منتدى رحاب الكلمة
مرحبا بكم في منتدى رحاب الكلمة.أنت غير مشترك معنا سجل الآن
مجانا
المواضيع الأخيرة
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 6 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 6 زائر :: 1 روبوت الفهرسة في محركات البحث

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 39 بتاريخ الإثنين 08 أكتوبر 2012, 19:44
احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 1296 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو hamadaeklides2020 فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 3413 مساهمة في هذا المنتدى في 1520 موضوع

صورة الذات في شعر محمد الماغوط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

08062011

مُساهمة 

صورة الذات في شعر محمد الماغوط






بقلم: د. رمضان حينوني

يحق لقارئ شعر محمد الماغوط أن يتردد طويلا في الحكم له أو عليه، لكثرة ما يزخر به ديوانه من متناقضات ومفارقات على مستويات عدة، أسلوبية وموضوعاتية وتعبيرية، بل حتى مشاعرية. غير أن الذي لا يتغير فيه، ويكاد يسيطر على أغلب إنتاجه هو صورة الذات العربية والشرقية بنمطيتها وتفاصيل أجزائها، حتى لنكاد معها نجزم بأن الشاعر بلغ في يأسه من التغيير حد الغرق في السلبية والعزلة والاغتراب.
عايش الماغوط كغيره من أبناء جيله تطورات البلاد العربية مند احتلال فلسطين عام 1948 مرورا بحرب 1967، و 1973، وأحداث لبنان عام 1982 ، ووصولا إلى ما شهده هذا العالم خلال السنين العشر الأخيرة من حياته، وكان خلالها الشاعر الذي نجح في تصوير جانبا مهما من معاناة الإنسان العربي النفسية والفكرية والمادية.                
لقد كان لهذه الأحداث جميعها آثارها الواضحة على كتاباته، فجسدها في صور قاتمة اللون، متنوعة الأشكال، هي مزيج من التهكم والسخرية، ومن الحزن والرثاء، ومن السخط والثورة، ومن النبش في التاريخ لرسم الصورة الأخرى لهذا الإنسان الذي آل إلى درك من الضعف والهوان، بعد أن كان سيدا للعالم؛ يهزه بصرخة تهديد، أو زحف جيش ، أو جامعة علم.
و لكن هذه العوامل الخارجة عن نطاق ذاته لم تكن وحدها صانعة هذا الشعر، فقد كانت تجربة السجن، من أهم العوامل التي أخرجت شعره بهذه الصبغة، و أضفت عليه طابعها الخاص. فسجن المزة لم يترك للخوف مفرا، و لطالما حدثنا الماغوط عنه في مقابلاته الصحفية، ناهيك عن ذكره في أكثر من قصيدة كعامل من عوامل الرعب. بل يصل في النهاية إلى قناعة مفادها أن الإنسان العربي – في نظره – لم ير الحرية في حياته، فهناك دائما من يتكلم وعلى الآخر أن يسكت.1  
وإذا كانت صورة الواقع العربي مشتركة بين شعراء حقبة تمتد من نكبة فلسطين إلى أحداث لبنان واحدة في مجملها، فإنها مختلفة كل الاختلاف في دقائق تركيبها إبداعيا، وجزئيات تفاصيلها وظلالها على حياة الإنسان العربي، وطبيعة ما يضيفه الشاعر على ألوانها من أصباغ خاصة، هي نتاج تكوينه الشخصي ووعيه السياسي، وقدرته اللغوية التي تستطيع، بعيدا عن صرامة البلاغة وقوانين الجمال الكلاسيكية، أن تقتحم على القارئ صمته أو حياده أو لامبالاته، ولتدخله عالم التفاعل والتجانس مع الواقع بشكل أو بآخر .
         يفتح الماغوط عينيه على واقع مر مأساوي، تغتلي فيه الأحداث، وتتعاظم فيه المؤامرات، وتتراكم فيه الإخفاقات على أصعدة جمة. الأمر الذي أشعره أنه في سجن أكبر من سجن "المزة" اسمه الشرق الوسط،2 سجن تنعدم فبه حرية التعبير عن الذات والواقع، ويكون المآل المحتوم لكل من يحاول كسر القاعدة، و المساهمة في تصحيح الأمور الآيلة إلى مزيد من الكوارث. و" ليس هناك من مأزق وجودي يعدل في مأزميته من كون الإنسان في غير موضعه، أي يكون خارج المكانة والدور والمشاركة والإدارة والقرار، وبالتالي العطاء والنماء.. إنه الضياع الوجودي ". 3
    هذه النظرة التي تبدو متطرفة لها ما يبررها، عند جيل عايش المآسي السياسية والاجتماعية والفردية، كما عاش التجربة الثقافية وآثارها. ذلك الجيل الذي لم يكن همه المأكل ووسائل العيش، بقدر ما كان يصبو إلى الحاجات الأخرى التي تحقق للإنسان كيانه ووجوده. وإذا احتكمنا إلى سلم ماسلو4 فإن أهم حاجتين يسعى المثقف إليهما هما حاجتا الدرجتين الرابعة و الخامسة، أي إلى احترام الذات، و تحقيقها. لهذا كله لا نملك إلا أن نقدر في هؤلاء نظرتهم القاتمة وتشاؤمهم الزائد ونقدهم الرثائي للواقع والتاريخ، حتى وإن لم يكونوا دائما على صواب.
وبالرغم من أن الماغوط لا يعتبر نفسه مثقفا5 بالمعنى الصارم للكلمة، بل واقعي يصور الواقع المعيش، إلا أن ذلك لا ينقص من وعيه وقدرته الكبيرة على التأثير في القارئ؛  فالصورة التي ارتكز عليها شعره لا تقل أهمية عن عناصر أخرى ميزت إبداع غيره، مثل اللغة الراقية، والرموز المبهمة وغيرها، فالصورة هي الأساس في التأطير الموضوعي للنص، ومن خلالها نستطيع قراءة الواقع السياسي والاجتماعي المحيط بالشاعر من جهة، وإدراك موقف الشاعر منه وتفاعله معه من جهة أخرى .
       والمتصفح لشعر الماغوط يلحظ هذا التنوع في صور الذات، وهي هنا الذات العربية بكل حمولاتها الدينية والتاريخية والقومية. تلك الذات التي يمكن أن ترى من زوايا مختلفة، وتحمل وجوها متغايرة ولكنها في النهاية ذات طابع واحد هو الهزيمة، أو هكذا ينظر الماغوط إليها من خلال قصائده، بل من خلال مجمل أعماله بما فيها المسرحية.
لكن، من الصعب الحديث عن كل الجوانب التي تعكس صورة الذات في دواوين الماعوظ المختلفة، فأنت أمام أخطبوط تتعدد أرجله، ويتعذر الإمساك بها بإحكام في آن. لهذا سنحاول في هذه المقاربة تسليط الضوء على ثلاثة من تلك المظاهر المشكلة لما يمكن وسمه باغتراب الذات، ويتعلق الأمر بالتسكع والخوف والتفاهة.
التسكع:
       تمثل(رسالة إلى القرية)6 واحدة من قصائد الماغوط المعبرة عن التسكع والضياع؛ فهي بوحدتها الموضوعية، وجزئياتها التعبيرية، ترسم صورة التائه المشرد الذي لا يعرف لوضعه حلا.. فمأساته الكبرى أنه يكتب في وسط لا يحب الكتابة !  
يتقاسم النص ثلاثة مواقف:
في الأول، يطلب من أبيه أن يأتي لنجدته، مناشدا فيه عاطفته التي- مهما تكن الأسباب أو الحيثيات التي حالت دون قربهما- تفرض سلطانها، وتستجيب لنجدة الابن الضال، فتعيد لهذا الفلاح المتهالك على محراثه شيئا من دوره الوراثي في حماية دمه  وكرامته.
أناشدك الله يا أبي
دع جمع الحطب والمعلومات عني
وتعال لملم حطامي من الشوارع
قبل أن تطمرني الريح
أو يبعثرني الكناسون .
يستخدم الماغوط في هذا المقطع تكثيفا معنويا مقابل اقتصاد لغوي، صور من خلاله حال أبيه الواقع بين هم الحياة اليومية، والاهتمام بأمر الابن البعيد، ثم ينقل حاله التي وصفها بالحطام فيعكس بها صورة الذات المتسكعة التائهة، من خلال عبارتين تحملان ثقل التصوير المأساوي. فالريح يمكن أن تطمره كأي قشة في الشارع، فإن لم تكن الريح، فالكناسون وهم بشر لا يجدون فرقا بينه وبين أي شيء تافه يميطونه عن الطريق. ومهما تكن رمزية الكناسين، فإن الصورة لا تتغير: ذات تافهة لا شيء فيها يلفت الانتباه، أو يدل على قيمة.
في الموقف الثاني ينقلنا الشاعر إلى علة ما آل إليه؛ إن الأمر لا يتعلق بمرض جسماني يذيب فيه اللحم والشحم، ولا جوع يهزله فيجعل منه شبح إنسان، بل هو القلم وهو الكلمة.
في المساء يا أبي
مساء دمشق البارد
حيث هذا يبحث عن حالة
والآخر عن مأوى
أبحث أنا عن كلمة
عن حرف أضعه إزاء حرف.
إنه الزمن الذي تتحول فيه الكلمة إلى هاجس حقيقي، ليس للإبداع فقط، بل للخوف أيضا. ذلك هو واقع المثقف المغترب روحيا ونفسيا عن وطنه أو مجتمعه. لقد كان من المفترض أن تكون الكلمة مبعث فخر وسعادة للشاعر والمجتمع على حد سواء، لكنها في حال شاعرنا مبعث خوف وقلق. وفي هذا السياق يأتي الاستفهام الساخر ليشوه الصورة الرائعة للإبداع الأدبي والفكري، لمجرد كون الإنسان مثقفا واعيا.
لكن
أوتظنني سعيدا يا أبي ؟
أبدا.. يجيب الشاعر ! كيف يسعد وفعل الكتابة جرم يقود صاحبه إلى المهالك، أو يقوده إلى التشرد والتسكع في أحسن الأحوال؟
إن هذا القلم سيوردني حتفي
لم يدع سجنا إلا وقادني إليه
ولا رصيفا إلا مرغني عليه
............................
أنام
ولا شيء غير جلدي على الفراش
جمجمتي في السجون
قدماي في الأزقة
يداي في الأعشاش
كسمكة سنتياغو الضخمة
لم يبق مني غير الأضلاع وتجاويف العيون.
في الموقف الثالث، يتراجع الشاعر عن طلب عون أبيه، كأنما وصل إلى قناعة يائسة بأن الوضع لن يتغير، بل كأنما ما دعاه أصلا في مطلع النص إلا ليخبره بما آل إليه.. ليتكلم حتى لا ينفجر بما في جوفه وقريحته، لعل الكلام أن يخفف شيئا من مأساته الثقيلة. لذلك يطلب منه هذه المرة أن يمحوه من ذاكرته، وأن يعود إلى محراثه وأغانيه الحزينة، لأن الذي آل إليه لا يمكن تصحيحه:
لقد تورطت يا أبي
وغدا كل شيء مستحيلا
كوقف النزيف بالأصابع .
وفيما عدا (رسالة إلى القرية)، فإن ملمح التسكع في لغة الماغوط طاغ طغيانا عارما؛ ففي قصيدته (في المبغى) 7يقول :
من قديم الزمان ..أنا من الشرق
من تلك السهول المغطاة بالشمس والمقابر
أحب التسكع والثياب الجميلة .
وفي (جناح الكآبة) 8:
مخذول أنا
لا أهل ولا حبيبة
أتسكع كالضباب المتلاشي
كمدينة تحترق في الليل .
وفي (الرجل الميت)9:
... مستعدا لارتكاب جريمة قتل
كي أرى أهلي جميعا وأتحسسهم بيدي
أن أتسكع ليله واحدة
في شوارع دمشق الحبيبة ؟
فما الذي جعل الماغوط يحب التسكع، وهو مستعد أن يرتكب من أجله جريمة قتل؟ إنه ليس حبا في واقع الأمر ، بل هو الشعور بالملازمة اللصيقة بينهما، إلى درجة أصبح معها التسكع متعة وطبعا؛ فهو الرفيق مهما يكن قبحه يظل المترجم لما يحيط بصاحبه من مظاهر الغبن والغربة .
لكن لفظ التسكع وحده، وإن تكرر في قصائد الماغوط، لا يكفي لرسم اللوحة المأساوية بفنية؛ وهكذا، فإن (الشوارع) و(الأرصفة) و(الأزقة) ألفاظ دالة كلها على وضع واحد مشترك، ينقل صورة الذات المعذبة المحطمة في أمانة تعبيرية تامة.أما الذي ساهم في تشكيلها فهو في نظر الشاعر ذلك الغير الناقص، والغير المتعالي على الحقيقة، وعليه فنحن لسنا أمام ذات سلبية تجد ولا تأخذ، ويفسح أمامها المجال فلا تتفاعل، ويطلب منها الاجتهاد فتكسل، بل أمام ذات تبدو مقهورة، تفرض عليها السلبية ولا تجد منفذا لصرفها.  
الخوف :
لا يختلف اثنان في أن الخوف أعدى عدو للإنسان، وضد الأمن الذي يعد من النعم التي تفتح الباب أمام سعادة الفرد. لهذا نجد القرآن الكريم ينكر على قريش شركها وكفرها بالنعم الكثيرة التي من أهمها القوت والأمن فقال تعالى:{ فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف}.( قريش3-5)  
هذا الخوف الذي يمكن استثماره فنيا، لأنه حقيقي لا مفتعل.. الخوف من السجن، الخوف من التعذيب. يقول الماغوط في مقابلة صحفية:(إذا دق بابي ليلا لا أفتحه، أقول في نفسي إنهم قادمون لأخذي رغم كوني محميا من الدولة.) ويقول في موضع آخر(لخوف حفر في مثل الجرافة داخل أعماقي، بقلبي بروحي بعيني بأذني، فلا أرجف من البرد ولا من الجوع بل أرجف من الخوف.)10  
وربما تكون قصيدة (الوشم)11 واحدة من أكثر القصائد تعبيرا عن ظاهرة الخوف عند الماغوط، وهي تتوزع على أربعة مقاطع تتحد في رسم الصورة الثانية في هذا الثالوث العجيب.
في المقطع الأول صرخة تحاول تغيير الواقع، أو انتفاضة في وجه مخترعي الخوف، تشبه إلى حد كبير محاولة اليائس الذي يعرف مسبقا عدم جدوى ما يريد:
الآن
في الساعة الثالثة من القرن العشرين
حيث لا شيء يفصل جثث الموتى
عن أحدية المارة
سوى الإسفلت
سأتكئ في عرض الشارع كشيوخ البدو
ولن أنهض
حتى تجمع كل قضبان السجون وإضبارات المشبوهين
في العالم
وتوضع أمامي
لألوكها كالجمل على قارعة الطريق
حتى تفر كل هراوات الشرطة والمتظاهرين
من قبضاتها أصحابها
وتعود أغصانا مزهرة مرة أخرى
في غاباتها
إنها صرخة رومانسية حالمة، لكنها واعية، تلك التي تستهجن تحويل الأشياء عن طبيعتها الابتدائية البريئة. فليست القضبان للسجون ولا الإضبارات للمشبوهين ولا الأغصان للهراوات أصلا، بل جعلت هذه لتلك لانحراف الإنسان عن كينونته وغايته، ولتشوه العلاقات الإنسانية نتيجة لتضارب الاتجاهات والرغبات والأفكار؛ فينتج عن ذلك جميعا حب الظلام والاستتار لدى الظالم والمظلوم، إذ يختفي كل منهما لغايته، الظالم ليتربص بضحيته، والمظلوم هروبا من جلاده:  
أضحك في الظلام
أبكي في الظلام
أكتب في الظلام
حتى لم أعد أميز فلمي من أصابعي
كلما فرع باب أو تحركت ستارة
سترت أوراقي بيدي
كبغي ساعة المداهمة.
ولئن كان الظلام ملاذا للشاعر، فإنه لا يعني الاطمئنان، فالمداهمة يمكن أن تحدث بين اللحظة والأخرى، لأن الآخر المتربص يمارس ظلامه هو الآخر. فالظلام ثنائي الوجه حلبة لصراع مرير بين عالمين: عالم الحق والحرية، وعالم الظلم والتجبر.
ويأتي المقطع الثالث بسؤال كبير:
من أورثني هذا الهلع
هذا الدم المذعور كالفهد الجبلي؟
إن تضمن السؤال كلمة (أورثني) يتجه بالخوف هنا إلى عوامل أبعد من أن تكون وليدة الأحداث السياسية أو الاجتماعية المستجدة. والماغوط لا ينفك يتحدث عن طبيعة الإنسان العربي الضاربة بجذورها في عمق التاريخ. ويسلط الضوء على كثير من الخلفيات الذهنية المتحكمة فيه، غير أنه لا يذهب في ذلك مذهبا عنصريا تعميميا، بل يحاول بوصفه عربيا أن ينقد الماضي، ويستنطق أحداثه إيجابية كانت أو سلبية .
فهل يريد الماغوط  تبرير حالة الهلع بإرجاعها إلى العامل الوراثي الذي يعلم الجميع أن ليس للإنسان دخل مباشر فيه، أم إن الشاعر يسعى بتأصيل الخوف إلى الانتقام –بصورة أو بأخرى – من المجتمع الذي يقض مضجعه؟
ويصل الخوف بالذات المعذبة إلى حده، حين يصبح طيفه كمثوله:
ما أن أرى ورقة رسمية على عتبة
أو قبعة من فرجة باب
حتى تصطك عظامي ودموعي ببعضها
ويفر دمي مذعورا في كل اتجاه
كأن مفرزة أبدية من شرطة السلالات
تطارده من شريان إلى شريان.
إن لفظتي(دمي) و(سلالات) الدالتين على العامل الوراثي تكشفان بوضوح عن حجم المأساة في عمق الشاعر، إذ عليه أن يكون دائما في تأهب أقصى وبالتالي في قلق دائم، في انتظار المفاجآت.
ويشكل المقطع الأخير حالة الجزم بالواقع المرير، والاستسلام للأمر الواقع:
عبثا أسترد شجاعتي وبأسي
المأساة ليست هنا
في السوط أو المكتب أو صفارات الإنذار
إنها هناك
في المهد... في الرحم
فأنا قطعا
ما كنت مربوطا إلى رحمي بحبل سره
بل بحبل مشنقه .
فالحالة إذن ميئوس منها، ونبرة الشاعر الحزينة تغرقه في التشاؤم والغربة النفسية والاجتماعية. ومثل هذا الشعور يعكس في واقع الأمر الشعور بالسلبية، أو بالتهميش. ويدخل الشاعر والمجتمع في سجال حول تحديد المسؤولية عن هذا الوضع، ومهما تكن نتائجه فإن خللا واضحا يعتري الواقع، ولا بد من تصحيحه.
التفاهة أو احتقار الذات :
      من الطبيعي أن يكون التشرد والخوف عاملين مهمين في الوصول إلى أهم ملمح في صورة الذات الماغوطية وهو التفاهة، وبهذا تكتمل أضلاع المثلث المأساوي، بحيث يؤدي كل منها إلى الآخر. فالتفاهة تؤدي إلى الخوف، و الخوف إلى التشرد، والتشرد إلى التفاهة ، و هكذا دواليك.              
       وإذا كان من عادة الإنسان أن يسعى جاهدا لتغطية عيوبه، ورفض أي شكل من أشكال الاحتقار التي قد يتعرض لها، فإن ما نجده في دواوين الماغوط الثلاثة 12 من قصائد تعبر عن تفاهة الإنسان العربي في مجتمعه لا يكاد يحصى. ولكن لنقتطف بعض فقرات تجسد هذا الملمح بشكل واضح سافر، بدل عرض قصيدة بعينها.
 ففي قصيدته(النخاس)13 يلعب الشاعر دور بائع متجول بضاعته أشياء لا يمكن شراؤها،إما لأنه لا يملكها أصلا مثل السماء الزرقاء والعواصف الثلجية، و إما لأنها مما ينفر منه الإنسان، ويسعى للتخلص منه مثل الرمد للأطفال أو التذمر للآباء !
ويمضي الشاعر في عرض البضاعة بنفس لا يتعب جامعا بين المادي والمعنوي، والمعقول واللامعقول، لنعرف في النهاية أنه في عجلة من أمره، وأنه يريد إنهاء صفقته لا ليسعد بربح أو يهنأ ببيع ، بل ليغرس في صدره شيئا ويموت.
هذه العبثية الصارخة ما هي إلا شكل من أشكال التعبير عن التفاهة، عن التيه والضياع وانحطاط القيمة، إذ يبدأ الماغوط نصه بقوله:
الاسم: حشرة
اللون: أصفر من الرعب
الجبين: في الوحل
مكان الإقامة: المقبرة أو سجلات الإحصاء
المهنة: نخاس
 هذه البطاقة التعريفية واضحة الدلالة، صريحة اللفظ، فهو لا يعدو كونه شيئا خارج المجتمع، وخارج الحياة. وهي صورة تجمع التفاهة إلى الخوف من خلال صفرة الوجه، والتشرد من خلال مكان الإقامة وهو المقبرة، وهكذا تبدو هذه الثلاثة المكونات الرئيسية في صورة الذات.
غير أن اللافت في شعر الماغوط أن التفاهة الشخصية التي يعبر عنها تجر معها أحيانا تفاهة لما يرتبط بها في ملمح انتقامي على ما يبدو. ففي معرض بيعه تمتد سلع البيع إلى أعزما يزين تاريخنا:
كل الفتوحات العربية
مقابل سرير
كل نجوم الشرق
مقابل عود ثقاب.
إن تفاهة الذات أدت إلى تفاهة الآخر، فردا كان أو جماعة؛ فكأن الشاعر يسقط حاله على محيطه، باعتبار أن هذا المحيط هو السبب في ما آل إليه. وهذه (حال متطورة لعدم التوافق وعدم السواء لانفصال الذات عن الفرد والمجتمع.) 14  
غير أن سخط المثقف على المجتمع الصغير أو الكبير يأخذ –عند شعراء كالماغوط- منحى بعيدا، فهو يتوغل في الإرث الحضاري وفي التاريخ، ولا يتوقف عند مجرد المكونات المادية، أو ما له علاقة بحياة الإنسان الضيقة. وعندما يركز الشاعر على الفتوحات العربية إنما يريد أن يعبر عما آل إليه المجتمع الكبير من صغار وضعة، يستشعرها الفرد من خلال ذاته أولا، ومن خلال علاقاته بالمحيط، ومقارنة هذا المحيط بغيره من المحيطات التي تبدو أكثر منه انسجاما وتحقيقا لأحلام الأفراد.
إن الإحباط الذي بدا من خلال المقطعين، ليدعونا إلى التساؤل عما إذا كان الولاء للمجتمع ما يزال قائما عند الشاعر. لكن لا مفر لنا من ملاحظة، وهي أن سخط المثقف- كما هو عند الماغوط- سخط واع لا يهدف إلى الهدم إطلاقا. إنه ضرب من النقد العنيف الذي يحاول فضح الظواهر السلبية لإعادة النظر فيها وتصحيحها. ويذكرنا هذا الجزء من النص بـ(المهرج)، المسرحية التي استعاد فيها الماغوط شخصية صقر قريش، وبعثه إلى الحياة ليكتشف التحول العظيم للإنسان العربي، لكنه ينتهي به المطاف إلى أن يباع مثل أي تحفة أثرية إلى أعدائه الأسبان وبأبخس الأثمان. أما بائعه فهو ابن جلدته، والمنتظر منه الاحتفاء به وتمجيد بطولاته.
ويمضي الماغوط في التعبير عن التفاهة واحتقار الذات في قصائد أخرى كثيرة ؟ ففي(أغنية لباب توما )15 يقول:
ليتني وردة جورية في حديقة ما
يقطفني شاعر كئيب في أواخر النهار
أو حانة من الخشب الأحمر
يرتادها المطر والغرباء.
...........................
أشتهي أن أكون صفصافة خضراء
قرب كنيسة
أو صليبا من الذهب على صدر عذراء
إن تركيز الشاعر هنا على الموجودات الجامدة، ورغبته أن يكون واحدا منها، لمظهر آخر من مظاهر التفاهة، حتى وإن كانت الأشياء هذه ثمينة ماديا أو معنويا. فمهما تكن قيمة هذه الموجودات، فإن حياة الإنسان هي الأهم. وعندما يفقد الإحساس بذلك لسبب أو لآخر تتجسد المأساة في أجلى صورها.
والنبرة نفسها نراها في(الخطوات ذهبية)16 فالشاعر ما زال يرغب في أن يكون غير ما هو  عليه.. كأنما يريد أن يفر من ذاته، حتى وإن كان ما يؤول إليه عبودية:
آه كم أود أن أكون عبدا حقيقيا
بلا حب ولا وطن
لي ضفيرة في مؤخرة الرأس
وأقراط لامعة في أذني.
يبدو إذن أن الماغوط يتموضع في مثلث السلبية الذي أضلاعه متساوية، وزواياه متقابلة، ومتحدة ضده في آن. أينما اتجه في حلبته البائسة لا يجد غير الشكوى والأنين، والأوجاع والأمراض. إنه المحاصر بأحلامه وكوابيسه.. بتاريخه وحاضره، يحاول أن يتمرد على نفسه ومحيطه ويفشل، وكأنما كتب عليه أن يعيش كئيبا مهزوما، والدنيا من حوله لا تأبه إلا بعيشها وقوت يومها.
وما أبعد الماغوط عن شعراء العنتريات و الفخر، أين هو من عنترة والمتنبي والحمداني، وأين هو من القباني ومفدي زكريا وكثيرين غيرهم، عرفناهم بفخرهم رغم ما طالهم من الغربة وضيق العيش، وكأنهم كانوا يكابرون ليقولوا إنهم أقوياء. أما الماغوط، فيبدو أنه لا يعرف في حياته إلا الضعف والاستكانة رغم جرأته وصراحته. كيف لا وهو المرعوب بالولادة، الخائف من كل شيء، حتى من آذان الحيطان !
ولئن كان هذا حاله، فالحق أنه خلف لنا شعرا معبرا أفضل تعبير عن واقع الحال في المجتمعات العربية والشرقية . ويكفي هذا رسالة من شاعر قتلته البساطة حتى أضحى شهيدها.

*******************************


avatar
مدير المنتدى
Admin

عدد المساهمات : 885
نقاط : 4988
تاريخ التسجيل : 22/08/2009
الموقع : قـد جعلنا الوداد حتما علينــا ** ورأينـا الوفـاء بالعهد فــرضا

http://rihabalkalimah.cultureforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى