب، إنها لا تفسح المجال للفصل بين ما تعيشه وما تكتبه، لذلك فإنها تضع القارئ في فضاء لا متناه، وشفاف.
•الاستجواب الصحفي:
لقد أجرت الروائية أحلام مستغانمي الكثير من اللقاءات والاستجوابات الصحفية التي كان موضوعها، أساسا، رواياتها بدءا من “ذاكرة الجسد” وما أثير حولها من جدل في عالم الصحافة الأدبية وغير الأدبية، ثم ظهور روايتها الثانية “فوضى الحواس” التي أمدتها بالثقة، وكانت لها بمثابة الدليل على أنها روائية واعدة، لتتم ثلاثيتها برواية “عابر سرير”، وتكون بذلك قد وضعت نفسها في سياق الحركة الأدبية العربية، بله العالمية.
لذلك، فإنه ليس غريبا أن تظفر مستغانمي بسجل صحفي حافل، وتتوالى عليها عروض كثيرة فتحت لها المجال واسعا للتعريف بنفسها وبأدبها، ويمكن، هنا أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، لقاءها الصحفي مع قناة الجزيرة في برنامج منبر الجزيرة الثقافي الذي ينشطه الصحفي “توفيق طه”، وبرنامج “خليك بالبيت” بقناة المستقبل اللبنانية، وبرنامج “أهل الكتاب” في التلفزيون الجزائري الذي يديره الكاتب والروائي المعروف “واسيني الأعرج”، وهو أحد أصدقاء الكاتبة، والكثير من اللقاءات والاستجوابات الصحفية في مختلف الجرائد والمجلات العربية المتخصصة وغير المتخصصة.
فإذا جئنا إلى برنامج “أهل الكتاب” الذي ينشطه الروائي المعروف واسيني الأعرج، وهو برنامج ثقافي أدبي استطاع أن يبني له شهرة واسعة بين صفوف المثقفين، والأدباء، نقول إن الحلقة التي استضيفت فيها الروائية مستغانمي لم تكن حلقة عادية، لأن صاحب البرنامج، الأديب واسيني الأعرج، وجد نفسه أمام روائية تشق طريقها إلى الشهرة بخطى متسارعة، واستطاعت في فترة قصيرة أن تكون موضوعا ملحا على الصحافة العربية والعالمية، فنحن، إذن، أمام حصة تعكس منشطا له مكانته الأدبية، وروائية ذات شهرة، مما يعطي للبرنامج بعدا مميزا، إن على مستوى الشكل أو على مستوى الموضوع.
على مستوى القانون التواصلي، نحن في الإطار الكلي للاستجواب التلفزيوني الذي يعد أحد مظاهر التفاعلات الإضافية حسب فيون VION، ومع أن هذا الأخير لا يمارس تمييزا بين الاستجواب واللقاء[11]، على الرغم من الفرق الموجود بينهما، فمن البديهي أنه إذا استثنينا اللقاءات الأخرى الخارجة عن اللقاء الصحفي، فإن الحدود الفاصلة بين هذا الأخير وبين الاستجواب ستكون دقيقة جدا، مع أن كربرات-أوركيوني تفصل بينهما، إلى درجة أن السمات التي تميز بينهما قد تصل حد التناقض الواضح[12]، مع أن البعض يجعل من اللقاء لقاءا بين شخصين متساويين، إلا أن غاسبان Guespin، يقر بأن اللقاء يرتكز على «وضعية عدم التساوي بين المحقق والشاهد»[13]، ويشير جيرار جينت إلى أنه غالبا ما نظر إلى المصطلحين على أنهما مترادفين، وعليه يضع تمييزا بينهما يرتكز على الطول والقصر، فيقول: «[...] أسمي الاستجواب حوارا، مختصرا ورصينا يقوم به صحفي محترف حول كتاب قبيل صدوره؛ وأسمي اللقاء، حوارا موسعا عموما، بوتيرة أكثر طولا، ودون مناسبة محددة، أو أكثر اتساعا من أية المناسبة كما هوا لحال عند نشر كتاب، أو الحصول على جائزة، أو أي حدث آخر يشكل فرصة للاستذكار، ويقوم به، في أغلب الأحيان، وسيط لا يستهدف الكاتب، ولا يشخص اللقاء، وينصب اهتمامه على العمل فقط، وقد يكون صديقا للكاتب، [...]. إلا أن هذا التمييز لا يظهر عمليا، أين نلاحظ استجوابات صحفية تُدار على طريقة اللقاء (وليس العكس)»[14].
يقوم تمييز جينت إذن، على نقطتين أراهما أساسيتين: الأولى، هي طول اللقاء، والثانية، هي شخصية المستجوب، ونذكر هنا أن شرودو Charaudeau تكلم عن الوضعية، وغاسبن تكلم عن دور التفاعل المتبادل، وجينت عندما أثار إشكالية وضعية المستجوب، تكلم عن الرابطة البين شخصية، فاللقاء، بهذا، يزيد من تعقيد تحليل المقامات التي تنشأ بين المستجوِب والمستجوَب، بحكم الوضعية والروابط البين شخصية بين المتحاورين، تقول كربرات-أوكيوني في هذا السياق: «[...]إن الأمر يتوقف على الطبيعة الخاصة للاستجواب، وشخصية الأطراف الحاضرة، وكذا المستوى المتوقع –فمن زاوية النظر إلى البناء التفاعلي، فإن المستجوِِب هو الذي يهيمن بشكل مطلق، أما من زاوية محتوى الموضوع المتبادل، فإن المستجوَب هو الذي يوفر مادة محادثاتية، وهنا ينمحي المستجوِب أمام شريكه. وبغض النظر عمن يهيمن أثناء الاستجواب، فمن المؤكد أن هذا الأخير له خصوصيات تميزه عن (المناقشة وعن الندوة)، من خلال تباين أدوار التفاعل، فمهمة المستجوِب هي طرح الأسئلة بغرض افتكاك المعلومات من المستجوَب الذي من مهامه توفيرها من خلال الأجوبة [...]»[15]
إن للاستجوابات واللقاءات الصحفية خصائص تميزهما عن المحادثات العادية؛ ومن بين هذه الخصائص أن زمنهما محدد مسبقا، فزمن اللقاء أطول من زمن الاستجواب، كما أن لهما أهدافا مسطرة، ثم إن الأدوار في اللقاء الصحفي أوفي الاستجواب تكون متفاوتة ومتكاملة في الوقت نفسه: فهي تتأرجح بين سائل ومجيب، ومع ذلك فإن الأمور تزداد تعقيدا على مستوى مكانة ومنزلة المتحاورين بين أبسط استجواب واللقاء، حتى وإن تم تحديد دور كل واحد منهما أثناء الحوار، فإن الوضع المتميز للصحفي منشط اللقاء وكذا العلاقة الشخصية التي قد يقيمها مع ضيفه تصعب من تحليل الوضعيات، فالصحفي، في أبسط استجواب، يحمل على عاتقه دور طرح الأسئلة وتنظيم الحوار، ليضمن بذلك الانسجام، وكذا عدم الخروج عن المواضيع المبرمجة أثناء حواراته، كما أنه يقوم بملء فترات الفراغ، وبرمجة النهاية، وهوا لمسئول عن وضوح مضمون الرسالة الموجهة إلى الجمهور، وبما أنه قد يكون مجرد منشط بسيط فإن ذلك لا يمنحه فرصة لسرقة الأضواء من ضيفه الذي قد يكون صاحب مكانة مرموقة.
وعليه، فقد يصبح المشهد مغايرا بين المكانة والدور، فالشخصية المهمة –أعني المؤلف- قد يكون لها دورا تفاعليا سلبيا بما أنها تنساق إلى المستجوب الذي يمتلك الدور الأساسي في تنظيم هذا الحوار، إن هذا الفرق بين الدور والمكانة في التفاعل الصحفي مهم جدا، ففي الحياة العادية نجد أن صاحب المكانة الأعلى هو الذي ينظم ويقنن المحادثات، وتبلغ هذه البنية أشدها عندما يكون الحوار بين صحفي مشهور يسائل شخصية مشهورة ما لم يكن بينهما علاقة شخصية تضفي على الحوار نوعا من الودية، وهو ما لحظناه أثناء برنامج “أهل الكتاب” أين هيمنت علاقة الصداقة بين واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي لتضفي على الحصة شكل المحادثة الودية.
إن الاستجواب واللقاء الصحفيين يشكلان في جوهرهما استعارة تواصلية Trope communicational، وهو ما تشير إليه أوركيوني بقولها:«[...]إن كل المعلومات التي يدلي بها المستجوَب لابد أن تنقل فورا (أو بطريقة غير مباشرة إذا كان الاستجواب مكتوبا) إلى شخص ثالث، الشاهد على إخراج الاستجواب، في نفس الوقت الذي تنقل فيه إلى المتلقي المقصود (وهو المقصود ﺑ “الاستعارة التواصلية”)»[16] .
إذن، فإن الحوار بين شخصين لا يعدو أن يصبح بنية ثلاثية «Triadique»، وإن كان يدور بين طرفين فقط، لأنه موجه إلى مشاهدي التلفزة، والمستمعين، أو القراء، وبالتالي فالعملية التواصلية لا تقتصر على المتحاورين فقط بل تتعداهما إلى مساحة تفاعلية أوسع، كأن يتحول منشط الحصة إلى الجمهور بواسطة قراءة بعض المقاطع من الكتاب، أو فقرات بعينها تعطي المشاهد أو المستمع فرصة الاقتراب أكثر من الكاتب.
وفي إطار احترام الأدوار التي يلعبها كل من المنشط وضيفه، فإن التوجه إلى الجمهور المتتبع للحصة يأخذ شكلا معينا، كأن يقدم المؤلف نفسه مؤلفا إعلاميا بطريقة أو بأخرى كما فعلت أحلام مستغانمي حين قدمت نفسها على أنها كاتبة رغبة وليس شهوة في ردها عن سؤال للصحفي:
مؤيد صلاح اسكيف، حين سألها: يقال عنك بأنك كاتبة رغبة وليس شهوة…ما تعليقك على ذلك؟ فأجابت: «صحيح تماما…لأني أحب أن أكون مشتعلة بالاشتهاء، جميلة هي مرحلة الرغبة..الرغبة المكابرة، غير المعلنة المواربة، الملتبسة، لأن الشهوة لا تقتل فقط شيئا فنيا وإنما أيضا النص الأدبي، ولهذا لا يوجد في أعمالي إلا القبلة في الرواية، فالقبلة تعطي قدرا كبيرا من المتعة لأنها تشعل الحواس الخمس، بينما الفعل الجنسي لا يحتاج ربما لكل هذا…»[17].
إن على المؤلف الحقيقي إذن، أن يظهر بمظهر إعلامي ملائم للصورة التي رسمها له القارئ من خلال عمله الأدبي، وأن يسعى إلى إغراء عدد آخر من القراء على اعتبار أن القارئ الافتراضي سيصبح قارئا حقيقيا، لأن في ذلك كله مراعاة للبعد التجاري. أما بالنسبة للصحفي، فإن فكرة الأدوار تبقى معقدة، وعليه أن يستغلها بطريقة تجعل منه مجرد رابط، ويقدم المعلومات المتعلقة بالمؤلف كشخصية يستلزم معرفتها، كما باستطاعته أن يفضل تشكيل الفكرة على اعتبار أنه ليس فقط منشطا-مشهورا: إنه أيضا قارئ حقيقي للروائي الذي يقوم باستجوابه وهو مطالب بتقديمه ليس فقط للقراء الافتراضيين أو للقراء الممكنين، ولكن أيضا للمشاهد المعتاد.
والخلاصة، أنه من النظرة الأولى يبدو وكأن الحوار بين المؤلف والقارئ الفعليين بعيد كل البعد عن الحوار الروائي، إلا أن صورة المؤلف التي يمكن استنتاجها من الاستجوابات الصحفية قد تقترب في كثير من الأحيان من تلك التي نرسمها له من خلال قراءتنا لرواياته، أين يكون المؤلف المنخرط في العمل كائنا مزاجيا، وانفعاليا، ومتواطئا مع القارئ.
لقد حاربت أحلام مستغانمي الفشل في كل لقاءاتها الصحفية، فكانت في كل مرة تؤمن بهدم، وقلب ما هو مناف لكتاباتها: الترهات السياسية، والاجتماعية، وحتى الأدبية:
«لا يمكن لي أن أشبه الذين يتباكون في التلفزيونات على الجزائر، أعتقد أنه يجب أن تتوقف هذه المسرحية، الجزائر لا تستحق هذا، ومن لم يكن ممنوعا من دخول الجزائر فليتفضل، من يحب الجزائر يجب أن يكون جميلا في تصرفاته، يشعر في كل لحظة أنه سفير لهذا الوطن. قد يكون من حق الآخرين أن يسقطوا، لكن السقوط ليس من حق الكاتب الجزائري خصوصا الكاتب الذي ينتمي إلى نفس الجيل الذي أنتمي إليه أنا. لقد جئت في نفس الطائرة التي أقلت جميلة بوحيرد…»[18].
إنها تؤمن بهدم فكرة التمييز، هدم اللغة التي نعتبرها عنصرا رمزيا لمعقولية الذكر، والتي تعجز عن التعبير عن المرأة ككائن عاجز، وتؤمن بهدم الكتابة في حد ذاتها أو لغة الكتابة الأدبية.
سواء بواسطة الكتابة أو الكلام أو الخطاب الإعلامي، فإن أحلام مستغانمي تحاول التأثير بانفعال، فهي توصل حقيقتها إلى العالم، وبذلك تصنع بالعبارة “المؤلف-المقدس” أو “الكاتب الملعون” حسب “دينس denes“[19].


*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 5049
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحوارية أو تفجير الخطاب الموحد “رؤية في نصية الخطاب الروائي” الجزء الثاني

مُساهمة من طرف ونشريس في الإثنين 17 ديسمبر 2012, 17:17

شكرا على الانتقاء المتميز

avatar
ونشريس
عضو ممتاز
عضو ممتاز

عدد المساهمات : 393
نقاط : 2491
تاريخ التسجيل : 20/09/2012

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى